ساحة سكوار.. سوق للممنوعات في قلب الجزائر

عند عتبة حي القصبة، بوسط العاصمة الجزائرية، تطل ساحة السكوار على البحر. ورغم المساحة غير الشاسعة للسوق فإنّ مفارقات الجزائر وأسرارها وتناقضاتها تجتمع فيه، وتحتكم إلى لوبيات تهريب البشر والبضائع وخاصة تجار العملات وما إلى ذلك.
الاثنين 2015/06/15
محاولة السلطات الجزائرية تطويق تجارة العملة باءت بالفشل أمام توسع هذه الظاهرة

تقبع ساحة السكوار الجزائرية غير بعيد عن مباني أكبر المؤسسات السيادية للدولة، وهي المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ومحافظة العاصمة. ومع ذلك تعدّ نموذجا واقعيا لكل ما يتحرّك خارج القانون، فأمتارها المعدودة تكتنز موازنات ضخمة، وفيها يتحرّك ما تقارب قيمتها 4 مليار دولار بيعا وشراء، وما خفي أعظم فلهذه السوق أباطرة يديرونها في الخفاء أو حتى من وراء البحار.

ففي الساحة تجد الصرّافين يقتاتون من الفارق بين بيع العملة الصعبة وشرائها، ويوجد شباب نصب طاولات فوضوية لبيع التحف والصناعات التقليدية، وفي مقاهي الساحة أو حتى على المقاعد العمومية تعقد المواعيد وتبرم الصفقات حتى مع مهرّبي البشر إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

يذكر أن هذه الساحة أو السوق كان الفرنسيون قد سموها ساحة السكوار، لكن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين سماها “بور سعيد”، على اسم الميناء المصري الشهير، تمتينا للعلاقة الوثيقة التي كانت تجمعه بالرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.

وإلى غاية صدور القرار الحكومي مؤخرا لمنع تجارة العملة الصعبة، كان تجار الساحة يزاولون نشاطهم تحت أعين وربما حراسة أعوان الأمن الذين يقاسمون معهم الأرصفة وردهات المقاهي وحتى الأكلات الخفيفة، وكانّ لا أحد يرى الآخر أو يسمعه، بل أنه لم يحدث أن تسلل أي لص رغم كثرتهم إلى الساحة أو سجل اعتداء ما، لأن للمكان عرفا جماعيا مقدسا لحماية الناشطين من أيدي النشالين، وغرز الإبر في عيون كل من أغراه بريق العملات.

وعلّق دليل استكشاف رافق “العرب” إلى ساحة بور سعيد، أن كل عملات العالم موجودة هنا، فـ”الأموال هنا قد تعدّ بالميزان وليس بالحساب”، تعبيرا عن ضخامة الكتلة النقدية المتداولة، كما أنها تضاهي كبرى بؤر التجارة الموازية في البلاد.

وقالت مصادر، رفضت الكشف عن هويتها في ظل الحصار الذي تضربه مصالح الأمن على تجار الساحة، إن السكوار تهيمن بشكل شبه كلي على كل التحويلات الفردية للمغتربين والمتقاعدين في الخارج والرقم يقدر بالمليارات، وأن رؤوسا كبيرة تتحكم عن بعد في النشاط، فكل مهربي العملة يلجأون لهذه السوق لتحويل الدينار الجزائري، وأن الذين ترونهم الآن هم مجرد شغالين يستفيدون من فارق البيع والشراء، في حين لا أحد يرى كبار المستفيدين المقيمين في عواصم أخرى.

فارس مسدور: مافيا العملات والتهريب تسير السكوار، مما أنزل سمعة البلاد إلى الحضيض

ويرى مختصون أن ساحة السكوار التي اكتسبت شهرة كبيرة بفضل سوق العملة، استفادت كثيرا من بدائية النظام المصرفي في البلاد، إذ لا تزال البنوك المحلية بعيدة كثيرا عن أبجديات التداولات المالية، كما أن العديد من النصوص التشريعية لعبت لصالح السكوار، كقانون المنحة السياحية السنوية التي تقدّر بـ130 يورو مما لا يغطي مصاريف يوم واحد للمسافر، وهو ما يضطرّه للجوء إلى هذه السوق للتزود بحاجياته اللازمة.

ويقول هؤلاء إن السكوار تستمد قوتها من نفوذ لوبياتها، ومن أباطرة التصدير والاستيراد الذين يستنزفون العملة الصعبة من البنوك تحت يافطة الاستيراد، والفائض الناتج عن تضخيم الفواتير، كما أن افتقاد البلاد لشبابيك الصرف يؤدي إلى ضخ العائدات المالية للمغتربين والمتقاعدين في الخارج في هذه السوق.

ورغم الخطورة التي باتت تشكلها السوق على الاقتصاد المحلي وشبهات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة المتطرفة، فإن الحكومة لم تتدخل إلا مؤخرا، فلم تستطع القضاء عليها بعد أن خرجت عن سيطرتها.

وبرأي المختصين، أضحت هذه السوق واجهة لفشل اقتصادي وسياسي متراكم، وأنّ الأمر لن يستقيم إلا بإعادة النظر في الكثير من الآليات المالية، وذلك عبر إخضاع العملة المحلية للقيمة الحقيقية وليس القيمة الإدارية، وتطوير نظام البنوك والمصارف.

ويقول الخبير المالي فارس مسدور في تصريح لـ”العرب” إن سوقا كهذا، أنزل سمعة البلاد إلى الحضيض، “فهو إلى جانب أنه سوق مواز وغير شرعي، تسيّره مافيا العملات والتهريب، وعلى الحكومة القضاء على هذا النشاط، بالموازاة مع ضمان حقوق مواطنيها خاصة فئة السياح والمغتربين”.

ويؤكد مسدور أن السلطات الجزائرية مطالبة بتثمين نشاطها في مجال الصرف، ذلك أن مبلغ 130 يورو الذي يسمح به للمواطن بموجب قرار النقد الجزائري غير كاف، ما يجعله يلجأ للسوق الموازية، وعلى محافظ بنك الجزائر الرفع من قيمة الصرف لحفظ ماء وجه الجزائريين في الخارج.

“لابد من فتح مكاتب للصيارفة والاقتداء ببعض الدول التي تسير على هذا المنوال على غرار السعودية وتونس وجيبوتي وغيرها، للتقليص من حدة النشاط”، حسب قوله.

ورغم حصار قوّات الأمن تنفيذا للقرار الحكومي، فإنّ السكوار لا يزال متحدّيا الجميع، وإن اختفت ظاهريا رزم العملات من أيدي التجار، وكلّ ما تغيّر هو أن الأسعار التهبت أكثر ممّا كانت عليه. وفي الآن ذاته ما زالت شبكات الهجرة السرية والنصب متعدد الجنسيات محتفظة بأسرارها لنفسها، لتستمر الساحة في كتم تناقضاتها ومفارقاتها إلى أجل غير مسمّى.

20