ساحات خضراء مصغرة تشق فوضى العاصمة النيجيرية

أمام ابتلاع المشاريع العقارية تدريجيا كل الحدائق التي كانت موجودة في العاصمة التجارية لنيجيريا، قرّرت سلطات مدينة لاغوس النيجيرية استغلال مساحات صغيرة مما يتوفر من مستديرات مزدحمة ونتوءات تحت الجسور لتحويلها إلى واحات خضراء، بهدف الإسهام في تجميل المدينة التي يعيش فيها حوالي 20 مليون نسمة.
الأربعاء 2015/06/10
ساحات خضراء وسط فوضى المدينة

لاغوس - متنزه ندوبويسي كانو، المحاصر بين مبان إدارية ضخمة وطريق حيوي مهم في وسط المدينة، مثال عن هذه الحدائق المصغرة، إذ يوجد هنا مساحة عشبية محفوظة بشكل جيد ومنطقة مخصصة للعب الأطفال وملعب لكرة السلة وبعض المقاعد المقامة تحت المظلات وكشكان للوجبات الخفيفة.

مونيكا زونيي آبو تُعدّ من الأمهات النادرات اللواتي يرتدن هذا المتنزه مع طفليها البالغين ثماني وعشر سنوات، حتى أنها قررت أخيرا الاحتفال بعيد ميلاد ابنها البكر في هذا المكان.

تقول آبو “إننا لا نقيم في العادة أي احتفالات في الهواء الطلق” وأكثرية حفلات أعياد الميلاد التي يشارك فيها ولداها تقام في قاعات استقبال واسعة أو داخل مساكن خاصة.

وتضيف “أردت تنظيم شيء مختلف لطفلي”، من هنا انطلقت الفكرة المستهجنة بالنسبة للكثير من النيجيريين البرجوازيين، بإقامة احتفال في هذه الحديقة العامة.

ومع النمو السكاني الكبير في لاغوس خلال السنوات الأخيرة، ابتلعت المشاريع العقارية تدريجيا كل الحدائق التي كانت موجودة في العاصمة التجارية لنيجيريا، أكبر قوة اقتصادية في أفريقيا. وخلال فترات الحكم الطويلة للأنظمة الدكتاتورية العسكرية في البلاد، لم يشكل التخطيط المدني أولوية ومن ثمة لم تكن حماية المساحات الخضراء بدورها كذلك.

ومنذ العودة إلى النظام الديمقراطي سنة 1999، ظهرت أكثر من 80 حديقة مصغرة، حسب ما يؤكد بفخر مفوض الشؤون البيئية في ولاية لاغوس تونجي بيلو.

ولا يزال بيلو يستذكر بحنين كبير عطل نهاية الأسبوع التي قضاها خلال شبابه في متنزه “ايكويي بارك” الذي كان واحة خضار غناء في قلب حي ايكويي السكني الراقي. وبالنسبة لمايكل دوسو اوييلودي، الموظف الرسمي المتقاعد، كان متنزه ايكويي بارك بمثابة هدية حقيقية تركها المستعمرون البريطانيون لسكان لاغوس بعد الاستقلال سنة 1960.

ويروي اوييلودي أن المتنزه “كان حقا مساحة كبيرة للغاية.. أشبه بواحة سلام” يلتقي فيها الناس للنزهات في الهواء الطلق أو للاحتفال بالأعراس”.

80 حديقة مصغرة جديدة، على الأقل، أقيمت في العاصمة لاغوس

ويلفت اوييلودي إلى أن هذا المتنزه شهد نسبة ارتياد كبيرة في أيام عطلة نهاية الأسبوع خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، إلى أن “بدا النظام العسكري بتحويله إلى مجمع سكني”.

أما اليوم، فـ”ايكويي بارك” أصبح مشروع “بارك فيو استايت” العقاري، وهو مجمع كبير محمي بسياجات ضخمة وعناصر حراسة وحيث المنازل المتراصفة في شوارع مصممة هندسيا تؤجر في مقابل آلاف الدولارات شهريا.

بيلو الذي ينهي قريبا ولايته الثانية، يقر بأنه من شبه المستحيل إعادة إنشاء حديقة مشابهة لمتنزه ايكويي في أيامنا هذه، نظرا الى أسعار العقارات التي تسجل ارتفاعا مطردا والتسابق بين المروجين العقاريين لبناء أبراج سكنية في هذا الحي الراقي. ولذا اضطر إلى إعادة النظر في طموحاته وتصغير حجم مشاريعه من خلال استحداث مساحات صغيرة صالحة للتنزه في كل أحياء المدينة.

مستديرة فالومو جزء من هذه المنتزهات الثمانين التي ظهرت في السنوات الأخيرة.. هذه الواحة الخضراء الواقعة تحت جسر في قلب المناطق الأكثر اكتظاظا لا يوحي حقيقة بأنه موقع للراحة او الهدوء بعيدا عن صخب المدينة.

ومع ذلك فإن الناس يتهافتون على هذا المكان خصوصا في نهاية كل عام خلال فترة عيد الميلاد لتأمل مغارة مضاءة. وعلى مر السنوات، أصبح المكان ملتقى للناشطين من كل الاتجاهات: فأسماء 219 تلميذة مختطفة على يد إسلاميي حركة بوكو حرام في شيبوك، في ابريل 2014، نشرت على مدى أشهر عدة، كما أن حركة “اوكوباي لاغوس” (احتلال لاغوس) المعارضة للحكومة عقدت في هذا المكان لقاءاتها السياسية سنة 2012.

وبشكل غير مباشر، قد يساعد ظهور هذه المساحات الخضراء المصغرة في محاربة مشكلة جديدة ومتنامية في نيجيريا هي البدانة، إذ تصيب هذه المشكلة عددا متزايدا من الاطفال والمراهقين النيجيريين بحسب دراسة نشرت نتائجها سنة 2012 وأنجزها قسم طب الأطفال في جامعة لاغوس والمستشفى الجامعي في المدينة. ويؤكد بيلو أن إحدى الطرق لمكافحة هذه الظاهرة هي مساعدة سكان لاغوس على تغيير عاداتهم الحياتية. ففي هذه المدينة الكبرى المزدحمة من الصباح حتى المساء، لدى السكان ميل إلى تمضية وقت طويل في وسائل النقل وعدم التحلي بالطاقة اللازمة لممارسة أنشطة جسدية بعد الوصول الى وجهاتهم.

20