ساحرة في الثمانين

الأربعاء 2014/11/26

في غفلة منّا طرقت فيروز باب الثمانين عاما، وتلقّت تهاني الأقربين والمحبيّن عن بعد، ورقصت قلوب عشاقها على إيقاع صوتها الملائكي المجنّح، فسفيرة لبنان إلى النجوم وأرزة الجبل لا تزال تعانق السحاب صوتا وهامة وإسما، ولا تزال تحمل بصمات الماضي الجميل كعنوان فريد لزمن أنجب العمالقة والعباقرة والعظام والأساطين قبل أن يترك المجال للأيام المتلاحقة كي تسحبهم من بيننا واحدا بعد الآخر، فقد رحل حليم الرومي الذي اكتشفها وعاصي ومنصور الرحباني اللذين صنعا تجربتها الفريدة وشهرتها الواسعة ووديع الصافي ونصري شمس الدين اللذين شاركاها الغناء على المسارح، ورحل فيلمون وهبي الذي منحها عبق فطرته اللحنية من خلال أغان شعبية لا تزال تملأ الدنيا وتشغل الناس.

ورحل أنسي الحاج الذي “أحبّها بإرهاب” وفق تعبيره، وكتب “أقول صوت فيروز وأقصد فيروز، تلك المرأة اللامحدودة العطايا، التي ليس لجمالها نهاية، كلها بكاملها، متحرّكة وجامدة، كلها، بأصغر تفاصيلها، إني لا أعرف فنا غيرها، وأحبها بإرهاب، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب. إن صوتها هو عصرنا، ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح، للصرخة إذا خفضناها قليلا قوّة أشدّ، هكذا صوتها عندما لا يتفجّر كله، وحين يتفجّر كله يصبح الكون بعده جميلا كغصن شجرة حرقته صاعقة، وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص”.

رحل الزوج، ورحلت الابنة، ورحل الأصدقاء، ورحلت أجيال من عشاقها ومحبيها، ورحلت أقلام كانت تبدع في التغزّل بها وبفنها، ورحل قادة وزعماء وفرسان ومناضلون، رحل شعراء وملحنون، ورحلت أصوات رائعة، رحل زمان، وجاء زمان، ولا تزال فيروز هي فيروز، تجمع الأديان والمذاهب والطوائف تحت مظلة فنّها الجليل الراقي، تنشد للشام والقدس وبغداد وتونس، وتغني مكّة أهلها الصيد، تتذكّر كيف بدأت خطواتها الأولى في فرقة الإذاعة قبل 70 عاما، عندما لحّن لها الفنان الكبير ومدير الإذاعة آنذاك حليم الرومي أولى أغانيها، ثم وفي عام 1952 كان لقاؤها بالأخوين الرحباني اللذين صنعا مجدها الفني وعلّقا نجوم الشهرة على ذبذبات صوتها البلوري الشفّاف.

حملت فيروز عشرات الألقاب فهي سفيرة لبنان إلى النجوم، وأسطورة العرب، وشجرة الأرز اللبنانية، وياسمينة الشام، وملكة الغناء العربي، وعصفورة الشرق، وجارة القدس، وقيثارة السماء، وسفيرة الأحلام، وملكة المسرح، والصوت الساحر، وسيدة الصباح، وصوت لبنان، وصوت الأوطان، والصوت الملائكي، والنغم الحالم، وصوت الحب.

وفي الحادي والعشرين من نوفمبر، في ساعة فاصلة بين الماء والنار، بين العقرب والقوس ولدت فيروز التي طرقت باب الثمانين قبل أيّام، وكم أتمنى أن تطلع علينا في هذه السنّ لتغني برعاية عربية سامية من جهة حكومية كبرى، فصوت فيروز لا يزال ساحرا وباهرا وقادرا، ويكفى أن تكون لنا مطربة تغني وهي في الثمانين.

24