"سارقو الدراجات".. آثار الحرب تُنضج الأطفال وتخرج أسوأ الطبائع

فيلم إيطالي نجح في استدراج المشاهد إلى أجواء الأحداث، فمن المخاض الاقتصادي العسير تشكّلت ملامح الواقعية الإيطالية الجديدة. 
السبت 2018/10/27
ريتشي وماريا وثالثتهما ابتسامة

يستطيع أي مشاهد في العالم أن يزعم بانتساب فيلم “سارقو الدراجات” إلى بلده، من دون أن ينزع عنه خصوصيته الإيطالية، وقدرته على تثبيت مشهد ما بعد الحرب العالمية الثانية وآثارها في تشويه الأخلاق.فكما تُظهر الحروب والثورات الجوهر النقي للناس فهي أيضا تُخرج من البعض أسوأ ما في الطبائع البشرية. في تلك الفترة، كان على صناع السينما تقديم أعمال تشبه عموم الشعب، وتتحلى بالبساطة ولا تتنازل عن العمق والإمتاع، وترفض الإسهام في تضليل جمهور محبط يستهويه التغييب بالفن، ولا يحتمل مشاهدة المزيد من بؤس لم يتحرر منه. وتمثّل التحدي في مغادرة الأستوديوهات واستلهام نبض الشارع، والاستغناء بفضائه المفتوح والمخنوق بالكساد والفقر والإحباط. ومن هذا المخاض العسير، اقتصاديا وفنيا، تشكلت ملامح بناء شاهق اسمه الواقعية الإيطالية الجديدة، ومن رموزها فيتوريو دي سيكا (1901-1974) مخرج “سارقو الدراجات” في العام 1948.

للمشاهد المحترف أن ينسب فيلم “سارقو الدراجات” إلى كاتبه “الملتزم” سيزار زافاتيني (1902-1989)، الذي كان ينطلق من الإيمان بأن له قضية، ولم يُخضعه انتماؤه الماركسي لإكراهات أيديولوجية تحيل الفن بوقا للأفكار، فالفيلم لديه مشروط بقواعد متحررة من أي أثقال لا تحتملها الدراما. ورغم حرصه على أن يكون للسينما مضمون واقعي، فإن المشاهد لا يشعر بأن لهذا الفيلم “الإنساني” مؤلفا أو مخرجا، تماما مثل نص روائي فائق يختفي فيه صوت المؤلف، ويصعب على القارئ أن يجد بين السطور أثرا خشنا لصرير القلم. ويقاس معيار نجاح الفيلم والرواية باستدراج المشاهد والقارئ إلى أجواء الأحداث، وضبط توتره النفسي على أشواق الشخوص ومآسيهم، في ما يشبه التماهي. ونجح الفيلم في هذا الاختبار استنادا إلى وعي وتفاهم وتفهّم تمتع به دي سيكا، وهو يعمل “وفق ابتكارات هذا المخترع للقصص السينمائية”، كما وصف زافاتيني.

تلخيص فيلم “سارقو الدراجات”، من دون مشاهدته، يسيء إليه، ويوحي بأنه فيلم تقليدي عن فقراء تضطرهم البطالة إلى التحايل بالسرقة لتستمر الحياة. ولكن ما يمنح الفيلم خصوصية وروحا عابرة للأجيال والثقافات هو انتقاء إشارات وتفاصيل توحي بالواقع ولا تستنسخه، فالواقع “الخام” متاح للجميع، وهو على كثرته ضنين لا يكفي وحده لصنع فن ذي حياة متجدّدة، والأهم من الواقع هو السؤال عن كيفية معالجته وإخضاعه للشرط الجمالي، فينجو من فخ المحاكاة، ويدهشنا ونحن نشاهد ما كنا نظن أننا نعرفه، فإذا بما كان يسمّى “الواقع″ يعاد إنتاجه، فنكتشف جماليات للقبح والفقر والهوان وقلة الحيلة والآثار الكارثية الملازمة للحروب.

ذروة مبكرة

لا يبدأ الفيلم برصد تقليدي لبيت بطله الفقير “ريتشي”، ولا يستعرض طبيعة علاقته بزوجته “ماريا” وابنهما “برونو”. يستغني الفيلم عن هذه البداية، ويحذفها ويتجاوزها ليصل مباشرة إلى ذروة موجزة في المشهد الأول، إذ يتسابق مجموعة من العاطلين إلى صعود سلم خارجي لأحد المكاتب في ضواحي روما، ويعيدهم إلى الأسفل موظف يضع في فمه سيجارا قصيرا، ويقرأ من أوراق في يديه اسم “ريتشي”، ولا يجيبه أحد بهذا الاسم، فيسأل، هل ريتشي هنا؟ ويكرر، ريتشي.

فيتوريو دي سيكا  دي سيكا رجل موهوب ومحنك، ومع ذلك فهو بوق لزافاتيني، فأفلامه من خلق زافاتيني، كل ظل، كل خطوة عمل، وكل جو مرسوم كان زافاتيني قد وضحه في السيناريو
فيتوريو دي سيكا رجل موهوب ومحنك، ومع ذلك فهو بوق لزافاتيني، فأفلامه من خلق زافاتيني، كل ظل، كل خطوة عمل، وكل جو مرسوم كان زافاتيني قد وضحه في السيناريو

ويردد الواقفون اسم ريتشي، فيثير الاسم الاهتمام والانتباه، ويكتسب وقعَ دقات المسرح الثلاث قبل بداية العرض، فيتأهب المشاهدون ويستعدون لاستقبال صاحب الاسم المحظوظ، ويديرون رؤوسهم بحثا عن ريتشي، ويعبر أحدهم الشارع إلى ريتشي المتكاسل بجوار حنفية مياه عمومية. مشهد قصير جدا يكتنز الكثير من التفاصيل والدلالات العامة، ويلخص البطالة واللهفة على الفوز بوظيفة، والفقر الذي يضطر فتاة إلى أن تغسل الثياب في إناء مملوء من مياه حنفية عمومية في الساحة، وعامل بناء يسأل الموظف متبرّما: هل أموت من الجوع؟ وينصحه الموظف بالصبر، ويكون ريتشي قد وصل مع صاحبه الذي استدعاه، ويبلغه الموظف بطبيعة وظيفته وهي لصق الإعلانات، فتنعش المفاجأة روحه ويقول “يا إلهي، شغل!”، ويوصيه الرجل بالذهاب صباح الغد إلى مكتب التوظيف، لتسلّم ترخيص العمل الذي يشترط وجود دراجة.

يتسلّل ريتشي (لامبيرتو ماجيوراني) من الزحام، ويتوجه إلى زوجته ماريا (ليانيلا كارل)، ليبشّرها بنيل وظيفة، فتلتقط الكاميرا امرأة تحمل اثنين من الدلاء الفارغة، في طريقها إلى حنفية مياه عمومية بعيدة عن تلك التي كان يجلس عندها ريتشي قبل لحظات. ويعثر ريتشي على زوجته في طابور عند حنفية مياه تقع بين بنايتين، وتفصلها عن الشارع أسلاك شائكة. وتأتيه ماريا حاملة اثنين من الدلاء، ويقول إنه سيء الحظ بحصوله على عمل لا يستطيع تسلّمه. لا يشرح المزيد ويهرول، وهي تلهث وراءه بأثقال المياه.

وقبل أن تتعثر وهي تهبط منحدرا، يتراجع ريتشي ويحمل عنها أحد الدلاء، وبكلمات قليلة نعرف أن دراجته مرهونة، لاحتياجهما إلى مال لشؤون المعيشة، وليس لديهما المال الكافي لاستردادها. وكانا قد دخلا البيت، وهو غاضب وعاجز عن تدبير الأمر، ويجلس على السرير، وهي تُخرج من أحد الأدراج لفافة تضم شراشف وأغطية، وتشده من يده فينهض، وتطوي ملاءتيْ السرير، وهو مذهول لا يعرف ماذا تفعل ماريا التي ترد على سؤاله بسؤال: ألا يمكن أن تنام دون ملاءات؟

كان على ماريا أن تفك رهنا قديما برهن جديد من أغراضها، وتساوم الموظف ليزيد العطاء قائلة إن الخامة قطنية جيّدة، فيستهين الرجل بالأشياء ويقلّبها، ويقول إنها مستعملة، فتوضح له ماريا أن اثنين من هذه الأغطية الستة جديدان. ويذهب الزوجان لفك رهن الدراجة، ومن النافذة الصغيرة يرى ريتشي في الداخل مقتنيات وأغراضا متنوعة تتكدس في محل الرهونات. ومن الفرح يحمل الدراجة على كتفه، حتى يصل إلى الموظف. ثم يخرج من المكتب، ويبشّر ماريا بأنه أخذ التصريح ببدء العمل صباح الغد، ويتبادلان الابتسام والضحك كطفلين، وتجلس أمامه على الدراجة ليعودا إلى البيت، فتطلب أن يتوقفا في الطريق، أمام أحد البيوت، لتقوم بزيارة خاطفة، ولا تقول أكثر من هذا.

مقصود وعفوي

سرد بصري مكثف ومحايد، لا وجود لمخرج عليم يعرف كل شيء، والكاميرا ترى بعيني ريتشي، وتتلمّس الخطوات لتتعرّف على الأحداث. لا وعي سابقا على ما يشاهده الجمهور ويعرفه ريتشي الذي يقف بجوار الدراجة أمام المبنى، وتصل ثلاث نسوة متّشحات بالسواد ويسألنه عما إذا كانت “سانتونا” تقيم هنا؟ ويعرف ريتشي منهن أن سانتونا تقرأ الطالع، فيترك الدراجة في حراسة صبية في الشارع، ويصعد وراء النسوة، وهناك يرى العرافة تقدم البشرى لامرأة، فيدعو ماريا للخروج، ويتهمها بالغباء، فتقول إن العرافة توقعت أنه سيحصل على عمل، أما وقد حدث فإنها تدين لسانتونا بخمسين ليرة، فيلومها على تصديق هذا الهراء. وتسترد ماريا ابتسامتها، ومن جديد تجلس أمامه على الدراجة، ويرجعان إلى البيت.

ما يمنح الفيلم خصوصية وروحا عابرة للأجيال والثقافات هو انتقاء إشارات وتفاصيل توحي بالواقع ولا تستنسخه، فالواقع الخام متاح للجميع
ما يمنح الفيلم خصوصية وروحا عابرة للأجيال والثقافات هو انتقاء إشارات وتفاصيل توحي بالواقع ولا تستنسخه، فالواقع الخام متاح للجميع

لا توجد لقطة عابرة أو جملة حوارية مجانية، كل شيء مقصود ويبدو عفويّا. وإلى هنا يقدم الفيلم بطليْه، برؤية بصرية مقتصدة خالية من الثرثرة الحوارية الإخبارية.

ويحمل المشهد التالي بطلا آخر للفيلم، إنه ابن ريتشي، الصبي برونو (إينزو ستايولا) الذي يظهر للمرة الأولى شاكيا من الإعتام الذي لا يساعده على إجادة تنظيف الدراجة، ويفتح النافذة فيتدفق منها نور الصباح. سلوك طبيعي لصبي في العاشرة، ولا يكفي لتقديم ملامح نفسية واجتماعية لبرونو.

وتضعنا بقية المشاهد أمام رجل صغير يتحمل المسؤولية، ولا يعجبه تهاون أبيه، بل يلومه لأنه لم يلحظ خدشا أصاب الدراجة عند استعادتها. الأب يهوّن على ابنه، ويجادل بأن الدراجة ربما كانت كذلك قبل الرهن، والصبي اللمّاح يؤكد أنها كانت سليمة، وأنهم لم يعتنوا بها، ولا يدفعون تكلفة إصلاحها. وكانت ماريا قد أعدّت ساندويتشات للإفطار في لفافتين، وأصلحت القبعة ووضعتها على رأس ريتشي، وتبتسم وتقول إنه يبدو وسيما مثل شرطي، ويتبادلان دعابات توقظ ابنهما الرضيع، ويقبّلها ريتشي ويخرج إلى برونو الذي ارتدى ثياب عامل، ولا يخبرنا الفيلم بالسبب، فيعطيه أبوه إحدى اللفافتين، ويغلق برونو النافذة حرصا على أخيه، ويوصله ريتشي إلى محطة للوقود يعمل فيها برونو، ويعده بالمرور عليه في السابعة مساء.في اليوم الأول بالعمل، في شارع به صبيّان يتسوّلان من المارة، قام زميل لريتشي بتدريبه على فن لصق الإعلانات، بوضع طبقة من الغراء قبل تثبيت الملصق، وتسطيحه جيدا باليد فيصير أملسَ بلا تجاعيد، ليتفادى غرامة يفرضها المفتش. ويحمل ريتشي دلو الغراء والسلم على كتفه ويقود الدراجة. ويبدأ عمله فوق السلم بتثبيت إعلان لريتا هيوارث، ويراقبه ثلاثة أشقياء، ويقفز أحدهم فوق الدراجة ويقودها بسرعة، فيصرخ ريتشي “اللص اللص”، ويعترضه زميلا اللص. ويترك الإعلان والسلم ويعدو، ثم يقفز إلى سيارة، ويشرح لسائقها ما جرى، ويرجوه أن يدخل النفق للحاق باللص، وفي النفق يوقف شابا فوق دراجة، ويفاجأ بأنه شخص آخر. ويعود لإتمام لصق الإعلان، ويذهب إلى مكتب الشرطة، ولا يأبه له المسؤول “ابحث عن اللص بنفسك”.

وببراءة يقول ريتشي إنه لا يستطيع مسح روما للعثور على اللص، ولا تغيب هذه الحقيقة عن الشرطي الذي يرد “أنت الوحيد الذي تعرفه”. ويقول المسؤول لأحد مساعديه إن المسألة هيّنة، مجرد دراجة. ولكنها بالنسبة إلى ريتشي رأسماله كله.

الأب والابن

فيلم نجح في استدراج المشاهد إلى أجواء الأحداث
فيلم نجح في استدراج المشاهد إلى أجواء الأحداث

يقف ريتشي في طابور طويل، لكي يستقل حافلة تتسع لعدد محدود، ويتأخر نصف ساعة عن برونو الذي كان ينتظر أمام محطة الوقود. يسأله برونو عن الدراجة، فلا يجيب، وبعد قطع مسافة على الأقدام يكرر برونو السؤال، فيقول ريتشي باقتضاب إنها كسّرت. ثم يذهبان إلى صديق لريتشي، للمساعدة في البحث عن الدراجة.

وتنشط ذاكرة برونو فيذكر الرقم المسلسل لإطارها، ويقول لهما الصديق إن لصوص الدراجات يفككونها، ويبيعون أجزاءها في سوق بميدان فيتوريو. ويستدعي الصديق اثنين من مساعديه، فيصبح الفريق خمسة أشخاص يبحثون عن أجزاء الدراجة، يوزعون أنفسهم، فيتجه أحدهم إلى قسم الهياكل، وآخر إلى الإطارات، ويبحث برونو في قسم مضخات الهواء والأجراس.

يغادرون السوق، ويهطل المطر ويحتمي منه ريتشي، فيلمح الدراجة واللص يعطي بعض المال لرجل عجوز، فيطارده ولا يدركه.

ويعود إلى العجوز الذي ينكر معرفته باللص، ويلجأ إلى كنيسة، ولا يتركه ريتشي إلا بعد انتزاع عنوان اللص. ويجد ريتشي نفسه عند العرافة التي لا تريحه، وتسأله “ماذا بوسعي أن أخبرك يا بني؟ الرب يمنح نوره من العلا. أنصت جيّدا: إذا لم تجدها هذا الصباح فلن تراها أبدا”، وتزيد حيرته بتفسير الماء بالماء “إما أن تجدها الآن وإما فلن تعثر عليها إطلاقا”.

ويظل اللص شبحا كلما اقترب اختفى، ويراه ريتشي ويتعقبه، فتتهمه أم اللص باضطهاد ابنها البريء، ويهدده الجيران بالحرمان مما هو أكثر من الدراجة. ويترك برونو أباه، ثم يعود بصحبة شرطي يفتش محل إقامة اللص، وتصحبهم الأم إلى منزل من غرفة قليلة المحتويات، وتنصرف المرأة عن الشرطي وريتشي وبرونو إلى ركن بالغرفة، وفيه إناء يغلي فوق موقد يدوي، وترفع الغطاء وتسحب يدها بسرعة تفاديا لحرارة البخار، وتلوم الشرطي “بدلا من الإهانات يجب أن تمنح ولدي الفقير عملا”، ولا يكون أمامهم إلا الخروج.

يخيب رجاء الرجل وابنه، وتستعرض الكاميرا صفوفا من الدراجات في ساحة انتظار، بجوار ملعب للكرة.

ويضمر ريتشي أمرا يخفيه عن برونو، ويعطيه عملات ليركب الترام ويرجع إلى البيت، ويعبر الصبي الطريق ويراقب. ويختطف ريتشي دراجة ويسرع بها، ويتصادف خروج صاحبها من البوابة فيصرخ طالبا النجدة، وفي المطاردة والصياح ينتبه برونو.

وفي لقطة موحية توجز عينا الصبي معنى الشفقة على مصير أبيه، وهم يسقطونه فوق قضبان الترام، ويضربونه فيتعرى رأسه، ويهرع إليه ابنه، ويتسلل من بينهم حتى يتعلق بسترته، ويصرخ “بابا بابا”، مناديا ومستغيثا وناجدا له. ويفرقهم قدوم الترام، ويقتاده بعضهم باتجاه مركز الشرطة، ويلتقط الصبي قبّعة أبيه، وينفض عنها التراب وعيناه تتابعان أباه وتتساءلان في صمت: إلى أين يذهبون به؟ في هذا المشهد ينقذ الصبي أباه، بنظرات مشحونة ببلاغة نادرة، وتلتقط عينا الأب هذه الشحنة من الضعف والخذلان والهوان. يكبر الصبي وتنضجه المأساة وتجعله أبا لأبيه، ويقبض على يديه مواسيا.

يتواصلان في حوار صامت، كأنهما لا يسمعان حوارا قاسيا يتبادله الغاضبون المتوعّدون مع صاحب الدراجة الذي لا يملك إلا العفو والتنازل عن تحرير شكوى، ويقول إن لدى الأب المسكين ما يكفي من المشكلات، فيقول أحدهم لريتشي: “تركك من أجل ابنك”.ولا يتبادل ريتشي وبرونو كلمة واحدة. بعيون متحجرة يحدق الأب إلى اللاشيء، ثم ينظر إلى ابنه وينكس رأسه ويبكي، فيشد الابن على يده، ويبتلعهما الشارع.

أحتفظ بنسخة فيديو من “سارقو الدراجات”، وتصادف عام 1999 أن انجذبت ابنتي سلمى (ثلاث سنوات آنذاك) إلى الفيلم الناطق بالإيطالية، غير المترجم، وقد سرقها من قنوات الأطفال وأفلام الكارتون الملونة. وبعد يومين قالت إنها تريد مشاهدة الفيلم الذي سرقت فيه الدراجة من “عمو وابنه الصغير”.

هكذا اكتسب “عمو” ريتشي متعاطفين عبر المتوسط، فتمنيت لو يكون دي سيكا حيا، لأراسله وأعوضه عن خيبة أمله في عدم تقبّل الجمهور للفيلم، حتى أن عاملا طالبه برد ثمن التذكرة؛ لأنه “يطلب الترفيه، لا أن يرى بؤس الحياة”.

بشهادة ابنتي، ربح فيتوريو دي سيكا الرهان، وعرفت السر من ترجمة أحمد عمر شاهين لكتاب “عن جنون إزرا باوند وآخرين”، وفيه يذكر الروائي الأميركي ترومان كابوت أن زافاتيني “كاتب طور نفسه.. عبقري السينما.. ثلاثة أرباع الأفلام الإيطالية الجيدة كتبها زافاتيني، كل أفلام فيتوريو دي سيكا هو الذي كتب السيناريو لها، ودي سيكا رجل موهوب ومحنّك، ومع ذلك فهو بوق لزافاتيني، فأفلامه من خلق زافاتيني، كل ظل، كل خطوة عمل، وكل جو مرسوم كان زافاتيني قد وضحه في السيناريو”.

16