ساردان يتناوبان على الحكايات تحت "شباك أمينة"

الأربعاء 2014/10/15
أسعد اللامي يسرد حياة اتخذت مسارا منحرفا يصعب تعديله بالكلمات والجمل الشعرية

تسرد رواية “شباك أمينة” للروائي أسعد اللامي رحلة عذاب تبدأ من الحرب العراقية الإيرانية، وتنتهي بتفجير شارع المتنبي، كناية عن زوال سلطة العقل والمنطق، التي تمثلها الكتب، وتصبح رمادا تذروه الرياح.

في هذه الرواية تاريخ دام عاشه العراقيون، وتقطعت خلاله أوصالهم فتحوّلت إلى نفايات متناثرة، بعضهم سكن القبور، والآخر هاجر إلى الخارج بينما عاش من استطاع الحفاظ على نفسه، في هاوية بئر سحيقة مظلمة خانقة، لا شيء فيها غير التخبط، والمزيد من التمزق والإحباط.


الفيلة تطير


يتناوب اثنان على سرد حكايات الرواية، وتعميق خطابها تجاه عالم الغربة والضياع والتشرذم، هما حنين وعبدالكريم قاسم اللذان تربط بينهما قرابة (أبناء خالات). حين تعود حنين من المهجر إلى العراق، بعد مرور ثلاثين عاما على غربتها، فلعلها تجد ما فقدته من أمن واستقرار وحرية قد عادت إلى الوطن، في حين يسرد عبدالكريم قاسم متوالية العذاب التي تحمّلها مع أجيال متنوعة ممن فضلوا أو أجبروا على البقاء في وطنهم.

بينما تسرد أحداث الواقع المعيش وتفصيلات التفجيرات في العاصمة عبر شخصيات عربية سودانية وسعودية وتونسية وسورية وعراقية، أو من خلال وجهة نظرهم، يتضح فيها حجم الخراب القادم، وهو في بداياته وصولا إلى تفجير شارع المتنبي، كناية عن اغتيال العقل، وهيمنة وجهة النظر الظلامية.

تسرد حنين حكاية المرأة الآشورية التي تسكن في حي كمب سارة، والتي أجبرت هي وابنتها، بعد خطف ابنها الوحيد ومن ثم قتله بطريقة بشعة، على ترك بيتها في بغداد، والفرار إلى دمشق.

ومن أهم مفارقات هذه الحكاية أن الذي قام باختطاف ابنها ومن ثم تصفيته، هو أحد عمال مصنع الجكليت الذي تملكه، وكان هذا العامل هو الوحيد من بين العمال الذي كانت تعامله معاملة أم لابنها.

في مجال آخر يستثمر الروائي أسعد اللامي حكاية ساخرة كان الجنود العراقيون يتندرون بها إبان الحرب العراقية الإيرانية، حين أراد الرئيس أن يزرع الطاعة العمياء في رؤوسهم في إحدى زياراته الميدانية أيام الحرب ساردا حكاية الفيل الذي يطير: وفيها تتجسد طاعة الجنود العمياء للضباط الآمرين بكل صنوفهم “إذا قال لكم آمركم أن الفيلة تطير فصدقوه”. ويأتي استثمار هذه الحكاية في الرواية دليلا على غياب الوعي وغياب الذاكرة المشتركة حين ترتدي الذات أقنعة الاختباء.

يتناوب اثنان على سرد حكايات الرواية، وتعميق خطابها تجاه عالم الغربة والضياع والتشرذم

تسرد هذه الحكاية بشكل ساخر على خلفية البوح الذاتي لعبدالكريم قاسم -الشخصية الرئيسة في الرواية- وهو يخاطب ابنة خالته المهاجرة حنين “للأسف يا زهرتي قد أصدق من يأتي ويقول إن الفيلة تطير” ويعني استخدام هذه الحكاية إضافة إلى تغييب الإنسان: الاسم والهوية وارتداء الأقنعة، أن ينسى الإنسان نفسه، أن ينسى اسمه وهويته ويصبح طيفا لا مرئيا في حفلة تنكرية.


الأصوات الخفية


يمثل عبدالكريم قاسم ساردا أساسيا في رحلة إعادة سرد مكثف، لترتيب أحداث الماضي المفجع، ابتداء من ثورة 14 يوليو 1958 -يوم ولادته- وحتى اليوم الذي تم فيه تفجير شارع المتنبي كناية عن تفجير العقل العراقي، ودخوله في منطقة مظلمة، وأيضا كتعبير عن شلل قوى التغيير التي نشطت منذ الثلاثينات في العراق، وضعفت إمكاناتها إزاء قوى أخرى، ولدت بعد التغيير، فهذا السارد يتعرض في الانفجار إلى قطع ساقه ويده، بعد أن فقد إحدى ساقيه في الحرب العراقية الإيرانية، فيبقى دون ساقين.

وعبدالكريم قاسم عندما يسرد تاريخه الشخصي، الذي يمثل شريحة واسعة من المثقفين، يسميهم السحرة “السحرة الناجون من النار، سحرة الداخل، المتقاعدون، النافضون أيديهم عن السحر” فهو يدخل إلى تاريخ البلاد من أوسع نكباتها: هيمنة الحروب والقتل والتهميش، وسيادة كل مظاهر العنف والحصار النفسي والاجتماعي على الناس، ولذا يرى في سرد ذكرياته وكأنه يشم رائحة البيض الفاسد، ومن أهم ذكريات الموت المجاني والنكوص والإذلال ما يسميه كريم “محفل الغابة التنكري” الذي يكرس التصديق بحكاية الفيلة تطير، حين يكون الاعتراف بالهزيمة المرة، الذي لا طائل منه.

عالم الرواية يبدو متشظيا بين ماض تتحكم فيه عواطف شخوصه

ويعترف ضمنيا بفشل المشروع السحري، الذي تنادوا به منذ ثلاثينات القرن العشرين. وخلال هذه الفترة تكون الصفعات والإغراءات والتهديد، هي القانون السائد الذي يؤدي إلى أن يسلم العشرات أجنحتهم، ويتحوّلوا إلى كائنات هجينة، لها مشية الغراب وطيران الدجاج الخفيض. أما الباقون الذين لم يسلموا أنفسهم، فقد أصبحوا رهن القفص الكبير، ومعاناة العذاب اليومية، شأنهم شأن الآلاف من أمثالهم في تلك المرحلة المؤذية من تاريخ العراق الحديث.

تبدو الحياة المعاصرة لبغداد في عيون عبدالكريم قاسم وحنين، على شكل نفايات تملأ الطرق، وموانع تقطعها، وبقايا من ماضي حياة المدينة، كالعربات التي تجرها الخيول، ومتاجر الخردة في كل مكان.

وتسرد الأحداث والمشاهد على لسان عبدالكريم ولسان ابنة خالته حنين، بلغة شعرية تتخطى المألوف والساكن إلى أعماق النفس البشرية، في رحلة عذاب وتأمل واستشراف، في محاولة من الروائي لكسر رتابة الحياة وميلها نحو القوى الظلامية، بهذه اللغة الثرية التي تشع إنسانية وجمالا، ولكنها تبقى في حدود صورها ومجازاتها وكناياتها مراوحة في مكانها، ولا تستطيع أن ترتفع بالأحداث تجاه تغيير مرتقب، لأن الحياة قد اتخذت مسارا منحرفا، يصعب تعديله بالكلمات والجمل الشعرية.

لقد خسر عبدالكريم وجماعته “السحرة” رهانهم في إحداث تغيير لصالح الإنسان، واختاروا مكانا رومنتيكيا يطل على النهر في غاية الهدوء، بعيدا عن خاصرة العاصمة المكتظة بالزحام والضجيج، ويلخص عبدالكريم رحلته بهذه السخرية السوداء “هل أهدرت أجمل سنوات عمري من أجل هذا الخراب؟ تحملت ما تحملت من أصناف العذاب لأجل عالم عادل، هل كنت غبيا يلهث وراء سراب؟” وهي أسئلة ما زالت تؤرقنا جميعا ولا إجابة لها.

في مثل هذه الأجواء يكمل السرد المبروك السوداني الجنسية، الذي جاء بهدف القصاص من الأميركان الكفرة في العراق، لكي يثبت لامرأة تركها هناك، امرأة اسمها عفاف، أنه ليس رقيص عروس، يلتحق بأخيها التيجاني، ظله الذي سبقه في الذهاب إلى العراق، (…) ويقاتلان معا جنود أميركا التي دنست أرض العراق، والمبروك يمثل رمزا للذين ينصتون لأحلامهم وعواطفهم، ويصدقونها على أنها الفردوس القادم، ويصل التصديق إلى درجة أنهم يضحون بأنفسهم من أجل ذلك، فهم على شاكلة غيرهم ممن تسيطر عليهم أيديولوجيا معينة، حين ينصتون إلى أنفسهم وإلى من يماثلهم، ولذا تكون النتيجة واحدة، ففي كل الأحوال الفيلة لا تطير.

يبدو عالم الرواية متشظيا بين ماض تتحكم فيه عواطف شخوصه، السحرة، بهجرة معاكسة نحو الماضي البعيد، وحاضر تحكمه أصوات خفية وجبروت متسلط على شكل مجنزرات ودبابات وجنود مقنعين، لا تظهر منهم سوى أسلحتهم، يضاف إلى ذلك هذه القوى المتخفية التي تظهر في أوقات متقاربة، وهي تعرف جيدا الطرق العامة والفرعية، وكأنها سيدة الموقف، تقرر، وتفعل، وتؤثر على وقائع الحياة في الرواية، في حين تبدو الشخصيات الأخرى مشلولة تتخبط في عالمها الروائي.

15