ساحر من النرويج

السبت 2016/08/13

بعد أن أنهى الصفحة الأخيرة، اكتشف طفلي أن المعلومات التي اشتقها من القصة مخيفة بشكل لا يصدق، ولهذا قرر أن يشاركني مخاوفه وهو يصف ما قرأه بدقة عجيبة “تمتلك الساحرات قدمين مربعتين يتساوى فيهما طول الأصابع، لذلك فهن يتجنبن ارتداء الأحذية المفتوحة من الأمام (الصنادل) ويكتفين بارتداء الجزمة السوداء الطويلة.. الساحرات صلعاوات إلى أقصى حد لذلك يضعن الشعر المستعار على الدوام. جميع الساحرات نساء ولا يوجد بينهن رجل واحد. الأهم من كل ذلك، أنهن يكرهن الأطفال كرها عظيما، فهم الهدف الأول الذي يسعين لمحوه من على وجه الأرض!”.

في كتابه “الساحرات” كان الكاتب البريطاني الراحل رولد دال؛ الذي صنف كأفضل من كتب في أدب الأطفال في العالم، قد استرسل في وصف عالم الساحرات الشريرات بطريقة مزجت الخيال بالواقع، مستخدما خزينا لغويا يعج بالتوريات التي تضج دهشة وحياة. قام دال بخلق سيناريوهات بشعة ومخيفة لعالم مليء بالمتاهات، في قصص تمكن من أن يوصد أبوابها في وجه القارئ- الطفل، بنهايات مبتورة وغير متوقعة، ويبدو أنه لم يكن، حتى، يزعج نفسه ببذل مجهود في توضيح المعاني متكلاً في ذلك على حدس الصغار وذكائهم، وهو في ذلك كثيرا ما لجأ لاستخدام تقنية المحاكاة الصوتية.

عشق الصغار حكاياته وبعضهم صار يردد مقاطع منها، كمعوذات تطرد عنهم شرور الكائنات الخرافية التي كانت تترصدهم في صفحات كتبه، تلك الكائنات التي اشتقها من حكايات والدته عندما كانت تجمعه هو وشقيقته في ليالي الشتاء الباردة، لتسردها عليهما وهم يستمتعون بدفء نار الموقد. كانت جميع المخلوقات الأسطورية نرويجية بشهادة الأم، وحتى كبيرة الساحرات التي اخترعها ضمن أكثر شخصياته رعبا كانت نرويجية تسكن الجبال، فالطفل الذي عاش حياته بريطانيا لم ينس أنه من نسل أبوين نرويجيين، وأن كل ما ورثه كان بنكهة البلد الأصلي.

لم يكن ينظر للروائي صاحب قصة “تشارلي ومصنع الشيكولاتة”، ككاتب يمتلك موهبة خاصة، فخلال سنوات دراسته، كتب عنه أحد معلمي اللغة الإنكليزية في تقريره المدرسي “لم يسبق لي أن التقيت بشخص، يكتب بإصرار كلمات تذهب دائماً إلى عكس ما هو مقصود من معنى”!

في ظني، أن المعلم كان يضمر انتقادا مبطنا، كون اللغة الإنكليزية هي اللغة الثانية لدال، لكنه لم يع أن الصغير سيكبر ليصبح ساحرا عظيما يتنقل بخفة بين الكلمات، يلمسها بأصابع إبداعه فيحيلها إلى نجوم تشع عذوبة.. النجوم التي سرعان ما تتساقط من زوايا صفحات كتبه فتحملها أكف صغار مبهورين بالجمال والغرابة.

يعترف دال في أحد اللقاءات الصحافية بأن الكتابة للطفل أمر معقد للغاية، “فمن العسير أن نجبر الطفل على إكمال قراءة كتاب كامل وفي الغرفة المجاورة يتوفر جهاز تلفزيون يقدم له مشاهد سهلة”. كان تصريحه هذا، طبعا، قبل استفحال التقنية وسيطرتها الكاملة على حياة أطفالنا بأجهزة ألعاب الكمبيوتر ومواقع الإنترنت. ورغم ذلك، مازالت كتبه تجد من يروّج لها من الصغار والكبار على حد سواء.

كانت الملاحظة الأخيرة التي أبداها طفلي، بعد قراءته كتاب “الساحرات” “تصوري، تمتلك الساحرات أنوفا كبيرة جدا، بإمكانها أن تميز رائحة الطفل النظيف على بعد المئات من الكيلومترات، وهذا يعني أن الأطفال خارج حدود النرويج مهددون بالخطر أيضا. كنت أعتقد بأن الحمّام اليومي عادة سيئة، لكني متأكد الآن بأنها عادة سيئة وخطيرة أيضا، فمن يدري؟ ربما تقبع ساحرة ما في إحدى زوايا النرويج بانتظار أن أخرج من الحمام لتفترسني؟”. إذا كانت جميع الساحرات من النساء كما يقول الكتاب، فمن أين يا ترى جاء هذا الساحر دال؟

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21