ساجد جاويد مهاجر من القارة الهندية وزيرا لداخلية "الضرورة"

مشكلة جاويد تتمثل في أنه أول مسلم يتولى إحدى الحقائب الأساسية في الحكومة البريطانية، لكن في نفس الوقت هذه الحقيبة هي لعنة السياسيين البريطانيين طوال التاريخ الحديث.
الأحد 2018/05/06
بريطانيا تمهد الطريق لصعود تاريخي لأول رئيس وزراء مسلم

لندن – تعيين ساجد جاويد الأحد الماضي وزيرا للداخلية في حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي يأتي مؤشرا على ضعفها وليس قوته هو. ماي خسرت أمبر رود، أحد أقوى أصوات الخروج الآمن من الاتحاد الأوروبي، في حكومة صارت مختطفة من قبل المتشددين تجاه كل ما هو أوروبي.

مشكلة جاويد هو أنه أول مسلم يتولى إحدى الحقائب الأساسية في الحكومة البريطانية. هذا صحيح، لكن في نفس الوقت هذه الحقيبة هي لعنة السياسيين البريطانيين طوال التاريخ الحديث.

باستثناء ماي، لا يوجد سياسي تولى وزارة الداخلية طوال العقود الماضية وانتقل إلى الخطوة التالية، أو حافظ على مستقبله السياسي. جاويد يتولى وزارة داخلية غارقة في مشكلاتها الداخلية.

تأمل ماي في أن يدفن تصعيد جاويد فضيحة “ويندراش”. وويندراش هو اسم أول سفينة صعد عليها الجيل الأول من المهاجرين من دول الكاريبي عام 1948 إلى بريطانيا، كجزء من اتحاد الكومنولث، عندما احتاج البريطانيون إلى أياد عاملة من الخارج لإعادة إعمار البلد، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وعندما تم تقنين أوضاعهم في أوائل سبعينات القرن الماضي، وحصل هذا الجيل على إقامات دائمة في بريطانيا، لم يكن أحد من أبنائهم يعتقد أنه بعد مرور أكثر
من 40 عاما سيأتي من يسأله عن الوثائق التي تثبت شرعية إقامته على الأراضي البريطانية.

كان معظم المئات الذين تم ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، التي لم يرونها من قبل أصلا، أطفالا في السبعينات، إذ جرت إضافتهم على جواز سفر آبائهم وأمهاتهم، دون استخراج وثائق لهم بشكل مستقل.

خطأ رود أنها لم تكن لديها قبضة حديدية على مجريات الأمور في وزارة الداخلية، التي تصرف موظفوها بتلقائية، بناء على قوانين مشددة للهجرة أقرت في عهد ماي، وطالبوا هؤلاء بتقديم إثباتات عن كل عام من حياتهم قضوه في بريطانيا، وإلا سيتم ترحيلهم. وبالفعل، هذا ما حصل.

الجميع يعلم أن ماي لجأت إلى جاويد، الباكستاني الأصل، ونجل سائق الحافلة، الذي ولد عام 1969 في مدينة روتشدال الفقيرة بالقرب من مانشستر، كي ترسل رسالة إلى “البيئة المعادية” في الطبقة السياسية، التي أطاحت بأمبر رود. الرسالة ببساطة هي أن ابن المهاجرين لا يمكن أن يستخدم سياسات اليد الثقيلة في التعامل مع المهاجرين. الحقيقة هي أن كل هذا خطأ!

مسلم يميني

رئيسة الوزراء تيريزا ماي تأمل في أن يدفن تصعيد جاويد فضيحة “ويندراش“. وويندراش هو اسم أول سفينة صعد عليها الجيل الأول من المهاجرين من دول الكاريبي عام 1948 إلى بريطانيا، كجزء من اتحاد الكومنولث.
رئيسة الوزراء تيريزا ماي تأمل في أن يدفن تصعيد جاويد فضيحة “ويندراش“

كل زملاء جاويد يدركون أنه عندما يوضع في مقارنة مع رود فمكانه التلقائي، في ما يتعلق بالخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست” وسياسات الهجرة والجريمة المنظمة، سيكون على أقصى اليمين. لا أحد لديه أوهام حيال ذلك. المسألة كلها تتعلق بالشكل ولون بشرة جاويد الغامقة. لا علاقة لهذا التغيير الذي حدث فجأة في صفوف الحكومة بسياسات هذه الحكومة.

في فبراير 2016، أعلن جاويد، المعروف بتشكيكه الدائم في جدوى الاتحاد الأوروبي، على مضض وبعد عناء، أنه يريد البقاء في صفوف الاتحاد، في مقال بعنوان “إنه فشل، لكن بقلب مثقل، أؤمن أن علينا البقاء”، مضيفا “بريطانيا لم يكن يجب أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي. كان هذا مبالغة في البيروقراطية”.

وأكد جاويد في هذا المقال “إذا كان هذا الاستفتاء (يقصد الاستفتاء على البريكست الذي أجري في يونيو 2016) أصلا على الانضمام إلى الاتحاد، لم أكن أتردد للتقدم وتأكيد أن بريطانيا أفضل خارج صفوف الاتحاد”، لكنه أكمل الجزء الأهم من وجهة نظره عندما وازن بين مخاطر الخروج أو البقاء قائلا “قلبي يقول إننا أفضل في الخارج، وعقلي يقول إن مخاطر ذلك عالية الآن”.

اليوم جاويد الذي تولى للتو حقيبة الداخلية ليس هو جاويد الذي كتب هذا المقال منذ أكثر من عامين. هذا وقت الفرص التي يجب اغتنامها. وعلى تويتر الأسبوع الماضي أضاف جاويد رصيدا إلى المناهضين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الجمركي.

والاتحاد الجمركي هذا هو مشكلة المشاكل اليوم في بريطانيا وأوروبا. هذا الاتحاد هو كيان يسمح بإلغاء أو تخفيض التعريفات والرسوم الجمركية على البضائع التي تعبر الحدود بين الجانبين، مقابل عدم السماح لبريطانيا بتوقيع اتفاقات تجارة حرة مع أي طرف ثالث غير الاتحاد الأوروبي.

الاتحاد الجمركي، بعد أن حصل ما يشبه الإجماع على خروج بريطانيا حتميا من السوق المشتركة، تحول إلى مؤشر القياس لمواقف السياسيين البريطانيين الذين انقسموا إلى مناصرين لخروج صعب أو سهل من الاتحاد. المؤيدون للاتحاد الجمركي مع أوروبا هم المعتدلون، والمناهضون له هم المتشددون.

الأحد الماضي، بعدما أيقن أن خروج بريطانيا لم يعد محل شك وأن الحكومة هيمن عليها المتشددون، قال جاويد إن هناك هدفا واحدا يريد أن يراه يتحقق وهو “إعادة بسط السيطرة على الهجرة عبر إنهاء بند حرية الحركة” مع أوروبا.

يتناقض موقف جاويد، الذي تولى حقيبة الأعمال في الحكومة، مع خلفيته المالية. فبعد حياة عملية سريعة، وصل خلالها إلى قمة “دويتشه بنك” بعد خبرات راكمها نتيجة لعمله في نيويورك وسنغافورة، تحول “ساج” إلى رمز لفلسفة “بريطانيا العالمية”، التي تريد لندن انتهاجها بعد أن تتحرر من سياسة الاتحاد الخارجية.

لكن مشكلة جاويد والمتشددين الآخرين في الحكومة هي أن البرلمان لا يقف معهم في خندق واحد. هذا الأسبوع أقر مجلس اللوردات، الغرفة الثانية للبرلمان، قانونا يسمح للبرلمان فقط بإقرار الاتفاق النهائي للخروج من أوروبا، وهو ما كانت الحكومة تأمل أن يظل امتيازا حصريا لها. البرلمان بهذا يلجم الحكومة ووزراءها.

لكن هذا الموقف يحول “ساج”، بعد خروج رود، التي كان ينظر لها باعتبارها حجر زاوية في معسكر الخروج الناعم، في نفس الوقت الذي تمكنت من التأثير على قرار ماي في ما يتعلق بتبني مرحلة انتقالية بعد الخروج الفعلي في مارس 2019، إلى عبء على هذا المعسكر.

في الوقت الذي لا يمثل بريكست إحدى أولويات “ساج”، سيقف وزير الخزانة فيليب هاموند وحيدا مع وزير الاقتصاد غريغ كلارك، كآخر حارسين للعقل والمنطق في حكومة تحكمها النزعات الأيديولوجية وسياسة اقتناص الفرص أينما لاحت.

تحويل مسار الحزب والحكومة

جاويد الذي يلقب بـ“ساج” لن يستطيع تغيير سياسة الهجرة بأي حال قبل أن يتم إقرار الشكل النهائي لاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورسم الإطار النهائي للعلاقات مع أوروبا
جاويد الذي يلقب بـ“ساج” لن يستطيع تغيير سياسة الهجرة بأي حال قبل أن يتم إقرار الشكل النهائي لاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورسم الإطار النهائي للعلاقات مع أوروبا

مشكلة وزارة الداخلية، التي تولتها ماي لمدة ستة أعوام قبل أن تصعد لمنصب رئيس الحكومة، هي أنها فاقدة للبوصلة والهدف، بالضبط مثل الحكومة في تركيبتها الأوسع.

ومع ذلك لن يستطيع جاويد، كما لم تستطع رود من قبله، أن يدخل تعديلات كبرى على ثقافة عمل الوزارة وديناميكيتها لأن ذلك سيعد إنهاء لإرث رئيس الوزراء. هذا يجعل عجلات الوزارة دائرة دون ان تقدم تغييرا حقيقيا.

هذا يعني أن جاويد لن يكون بإمكانه تحقيق الهدف نفسه الذي جاء إلى هذا المنصب من أجله، وهو الهجرة. لن يستطيع جاويد تغيير سياسة الهجرة بأي حال قبل أن يتم إقرار الشكل النهائي لاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد، ورسم الإطار النهائي للعلاقات مع أوروبا، لكن عدم امتلاك المحافظين

 للأغلبية في البرلمان معناه أن ماي ستنتقل من تمرير قضية إلى أخرى والعيش سياسيا كالعصفور الذي يحصل على رزق كل يوم على حدة، حتى تظل صامدة إلى آخر مارس 2019، الموعد النهائي لبريكست. هذا هو الإنجاز الذي تريد ماي تحقيقه على المستويين السياسي والشخصي.

 يقول وزير محافظ “هذا يعيدنا مرة أخرى إلى المشكلة نفسها: ما هي الاستراتيجية التي نتبناها؟ ماذا نحاول أن نفعل؟ إذا لم نتمكن من الإجابة على هذه الأسئلة، فكل هذه الانتكاسات ستستمر في الحدوث”، مضيفا “هذه مشكلة استراتيجية تكمن جذورها في قمة السلطة”.

لكن مع تصعيد “ساج” لتولي حقيبة الداخلية، أرادت ماي أن تحقق هدفين في وقت واحد. أولا الحفاظ على المقاربة المتشددة التي وضعت أسسها حيال الهجرة، وتولي مسلم ملف محاربة الإرهاب الإسلامي. ثانيا: قدمت ماي، لأول مرة منذ توليها رئاسة الحكومة، قائدا مستقبليا للحزب. “ساج” هو المنافس الجدي الوحيد على زعامة المحافظين إلى الآن. هذا يضع ظهر وزير الخارجية بوريس جونسون، الذي ينظر إليه على نطاق واسع كبديل وحيد في حالة سقوط ماي، للحائط.

ويقول عضو في البرلمان عن الحزب “هذه معركة على روح الحزب وأهدافه، هل هو مظلة واسعة في السياسة البريطانية، أم هو كيان يتحول من حزب يقود عملية بريكست إلى حزب البريكست؟”.

هل يفهم “ساج” هذه المعادلة؟ هل يمكنه استغلال موقعه في تحويل مسار الحزب، والحكومة، في اتجاه مستقل يترجم في تغير حقيقي في الشارع.

بالتأكيد وصول جاويد لا علاقة له بنتائج الانتخابات المحلية التي أجريت الخميس الماضي، لكن تحويل نهج الحزب عملية طويلة وشاقة.

بعد محاولة مقتضبة لدعم صديقه ستيفن كراب عام 2016 على زعامة الحزب، مع وعد بأن يتولى هو حقيبة الخزانة، صعد جاويد في حكومة ماي إلى منصب وزير المجتمعات، لكن علاقته الشخصية بماي لم تكن أبدا على ما يرام.

بعد خسارة المحافظين للأغلبية البرلمانية، في الانتخابات المبكرة التي دعت لها ماي عام 2017، تحول “ساج” إلى أحد أكثر المنتقدين لها ولأسلوب قيادتها، ومع ذلك وقع الاختيار عليه كوزير للداخلية، وهو ما يعكس نفاد الخيارات من جعبة ماي. وهو ما يثبت مرة أخرى أن تصعيد “ساج” ناتج عن ضعف ماي، وليس قوته هو.

9