ساحة ثورية تكثفت ظواهرها بين أربعة جدران

نادين ربيز قرّرت أن تؤجل كل معارض السنة المقررة سابقا، كي تقيم معرضا فنيا مفتوحا مخصّصا حصريا لثورة 17 أكتوبر.
الجمعة 2019/12/13
الثورة من الشارع إلى صالة "جانين ربيز" الفنية

أطلقت صالة “جانين ربيز” البيروتية دعوة مفتوحة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفي بعض المطبوعات الورقية لكافة الفنانين المبتدئين والمتمرّسين على حد سواء، للمشاركة في معرض خصّص كليا لثورة 17 أكتوبر، ليحمل عنوان المعرض هذا التاريخ.

ليس من الغريب على صالة عريقة كصالة “جانين ربيز” أن تبتكر معرضا حيويا مستمدا من الواقع الطازج ويتلاقى مع النفس الثوري الفني الذي يجتاح لبنان منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة. فمؤسّسة الصالة ومنذ منتصف الخمسينات من القرن الفائت واكبت النهضة الفنية بشكل خاص والثقافية بشكل عام، لتشكل عبر موقعها الذي كان باسم “دار الفن” خصوصية لبنانية انفتحت على شتى أنواع التجارب الفنية في لبنان وفي العالم العربي، وشكلت نقطة انطلاق وتلاقح ما بين مختلف الفنانين التشكيليين والنحاتين. كما كان للشعر الحديث وللأدب وللندوات الخاصة بهذا العالم منبر ساهم في تشكيل الوجه الثقافي للبنان.

ابنة جانين ربيز، نادين ربيز بكداش استلمت هذا الإرث من والدتها وحافظت على هذا النبض الخلاّق في استيعاب وتصدير الفن، وذلك عند افتتاحها لصالة “جانين ربيز الفنية” سنة 1992، أي عند انتهاء الحرب اللبنانية رسميا.

اليوم قرّرت نادين ربيز أن تؤجل كل معارض السنة المقررة سابقا، لأجل أن تقيم معرضا فنيا مفتوحا مخصّصا حصريا لثورة 17 أكتوبر.

ما كادت الصالة تطلق دعوتها للمشاركة بهذا المعرض حتى انهالت عليها المئات الطلبات. فقرّرت حينها نادين أن تبقي على صيغة المعرض المفتوح، أي أن تستمر عند انتهاء كل أسبوعين من عمر الثورة ومن عمر المعرض المعني بها بعرض مجموعة أخرى مُنتقاة من طلبات العرض.

أمام موجة انكفاء المعارض التشكيلية في بيروت لحظة اندلاع الثورة قرّرت صالة “ربيز” أن تواكب نبض الشارع وأن تتلقف الأعمال الفنية المتنوعة، تلك التي اشتغلت بهدوء المراسم الفنية وتلك التي ظهرت خصيصا على شبكات التواصل الاجتماعي أو على جدران الساحات عبر صور فوتوغرافية تميزت بفنية ما، وضعتها على جدران الصالة بين الأعمال التشكيلية والنحتية لتعطي نفسا حيويا يخاطب الآن كل ما هو خارج جدران الصالة.

بلغ عدد المشاركين في هذا المعرض إلى اليوم 50 فنانا اختارتهم صاحبة الصالة من أعمال طلاب المدارس وطلاب الجامعات وصولا إلى المبتدئين والمتمرسين في الفن، ومنهم المعروفون عالميا كالفنان جميل ملاعب وغريتا نوفل وسمر مغربل وإيلي بورجيلي ومنصور الهبر وأرا أزاد وغادة زغبي وساشا أبوخليل وهنيبال سروجي وآلان فسويان.

ونذكر هنا بضع أسماء من الفنانين المشاركين، على غرار: آية دبس وأندرا قنديل وغسان عويس وندى متى ودانا حلواني وزينة بدران زياد الحج وسهى غندور وجوزيف حرب.

افتتح المعرض في الخامس من ديسمبر الجاري، وهو الذي شمل تنوعا فنيا بين التشكيل والتجهيز والزيت والأكريليك والنحت بالورق الجفصين والأسلاك وغيرها من المواد، علاوة على فن الفوتوغراف الذي وثق لحظات خاصة جدا بالثورة، كإضاءة الشموع.

وتقول صاحبة الصالة إن الدعوة الفنية نشأت من ملاحظتها للكم الهائل من الأعمال التي نشأت على هامش الثورة وفي وسع ساحاتها في مختلف المناطق اللبنانية، فرغبت بأن تكون مُشاركة فعّالة في دعم فن الثورة عبر إدخاله أيضا إلى رحاب صالتها الفنية والتوجه إلى الجمهور كي يأتوا ويشاهدوا “ساحة” ثورية أخرى تكثّفت ظواهرها بين أربعة جدران.

ما يميز هذا المعرض أيضا أنه خرج عن إطار عرضه لأعمال فنية اشتغل عليها الفنانون طويلا لتفتح المجال أمام أعمال فنية “فورية”، إذا صح التعبير، لم تأخذ أكثر من عدة أيام لتنجز. ومنها العمل الفني لغسان عويس الذي قرّر مسبقا أن ينتج عملا فنيا خلال 72 ساعة انسجاما مع عدد الساعات التي وضعها رئيس الوزراء سعد الحريري كمهلة قبل أن يقدّم ورقة إصلاحية يتم خلالها إنقاذ لبنان من الفساد المستشري.

رسم عويس امرأة حاملا تعبّر عن معنى الثورة من ناحية الأمل بولادة لبنان جديد، ومن ناحية ثانية ليظهر الأهمية الكبرى لدور المرأة في الثورة البنانية.

ونذكر أيضا عملا فنيا بعنوان “دراجة الثورة الهوائية” مشغولا بمادة الأكريليك على قماش وهو لسليم معوض. ويقول الفنان بأنها دراجة خاصة جدا لأنها كانت خلال أيام وليالي الثورة تأخذه إلى ساحات المظاهرات قبل أن تُسرق منه.

كما قدّم الفنان آلان فاسويان “تشكيلة” فنية جديدة من مجسماته الطريفة، ولكن هذه المرة مشغولة على الورق بمواد مختلفة أظهر فيها محور الثورة وسببها المباشر، أي مجموعة من وجوه لرجال السياسة بأنوف طويلة ووجوه مُضحكة ولئيمة في آن واحد.

وعرض أيضا وجوها لهم تخرج منها أدوات حادة كتعبير عن عداء وتربّص بالثورة المُحقة التي أخرجت الشعب اللبناني بكل طوائفه وأعماره ومن مختلف المناطق من سبات دام طويلا، وسكوت مُخزٍ ورضوخ قاتل للفساد الذي طال كل مرافق الدولة الحالية والحكومات التي سبقتها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

17