سارة النومس تقتحم مجالا ذكوريا محفوفا بالمخاطر

رسامة الكاريكاتير الكويتية سارة النومس عزيمة "الدعسوقة"، أكثر المخلوقات انتشارا وقدرة على التكيّف، الأمر الذي جعلها تتحدّى كل النواميس الاجتماعية لتتألق في مجال محفوف بالمخاطر.
الجمعة 2018/04/27
من أجل وحدة وطنية كويتية

القاهرة – اختارت سارة النومس، أول رسامة كاريكاتير بالكويت، توقيعا غير مُعتاد على أعمالها لتستبدل الحرف الأخير من اسمها بحشرة الخنفساء الحمراء المنقوطة “الدعسوقة”، أكثر المخلوقات انتشارا وقدرة على التكيّف، في مسعى للتنفيس عن معاناة استمرت سنوات لكسر الموقف السلبي من مزاولة امرأة لفن جريء يعتمد على النقد في مجتمع محافظ.

وترى النومس، أن المجتمعات العربية عموما لا تتقبّل النقد، وتحب ثقافة المجاملة التي لا تتماشى مع الكاريكاتير كفن يعتمد على المبالغة والتضخيم والتركيز على العيوب وإبرازها ما يمثل مشكلة مزمنة أمام العاملين في مهنتها.

وواجهت النومس، صعوبة في بداية مزاولتها مهنة الكاريكاتير، فلم يتقبل مجتمع محافظ تمثل فيه المعارضة الإسلامية رقما مهما في المعادلة السياسية، وجود عنصر نسائي يطرح أفكارا جريئة، ويتطرّق لقضايا الفساد والتطرّف والمفاهيم الدينية المغلوطة.

وقالت، لـ”العرب”، على هامش مشاركتها في الملتقى الدولي الخامس للكاريكاتير بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة أخيرا، إن معظم الصحف الكويتية رفضت توظيفها مُتحجّجة بذريعة أن لديها رسامين من الرجال، باستثناء صحفية “الرأي” التي فتحت لها الأبواب لتمارس فيها الرسم منذ 13 عاما وحتى الآن.

سارة النومس: فن الكاريكاتير العربي لا يزال أمامه الكثير حتى ينافس نظيره العالمي
سارة النومس: فن الكاريكاتير العربي لا يزال أمامه الكثير حتى ينافس نظيره العالمي

وصادفت هجوما عنيفا من القراء في تعليقاتهم على رسوماتها المنشورة بموقع صحيفتها على موقع الإنترنت، وصلت إلى درجة تلقي رسائل تهديد بالإيذاء، حال عدم توقفها عن النشر، لكنها قرّرت التحدي.

تعزو مواصلتها الرسم، إلى دعم وتشجيع زميلاتها من موطن أمها مصر، بجانب فنانين من البحرين ولبنان وسوريا طالبوها بالاستمرار، وأن تخوض مع زملائها معركة لتحديث الأفكار القديمة في بلدها الكويت.

وفي الملتقى الذي اختتمت فعالياته في 25 أبريل الجاري، شاركت النومس بلوحة تعبّر عن لسان حالها، تمزج بين فكرة الرياضة ونبذ المجتمعات العربية للأفكار الجديدة، راسمة مكعب روبيك ثلاثي الأبعاد، كل ألوان مكوناته متشابهة باستثناء واحد فقط مختلف تم قذفه خارجا.

وتفضل النومس، السياسة في أعمالها باعتبارها “بضاعة رائجة” في ظل المشكلات المتكرّرة التي تعاني منها المنطقة العربية، وتأتي بعدها القضايا الاجتماعية المحلية، على عكس التصوّر البديهي عن تركيز معظم رسامات الكاريكاتير العرب على قضايا بنات جنسهنّ باعتبارهنّ سفراء للمرأة.

وأوضحت لـ”العرب”، أن مناخ الحرية في بلادها يتزايد، لكن المشكلة في تفهم الكثير من السياسيين والفنانين لطبيعة مهنتها واعتبارها نوعا من الاستهزاء، فالجميع لا يمانع الرسم لكن دون مبالغة في العيوب، وهو أمر مستحيل، ما دفعها لهجرة البورتريه الكاريكاتيري والتركيز على الكاريكاتير التقليدي.

ويبدو أن تحفظ الكويتيين على المبالغة في الرسم، تولّد مع بداية ظهور فن الكاريكاتير بالصحف هناك في نهاية ستينات القرن الماضي، عبر محاولات بدائية على يد فنانين محليين أمثال أحمد زكريا الأنصاري، وسعود الراشد وأحمد الهلال، ثم سرعان ما تركوا المهنة مفضلين عليها الكتابة الصحافية.

وتظل الخلافات المتكرّرة داخل مجلس الأمة الكويتي هدفا لرسومات النومس التي انتقدت فكرة التعسّف في استخدام النواب لحق الاستجواب الذي يعتبر حقا دستوريا للنائب، ووضع مصلحة بلادها فوق أي اعتبار، وتقوية الديمقراطية عبر الحوار البناء داخل مجلس الأمة بعيدا عن لغة الإساءة أو التجريح.

وترفض النومس، مقارنة أعمال الفنانين العرب بالغربيين التي تتّسم بأنها أكثر تطوّرا، فمناخ الحرية والاعتبارات السياسية والدينية والإقليمية التي يجب مراعاتها مختلفة تماما، والرسامون في الغرب غالبا ما لا يخشون أن يساء فهم رسوماتهم أو أن يضروا بالعلاقات بين الدول.

وتشعر في الوقت ذاته بالغيرة من اهتمام الصحف الغربية بفن الكاريكاتير الذي تخصّص له صفحات كاملة، عكس الصحف العربية والكويتية، التي لا تنشر سوى رسم أو اثنين في العدد الواحد، وقد تتخلّص منهما حال ورود إعلان.

ولفتت النومس إلى أن فن الكاريكاتير العربي لا يزال أمامه الكثير حتى ينافس نظيره العالمي، وتقبلت رفض الصحيفة نشر أعمالها في البداية لجوانب تتعلق بسلامتها، كما أنها تتخلى أحيانا عن بعض الأفكار الجريئة اتساقا مع قيم المجتمع وعاداته.

لغة نقدية
لغة نقدية

ورغم أن الكاريكاتير فن مقالي هجومي في المقام الأول، إلاّ أن الرسّامة الكويتية تؤكد أنها محايدة فلا تنحاز لصالح طرف ضد الآخر، حتى في أبسط القضايا المجتمعية كمشكلة الطلاق، حيث تحرص على عرض وجهة نظر الرجال والنساء، ما يزيد الصعوبة في تنفيذ الفكرة.

وربما يكون الحياد مبدأ حياة بالنسبة للنومس التي تعمل بجانب الكاريكاتير خبيرة جيولوجية بمجموعة الاستكشاف في شركة “نفط الكويت”، وتجمع بين مهنتين متنافرتين لا تفضّل إحداهما على أخرى، بين حسابات دقيقة ضيقة لطبقات الأرض، ولغة الكاريكاتير النقدية.

وتحاول تصدير قضايا المرأة مستغلة أن معظم جمهورها من الرجال وليس النساء الكويتيات اللائي تشغلهنّ أكثر قضايا الموضة والمنزل، وفي حال اهتمامهن بالفنون يكون الديكور والفن التشكيلي هما المستفيدان وليس الكاريكاتير.

وأكدت الرسامة الكويتية سارة النومس، أن رسوماتها تعبر حدود الزمن كي تكون صالحة للمستقبل، ولا يعنيها جودة الخطوط والرسم أكثر من الرسالة التي تريد توصيلها إلى الجمهور، ضاربة المثل بناجي العلي الرسام الفلسطيني الذي استطاع أن يحارب بريشته كيانا اغتصب وطنه، ولا تزال رسوماته حية رغم مرور 31 عاما على استشهاده.

17