سارقو الأغلفة

الجمعة 2017/05/26

لا شكَّ أن الكتاب، منذ أن صار إلينا بصورته الحالية، وغلافه هو العتبة الأولى. والكتاب الذي مرَّ بمراحل عديدة بدأت في تناقل مضمونه شفاهيا على الطين وجلود الحوانات ثم بشكل مدوَّن على صورة أوراق مجموعة تحت عنوان واحد كما كانت في عهد الورَّاقين، وصل اليوم إلى صيغته التي استقر عليها في العصر الحديث. فالغلاف إلى جانب عناصر أخرى، يُعتبر بوابة المضمون والمتن باعتباره الصورة التي تطالع المتلقي فإن حسُنَ العرضُ اقتربَ الجمهور وإن ساءَ ابتعد إلا في حالات معيَّنة.

ما الذي يفرض الغلاف إذا اتفقنا أنه يمر بمسار تشاوريّ بين الناشر والكاتب أو المترجم قبل ظهوره، معظم أغلفة الكتُب العربية وأقصد الأدبية طبعا تعتمد على لوحة تشكيلة يتم اختيارها أو رسمها تحت الطلب لتوافق مضمون النص، أو تعتمد على صورة فوتوغرافية يتم التقاطها أو اعتمادها، ومنها ما يتجه نحو استخدام صورة شخصية للكاتب كما في كُتُب المذكرات الشخصية والتجارب الذاتية. نوع آخر يعتمد إبداعا خالصا يقوم على تصميم غلاف خاص للرواية أو العمل الأدبي، هذا خاضع لجملة من المعايير التي تتخذُ منها كل دار نشر هوية خاصة لها تسعى إلى ترسيخها في ذهن الجمهور.

حال تصميم الأغلفة في الوطن العربي يشبه إلى حدّ كبير حال النشر القائم الآن، فقد انتشرت على شبكة الإنترنت مجموعة من القوالب الجاهزة التي تصلح في معالجتها لأن تكون أغلفة لروايات يزداد عددُها باضطراد متسارع يتناسب والانشغال العربي المحموم بكتابة الرواية. هذا الوضع فرض على دور النشر نوعا من الاستسهال أضر بصناعة الغلاف. من الممكن فهم هذه الظاهرة نظرا للتفاوت في وعي الناشرين ونظرة كل منهم لصناعة النشر ووظيفتها المجتمعية، لكن أن تلجأ دور نشر بعينِها إلى سرقة أفكار جاهزة من دور نشر أخرى فهذا ما يعتبر من الأخطاء القاتلة التي تصيب صناعة الكتاب.

تمر صناعة الغلاف بالعديد من المراحل تتقاطع في معظمها مع فكرة الكتاب، على أننا بدأنا نشهد مؤخرا صيغا لأغلفة تتقاطع كثيرا وتتشابه مع أغلفة كتب أخرى، بحيث لا يعود في الإمكان الحديث عن غلاف مبتكر. وهذه آفة تعرض الصناعة نفسها للبوار. فالقارئ في النهاية عين، والغلاف له دور حاسم في اجتذاب عين القارئ. وكم من الكتب راجت لمجرد أن صناعتها بما في ذلك عناوينها كانت جذابة وآسرة، وكم من الكتب الجيدة بارت وكسدت لمجرد أن صناعتها لم تكن موفقة.

من خلال معارض الكتب العربية تطالعنا اليوم عناوين صدرت عن دور نشر متباعدة لا صلة في ما بينها جغرافيا، ومع ذلك فهي تضعنا في مواجهة صادمة فكرة التشابه إلى درجة التقليد.

السطو على جهود الغير لا تتوقف فقط عند الكتاب الصادر حديثا على الشبكة العنكبوتية، أو سرقة أفكار سردية جاهزة من أعمال أجنبية غير مترجمة إلى العربية، وإعادة تكييفها مع مع ذائقة المتلقي العربي فيحلُّ سمير بدلا من إيمانويل ودمشق بدلا من ستراسبورغ ونهر الفرات أو النيل عوضا عن الميسيسبي. إن حالة السرقة تتعدَّى ذلك إلى انتحال الأفكار الخاصة بالأغلفة فنجد ذات الصيغة موجودة في أكثر من دار نشر وبالطبع فإن القوانين الخاصة بالملكية الفكرية لا تراعي هذه الجوانب التي تتعلق بفن التصميم.

إذن المسألة هنا أخلاقية أكثر منها قضية تتعلق بالسرقة الأدبية أو الفنية، فهي تنطوي على سطو مبين لجهود مبدعين قطعوا مشوارا صعبا لتثبيت أقدامهم في صناعة النشر، وقاموا بمغامرات أفضت بهم إلى صيغ فنية تعكس الذائقة والزمن والسياق الجمالي السائد في بلد بعينه. المتلقي قادر على اكتشاف أغلفة كتب “مكتبة مدبولي” في مصر، أو “المتوسط” في ميلانو أو “مؤسسة دراسات الوحدة العربية”، أو و”دار رياض الريس” في بيروت، أو “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في عمان، أو “دار السويدي” و”دار كلمة” في أبوظبي. فهذه الدُور استطاعت خلق بصمة خاصة بها تُراعي طبيعة منشوراتها. وما من صعوبة بمكان اكتشاف محاولات التقليد المكشوفة.

يعوِّل المهمومون بالعمل الثقافي دائما على قدرة الجمهور اكتشاف الأصلي من المزيَّف، في زمن تسارع فيه الاتصال وصار العالم بكل ما تحمله الكلمة من معنى قرية صغيرة مترامية الأطراف. وتبقى العبرة في كيف يكون غلاف الكتاب الغربي مبتكرا وفريدا، فيصح في منجزات دور النشر القول: من غلاف الكتاب تعرف الدار.

كاتب سوري

14