"ساحر من إيرثسي" أول عمل يناقش مدرسة السحرة

تتميز روايات الفانتازيا والخيال العلمي بالكثير من التشويق، لما تضمه من أحداث خارقة للعادة، وهي أعمال من وحي خيال المؤلف، الذي كلما مال إلى المغامرة وطرق أبواب الإثارة، إلا وكانت الأنفاس تزداد احتباسا. والحقيقة أن هذا النوع من الروايات ظهر منذ مطلع القرن الماضي، وأخذ أشكالا متعددة وحكايات مختلفة، غايتها شدّ القارئ وابتكار نوع جديد من الكتابة استطاع أن يخرج عن المألوف ويشق له طريقا نحو الانتشار في كافة أنحاء العالم.
الاثنين 2016/12/12
عالم سحري غريب وإثارة تغري القارئ

القاهرة - تتحدث قصة رواية “ساحر من إيرثسي”، لكاتبة الفانتازيا والخيال العلمي الأميركية أورسولا ك. لوجوين، عن جيد سباروهاوك، وهو صبي صغير نحيل يتبناه ساحر كبير وحكيم اسمه أوغيون، ولكنه لا يصبر على أسلوب تعليم أوغيون الرصين والبطيء فيرسله بناء على طلبه إلى مدرسة روك، حيث يظهر الفتى تفوقا ونبوغا واضحين، لكن يستفزه فتى من أصل سحري نبيل فيدفعه إلى محاولة استدعاء روح من أرواح الموتى تفاخرا، ولكن بدلا من هذا يستدعي ظلا لا اسم له يطارده حتى نهاية العالم في مغامرة مثيرة شيقة يجوب فيها البحار وجزر إيرثسي.

الظل الأسود

إيرثسي عالم لوجوين المتخيل، في الرواية الصادرة عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، ومن ترجمة الباحثة المصرية منى النموري مدرسة الأدب الإنكليزي بجامعة طنطا، عبارة عن أرخبيل يضمّ المئات من الجزر المحاطة بمحيط عظيم، لا يعلم أحد مداه ولا نهايته.

الرواية الأصل صدرت عام 1968، أي قبل ثلاثة عقود من ظهور “هاري بوتر” للبريطانية كي. جي. رولينغ، وتدور معظم أحداثها في مدرسة سحر، حيث سحرة يرتدون عباءات رمادية، في غابة محرمة، وعصا خشبية سحرية.

"ساحر من إيرثسي" تعد أصل هاري بوتر لرولينغ وتمتد أهميتها إلى سن أبعد كثيرا من نهاية مرحلة المراهقة

أجمل ما في كتب لوجوين أنها تتجنب الانتصارات الأخلاقية البسيطة والساذجة مثل انتصار الخير على الشر الذي نلقنه لأطفالنا، وكأننا نعلمهم الازدواجية من البداية. فعلى عكس قصص الفانتازيا الأميركية والأوروبية، تتجنب لوجوين هذه الازدواجية، وتقدم لنا الشر كجزء من النفس لا بد من رؤيته وقبوله، وبالتالي تحجيمه ثم منعه بقدر الإمكان.

في هذه الرواية على سباروهاوك أن يقبل ظله الأسود (ذكرياته المؤلمة، غروره، تسرعه، عمله السيء) على أنه جزء منه، ويقبل بصبر تصحيح الخطأ، عليه أن يحتضن ما ظل يهرب منه طوال حياته القصيرة حتى ينغلق جرحه، ويواصل العمر بشجاعة فيصبح يوما الساحر الأكبر بعد أن كان ملعونا مطاردا.

الكتاب هو أول ترجمة عربية لهذه الرواية الهامة والتي يعتبرها الكثيرون الرواية الأصل لسلسلة “هاري بوتر”، فهي أول عمل للناشئة يناقش فكرة مدرسة السحرة قبل ضجة هاري بوتر بحوالي عقدين من الزمان. لكن رواية “ساحر من إيرثسي” تتميز عن هاري بوتر بأنها رواية نضج، تناقش فكرة ترك الطفولة وتحمل المسؤولية، بدءا من مسؤولية أفعالنا الخاطئة وقراراتنا الحمقاء وحتى من نحن مسؤولون عنهم، كما تناقش فكرة الموهبة ومسؤوليتها، فعلى الساحر الموهوب أن يدرك أن كل تعويذة يغير بها أبسط شيء، حتى ولو كان حجرا على الطريق ستتبعها تغييرات أخرى؛ ليس السحر استعراضا قويا وعصيانا.

من المعروف أن أورسولا ك. لوجوين تلقب بجدة الخيال العلمي والفانتازيا، وحصلت على العديد من الجوائز في إطارهما. كما حصلت على العديد من الجوائز في مجال الكتابة للطفل وفي مجال الكتابة النقدية بوجه عام، هي سيدة واسعة النفس والخيال، دوما ضد السياسة الاستعمارية الأميركية والتطرف بكل أشكاله، كانت تقود مظاهرات مناهضة للحروب الأميركية ضد دول العالم، من حرب فيتنام إلى العراق، وكانت تعلق العلم المصري طوال ثمانية عشر يوما، عمر زهرة الثورة المصرية.

نقاط تشابه

لعل اللافت في هذه الرواية أنها ربما تمثل الأصل الذي خرجت منه رواية “هاري بوتر” للكاتبة رولينغ، والتي وجدت صدى واسعا لدى الناشئين في العالم.

ظل لا اسم له يطارد البطل حتى نهاية العالم في مغامرة مثيرة

ويعدد الكاتب الصحافي والروائي المصري أحمد صلاح المهدي، في هذا السياق، أوجه التشابه بين “ساحر من إيرثسي” و”هاري بوتر” بقوله “في البداية دعونا نقرّ أن التشابه وارد كثيرا بين الأعمال الأدبية وخاصة الفانتازيا، حيث يكثر الاقتباس واستعارة الأفكار بين الكتّاب، ولعل أكثر عمل تأثر به الكتّاب هو رواية سيد الخواتم لتولكين، حيث تأثر به العديد من كتّاب الفانتازيا، بل أصبح نوعا أدبيا مستقلا وهو الفانتازيا التولكينية، وكذلك الحال في أعمال أدبية وفنية أخرى أثرت في العديد من الكتّاب ومنها سلسلة إيرثسي”.

ويضيف المهدي “لعل أبرز مثال على التشابه بين السلسلتين أن كليهما لديه عدو (سيد الظلام فولدمورت لهاري بوتر، والظل الذي لا اسم له في إيرثسي)، وأن كليهما يكون مرتبطا بعدوه بشكل لا يفهمه في البداية وعندما يقدر على فهمه يمكنه القضاء عليه، كما أن اللقاء الأول بين البطل وعدوه يترك في وجهه ندبة لا تمّحي، كما أن العدو يستطيع السيطرة على عقول الناس وجعلهم يأتمرون بأمره رغم إرادتهم، كتعويذة إمبيريو لدى فولدمورت، وقدرة الظل على تحويل الناس إلى جيبيث أي سلب إرادتهم، وكلا البطلين يكون عليهما في النهاية مواجهة عدوهما وحدهما دون مساعدة أصدقائهما. وهناك الكثير من التشابهات الأخرى بعضها قوي وواضح وبعضها بسيط، ولكنها تشابهات مثيرة للاهتمام وتجعلنا نعتقد أن إيرثسي كانت هي الأصل الذي استوحت منه رولينغ عملها الأدبي هاري بوتر”.

وتشير المترجمة منى النموري إلى أنها قد حاولت في هذه الترجمة الأولى إلى العربية أن تبيّن سبب اختيارها لترجمة “ساحر من إيرثسي”، إذ ودت أن تقدم الأصل الحقيقي لظاهرة هاري بوتر، وترى أنها رواية هامة وتمتد أهميتها إلى سن أبعد كثيرا من نهاية مرحلة المراهقة، بل قد يحتاج المرء إلى أن يقرأها ثانية في الخمسينات من العمر ليفهم حياته السابقة.

يذكر أن أورسولا ك. لوجوين هي أديبة وروائية أميركية، من مواليد أكتوبر عام 1929 بكاليفورنيا. لها العديد من الإبداعات الأدبية في مجال الرواية. حاصلة على ماجستير في الآداب.

مؤلفة روايات خيال علمي، ولها أسلوب قوي في الكتابة وقد قامت في سن العاشرة بتأليف قصة خيال علمي ولكنها لم تستطع ان تنشرها فقضت التسع سنوات التالية في القراءة. من أعمالها البارزة، نذكر روايات “اليد اليسرى للظلام“ و”حكايات من أراضي البحار”، و”لافينيا”، و”الرقص على حافة العالم”.

14