ساحة افتراضية عرّت المثقفين القدامى

كثيرون من المثقفين والمبدعين والفنانين التونسيين اجتمعوا على تقديم مواد ثقافية وفنية متنوعة المشارب في ساحة ثقافية افتراضية.
الثلاثاء 2020/03/24
سوق ثقافية وفنية مفتوحة

منذ الأيام الأولى للحظر الصحي في تونس، بدأت مبادرات كثيرة من قبل فنانين ومثقفين ومبدعين، تحاول التواصل مع الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الكثيرون بدأوا في تقديم مواد فنية وثقافية مختلفة، نجد مثلا الغناء مثل ما قدمته المطربات نادية خلاص ولبنى نعمان، مغنون آخرون مثل أمال المثلوثي أيقونة الثورة التونسية، كل واحدة منهن قدمت موسيقى مختلفة لمتابعي وسائل التواصل.

لم يتوقف الأمر عند الغناء بل وجدنا صالونات أدبية رقمية كالذي قدمته الصحافية التونسية سماح قصدالله، كما وجدنا صفحات مخصصة للمسرح ومن أهمها صفحة “بعد الرابعة مساء” التي أنشأها المخرج المسرحي التونسي نزار السعيدي، وقدمت أعمالا مسرحية تونسية وعربية كثيرة للكبار مساء وللأطفال في الصباح، في دعوة من السعيدي لا للفرجة فقط وإنما للنقاش كذلك، وهو ما تم بالفعل على صفحات الفيسبوك.

هناك من اختار قراءة قصائد قديمة، آخرون اختاروا قراءة نصوصهم هم، وآخرون قدموا مواد تراثية أو تاريخية.

آخرون قدموا عددا من الأفلام التي تناسب الحالة، شارحين أجواء كل فيلم لـ“الجمهور”، خاصة "أفلام الأوبئة". وهناك فقرات للرقص مثل التي قدمها الراقص التونسي رشدي بلقاسمي ومازال يقدمها كل مساء.

اجتمع التونسيون على تقديم مواد ثقافية متنوعة المشارب، ما خلق ساحة ثقافية افتراضية، لكل الحق في تتبع الفيديو والمكتوب الذي يناسب ميولاته، لذا كانت وسائل التواصل أشبه بالمهرجانات المفتوحة في فضاءات غير تقليدية.

لكن نتساءل هل نجحت السوق الثقافية والفنية الافتراضية في تعويض المهرجانات والتظاهرات الثقافية الملغاة؟ وهل قدمت السوق الافتراضية منتجا يرقى إلى تطلعات جمهور المواقع الاجتماعية، الذي يبحث عادة عن الترفيه والسكوب والعجائب، وكل ما من شأنه أن يريح تصوراته حول العالم والوجود.

وجدنا من الشعراء من يقرأ قصائد للمتنبي، وهي تبدو تقريبا غريبة للمتابعين الافتراضيين، وجدنا آخرين يقدمون قضايا فنية هامة، بل في غاية التعقيد، لكن بلا متابعين، آخرون فضلوا مخاطبة القوم بما يفهمون، فاختاروا الإغراء الجنسي سبيلا لهم، وهو ما نجحت فيه مثلا المؤدية والراقصة التونسية نرمين صفر، التي جلب صدرها المكشوف متابعين أكثر مما جلبه غيرها.

إنها سوق بأتم معنى الكلمة، حيث لا تكفي جودة منتجك لتسويقه بالشكل الجيد، بل تصبح طريقة التسويق والتقديم والعرض، أهم من الجودة في ذاتها.

Thumbnail

دخلنا إذن منطق السوق، الذي فرض نفسه بشكل جدي وأساسي في متابعات الناس. “ماذا يريد الناس وأنا أقدمه لهم”. هذا هو الشعار الناجع الآن. أما قارئو القصائد التي تدعي العمق، أو مرددو قصائد المتنبي والبحتري وأبي تمام، فلم ينالوا من المتابعين إلا ما يحفظ ماء الوجه من الاندلاق التام.

الحجر كشف معادن كثيرة للمثقفين والمبدعين العرب، كشف مدى بعد بعضهم عن الناس، ومدى تهافت وفراغ بعضهم الآخر، فيما كشف في الجهة الأخرى، ماذا تريد الجماهير، “إرادة قطيعية” لم تتوقف عن التعاظم حتى باتت مبدأ “الجمهور عاوز كدا”.

ترسخت دكتاتورية الجماهير وصارت معيارا فنيا وإبداعيا، هذا لم يصدقه الكثيرون، وتعللوا بحجة التواصل ولو توفرت لهم فرص تواصل أكبر لغيروا من ذائقة الجماهير. لكن بان بالكاشف أن هذا غير صحيح، فالجماهير، أو لنكن أكثر تخصيصا ونقول؛ المواطنون لهم نظام تقييمي وذوقي مشترك يفشل كل المثقفين الجديين في تخطيه.

هناك وجهان إيجابي وسلبي لذائقة الجماهير التي لا يمكن التحكم بها.

أما الجانب الإيجابي، فهو أن “الجمهور” صار مجموعة من الأفراد الواعين، ولا يمكن بأي طريقة التحكم بهم وبما يريدون، إنه مبدأ الحرية الذي يضع المبدع في رهان صعب أمام جمهور له رهاناته وانتظاراته وثقافته، وله نقاط اختلاف حتى، إذ يبدو أكثر من نمط واحد بل هو متعدد، وهذا ما يخلق تحديات كثيرة أما المبدع والمثقف أيا كان مجال اشتغاله.

أما النقطة السلبية فهي خلق نوع من الدكتاتورية، والكثير من المبدعين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على مسايرة الجماهير وذائقتهم، ما يقلص من هامش حرية الإبداع لصالح إرادة الجماهير، وهو ما ينصاع له المبدعون أو يجدون أنفسهم خارج دائرة التقبل، وبالتالي في عزلة لا تفيدهم ولا تفيد غيرهم. مثلا فلنر تعامل أغلب المبدعين مع القضايا الدينية والسياسية وتجنبهم للجرأة في الخوض فيها خوفا من انعكاس ذلك على سعيهم لتكوين جمهور.

الأمر ليس سهلا أن تجد حلا للمعادلة الصعبة بين حرية المثقف وانطلاق المبدع وكشوفاته، وبين الجمهور وثقافته، وهذا ما جعل الكثير من الدكاترة والأكاديميين عرضة للسخرية في ما قدموه من مواد ثقافية، بأشكال قديمة تعتمد ثقافة المعلم والتلميذ.

انتهى زمن المعلم والتلميذ، وجاء زمن التفاعل، يمكن لمتقبل المعلومة أو المادة الفنية أو الثقافية في الفضاء الافتراضي أن يعلق بحرية تامة، على ما يقدم إليه. قد تصل تفاعلات الجمهور حد التجريح والهدم، لكن ما الذي يفعله المبدع والمثقف أو صاحب المنتج الثقافي هنا؟

يمكن أن يرفض المبدعون منظومة دخلوا فيها ولم تعجبهم نتائجها، لكن يمكن لهم أيضا الاستمرار في المحاولة لخلق جمهور ما.

هناك من يخلق جمهوره بالكذب والنفاق والتسويق الفج والمهادنة، لكن الأجدى للمبدع أن يخلق جمهوره بالنقاش المفتوح على الاختلاف والتنافر، وهذا يترك المنتج الثقافي والإبداعي مفتوحا للتفاعل، بما يفيد كلا الطرفين المبدع والمتلقي، وهو ما يندر أن نراه.

لقد عرى الظرف الطارئ مؤخرا سذاجة الكثير من المثقفين والمبدعين، خاصة من الأدباء، الذين بان بالكاشف أنهم خارج التاريخ  وخارج ما يحدث.

15