ساحة سان بيترو.. العالم يلتقي في كيلومتر مربع

الويلات التي شهدتها أوروبا المسيحية أثناء محاكم التفتيش والحروب الطائفية، كلها صارت من ذاك الماضي الأسود الذي طوت صفحاته إنجازات علمية وفتوحات معرفية، نتجت عنها إرادة في العيش المشترك، أفرزت بدورها قيمة التسامح التي تلتقي تحت سمائها كل الثقافات، كما هو الحال في حاضرة الفاتيكان.
الخميس 2016/09/08
ساحة القديس بطرس صارت عنوانا للتسامح

الفاتيكان – نجح الأوروبيون في تحديد سلطة الكنيسة الكاثوليكية في هذا الكيلومتر المربع، فباتت محاكم التفتيش وسلطات الكنيسة الدموية ونفوذها الرهيب، ماضيا من تاريخ يرقد في المتحف.

في عالم السياسة ليس شائعا أن تقوم دولة داخل دولة، لكن في دولة الاتحاد الإيطالي يتكرر ذلك، فالفاتيكان دولة مستقلة رغم أنها تقع في وسط روما، وفي ريمني على ساحل بحر الأدرياتيك تقوم جمهورية سان مارينو على جبل مستقلة في كل شيء تقريبا.

كنت أبحث عن المدخنة الشهيرة التي ينطلق منها الدخان الأبيض حين يُعين بابا جديد، لكن حارسا أخبرني أنّ ذلك لا يحدث إلا حين تعيين بابا جديد، فتقام مدخنة خاصة لهذا الغرض. دلفت إلى باحة سانت بيتر التي تحوطها أعمدة رخام، وتتوسطها مسلّة مصرية نُقلت من مصر الفرعونية عام 37 قبل الميلاد بأمر من الإمبراطور كاليغولا.

شعور بالرهبة والدهشة يلفني في ذلك المكان، في الباحة تمر المواكب، أحدها لثلة من راهبات الدومينيكان ..بالنسبة إليهن التقرب من الحجاج الرجال محرّم. وكان عليّ أن أسال، هل يكلف الدخول إلى المكان شيئا؟ فأعلمني الحرس أنّه مجاني.

أسير بين صفوف الحجيج الكاثوليك والملايين من الزائرين وأسأل نفسي إن كان أحد سيعترضني متسائلا “ماذا يفعل هذا المسلم في أقدس المواقع الكاثوليكية؟”، وهو ما لم يحدث قط. أقف في صف انتظار فحص الحقائب فيتناهى إلى سمعي حوار تركي بلهجة بين شاب وشابة يقفان خلفي، التفت إليهما والفضول يشدني متسائلا إن كانا مسيحين تركيين؟ فيجيبني الشاب، نعم نحن أتراك، ولكننا مسلمون.

سألتُ السيدة إن كان الحرس قد أبلغوها شيئا بخصوص ملابسها والحشمة المطلوبة فأجابت “عند المدخل تأمل الحرس مظهري ولم يقولوا شيئا”. لكن بوسع المرء أن يقرأ يافطات منتشرة بعدة لغات تلفت نظر الزائرين إلى مراعاة الحشمة وتطالب السيدات بعدم ارتداء السراويل والفساتين القصيرة وبستر زنودهن، كما تُوجه الجميع بتجنب الأكل والشرب داخل المكان وفي ساحة سانت بيتر، ومع ذلك فالجميع يحملون قناني ماء يتجرعونه ليخفف عنهم قيظ شمس روما.

أسأل نفسي إن كان أحد سيسألني "ماذا يفعل هذا المسلم في أقدس المواقع الكاثوليكية؟"، وهو ما لم يحدث قط

غامرت وطرحت على الزوجين التركيين المسلمين السؤال الأصعب: "هل تتوقعان أن تركيا مسيحيا يزور مكة كما يفعل المسلمون الآن في الفاتيكان؟”، أشاحت السيدة بوجهها وهي تبتسم، فيما قال زوجها بلهجة أرادها محايدة “لم أزر مكة قط، لذا لا أعرف بالضبط ما يجري هناك، لكن من المحتمل أن يحدث ذلك في يوم ما، لمَ لا؟”.

دلفت إلى جوف كاتدرائية سانت بيتر، المئات من المواكب تحوم حول المكان يقودها أدلاء يصفون لهم بلغات من كل أنحاء العالم معالم المكان. حول الكاتدرائية وفي أرجائها دفن 100 بابا.

على الجدران والسقوف، صور لقديسين وملائكة وأنبياء وبابوات ومشاهد توراتية وإنجيلية رسمها مايكل انجليو ورفائيل وفنانو عصر النهضة ومن سبقوهم ومن تبعوهم.

نكهة المكان بالنسبة إليّ كمسلم لا تختلف عن نكهة المزارات الإسلامية الكبرى التي رأيتها عبر العالم، ورهبة العبادة والخشوع تبدو مشابهة. تقف إلى جانبي شابة تغمض عينيها وتستند إلى حاجز حول مذبح أنيق باذخ، يأخذها الوجد فتبدأ بترديد أدعية أو صلوات بلغة أجهلها وهي خاشعة متهجدة.

القس اغناتيوس جاء من الأرجنتين حاجا إلى الفاتيكان، عاجلته بسؤال ربما لم يتوقعه “ما شعورك وأنت ترى حشودا من كل أنحاء العالم ومن مختلف الأديان تزور مركز الكاثوليكية المقدس وتتجول فيه بحرية؟”.

أجاب “أعتقد أننا نعيش اليوم عصرا اختلفت فيه الرؤية إلى الأديان، الناس يفدون إلى هذا المكان باعتباره مركزا للعالم، بغض النظر عن دياناتهم… هنا مقر البابا، والناس يبحثون بشكل ما عن السلام هنا رغم حقيقة أنّ بعضهم ليس مسيحيا، هذا المكان يتسامح مع كل الأديان”.

الأزقة حول الفاتيكان تشترك ملامحها مع الأزقة حول المساجد والمزارات الإسلامية الكبرى، محلات كثيرة تبيع المسابح والصلبان والأيقونات

تميّز الكاثوليكية بين “المشاهد المثلية” التي لا تعتبر خطايا، وبين “الفعل الجنسي المثلي” الذي يعد خطيئة، كما كُتب في موسوعة ويكبيديا الشعبية، والتي نقلت عن مسؤول كبير من كرادلة الفاتيكان عام 2005 بأنّ الرجل المثلي الذي يتطهر ويمتنع عن الأفعال المثلية الجنسية لمدة 3 أعوام، تُقبل توبته ويمكن أن يصبح قسيسا.

وخلال طوافي حول الفاتيكان حيث أغلب الأحياء فقيرة، وجدت إعلانا ملونا عن قرية للمثليين على جدار ملاصق لجدران الفاتيكان، ما أثار عندي فضولا وأسئلة.

وضعت سؤالي عن هذا التناقض أمام، لونا ريشاردز، القادمة من سدني بأستراليا مع وفد سياحي لزيارة روما والفاتيكان فأجابتني بتردد ظاهر “وجود قرية للمثليين تفصلها عن الفاتيكان محض 10 كيلومترات ليس أمرا عاديا البتة، لكن على الإنسان أن يُعد ذلك جزءا من الحرية الشخصية، أنا شخصيا ضد هذا الواقع بشكل مطلق رغم أن البعض سيعدني عنصرية”.

وحين سألتها إن كانت زيارتها للمكان ضمن طقوس الحج المسيحي قالت باسمة “نحن هنا ضمن وفد سياحي يقودنا دليل، ولم أنظر إلى هذه الرحلة على أنها زيارة مقدسة، أنا مؤمنة بالله، وهذه الزيارة تقربني منه بالتأكيد”.

خرجت من المكان الظليل إلى ساحة سانت بيتر مرة أخرى، على قاعدة أحد الأعمدة، جلس شاب هندي الملامح وقد التصقت به امرأة آسيوية الملامح أيضا، اقتربت منهما وباغتهما بتعريف نفسي والسؤال “ماذا يفعل زوجان قادمان من الهند هنا؟”.

قال الرجل “زيارة هذا المكان تتعلق بالتاريخ أكثر مما تتعلق بزيارة دينية، ثم إن هذا الأمر يوفر فرص عمل للناس حول المكان أيضا، علاوة على قدسيته”.

ولدى سؤاله عن إمكانية دخول السائحين إلى المراقد الهندوسية في بلده قال “في الهند بوسع أي كان زيارة المعابد الهندية دون أي تحديد، وربما يعارض القائمون عليها في مناطق بعيدة زيارة غير الهندوس لها، وهذا في كل حال من باب الاستثناء”.

زوجة الرجل الهندي تزور الفاتيكان دون أن تضع على رأسها شالا، وفي هذا السياق قالت “احتطت بعدم ارتدائي ملابس قصيرة أو ثيابا بأكتاف وأذرع عارية، وفي رأيي أنّ هذا أمرٌ عادي، فكل الأديان تضع تحديدات على النساء حين دخولهن إلى أماكن العبادة”.

الأزقة حول الفاتيكان تشترك ملامحها مع مثيلاتها في المزارات الإسلامية، محلات تبيع الصلبان والأيقونات، وأخرى لبيع ملابس القساوسة ونسخ الإنجيل بمختلف اللغات، وبضع محلات فخمة تبيع ملابس الكرادلة.

كاتب عراقي

13