ساسة الأنبار يبدأون بالاحتيال المالي قبل الوصول إلى خزائن السلطة

أصحاب المطابع ومكاتب الإعلانات والمطاعم في الأنبار يلاحقون أموالهم المتخلدة في ذمة مرشحي الانتخابات الذين لا يدفعون المستحقات المالية مع نهاية الحملة.
السبت 2018/07/07
دعاية على حساب الغير

الأنبار (العراق) - كمال العياش - مبالغ طائلة لمطابع ومطاعم ومحال تجارية مازالت بذمة السياسيين كانت كمقابل عن دعايتهم الانتخابية، لكن أصحاب هذه المبالغ لا يستطيعون الحصول على ما تبقى منها ويعانون من صعوبة الوصول إلى السياسيين.

في كل موسم انتخابي تستعد الأوساط التجارية إلى كسب الأموال من خلال الدعاية الانتخابية التي يروج لها المرشحون في دوائرهم الانتخابية، ويتم ذلك من خلال عقد عدد كبير من الصفقات مع السياسيين أو من ينوب عنهم، لتكون بذلك كل مفاصل التجارة من مطابع ومطاعم وسلع وخدمات ميدانا خصبا لهذه الصفقات.

علاقة متبادلة والفائدة فيها تسويقية تعود بالمنفعة إلى الطرفين، الأول المرشح حامل حقيبة الأموال الذي يسعى إلى الترويج لنفسه عن طريق اللافتات والشعارات خلال مهرجانات ومؤتمرات.

وغالبا ما يتم تسديد جزء بسيط من مستحقاتها المالية، على أن يتم تسديد كامل المبالغ بنهاية الدعاية الانتخابية إلى الطرف الثاني، الذي يسعى إلى عقد أكبر عدد من الصفقات ومازال يحتفظ بفواتير كبيرة لم تسدد بعد.

المكاتب الإعلانية والمحال التجارية والمطاعم التي تعاملت مع المرشحين لم يتمكن أصحابها من الحصول على أموالهم التي تصل إلى العشرات من الملايين في بعض الحالات على الرغم من مطالباتهم المتكررة لأشخاص يلعبون دور الوسيط بعدما فقدوا وسيلة الاتصال بهؤلاء المرشحين، الذين أغلقوا هواتفهم مع نهاية يوم الاقتراع.

حامد الفهداوي (48عاما)، الذي يمتلك شركة صغيرة للدعاية والإعلان وسط مدينة الرمادي، لم يدخر جهدا من أجل الحصول على مستحقاته التي وصلت إلى أكثر من خمسة ملايين دينار، يرى أنه يتحمل الجزء الأكبر من تبعات هذه الخسارة كونه وثق بأشخاص لا يمكن الوثوق بهم.

الفهداوي، تحدث لموقع “نقاش” قائلا “كنت حريصا على أن لا أقع في فخ هؤلاء المرشحين لا سيما وأننا نمتلك تجارب سابقة مع بعض السياسيين، الذين اختفوا ولم يعد لهم وجود إلا في سجلاتنا، وعلى الرغم من كل هذا مازلت أحاول الاتصال ببعض المرشحين الذين أغلقوا هواتفهم”.

المرشحون أغلقوا هواتفهم مع نهاية يوم الاقتراع واحتار التجار في الحصول على أموالهم

بعض أصحاب هذه المكاتب، إن كانت دعائية أو خدمية، كانوا على علم مسبق بأنهم سيلاقون صعوبات في الحصول على أموالهم، بناء على تجارب كثيرة خسروا فيها مبالغ طائلة في الانتخابات السابقة، إلا أنهم مجبرون على المغامرة والخروج بأقل خسارة ممكنة.

خليل المحمدي (55 عاما) يعمل خطاطا ويمتلك مكتبا صغيرا للطباعة والإعلان وسط مدينة الفلوجة، يرى أن الخسارة التي يتكبدها أصحاب المحال التجارية والشركات الأخرى كانت خدمية أو إعلانية ولا تقارن مع حجم الأرباح التي يجنيها هؤلاء، وأن الخسارة تكون في جزء بسيط جدا من هامش الربح.

المحمدي قال، “نعلم أن هناك منتفعين من العملية الانتخابية ودعايتها لا سيما الوسطاء الذين يمثلون حلقة الوصل بين صاحب الخدمة والسياسي، ومن واقع الخبرة والتعامل المستمر مع هؤلاء نعرف أن بعضهم لن يقوم بتسديد ما يتبقى من أموال، لذلك نستخدم طرقا عديدة في سبيل الحصول على أكبر قدر ممكن من مستحقاتنا المالية، وما يتبقى في الغالب يكون في مهب الريح”.

لم تكن مكاتب الدعاية وحدها من تعاني من الحصول على المبالغ، إذ يشاركها المعاناة بعض أصحاب المطاعم التي كانت تستضيف وترعى المؤتمرات من خلال تزويدها بالولائم، التي في الغالب تكون وجبة غداء أو عشاء للمئات من الأشخاص على الطريقة التي تشتهر بها محافظة الأنبار والتي تسمّى “المنسف” أو “الدليمية”، إذ يصل متوسط سعر الطبق الواحد إلى 75 ألف دينار (حوالي 63 دولار أميركي).

حكمت الهزيماوي صاحب مطعم المدينة في مدينة الرمادي مثال لعدد كبير من أصحاب المطاعم الذين لم يتمكنوا من استرجاع مبالغهم، وبالتالي لم يتمكنوا من تسديد ما بذمتهم لتجار المواد الغذائية أو تجار الأغنام.

الهزيماوي قال “الذي حصل لغالبيتنا هو نتيجة تسرعنا ووثوقنا المطلق بالمرشحين الذين تعاملنا معهم، فضلا عن أننا سمحنا بأن تتضاعف فواتيرهم دون أن نجبرهم على تسديدها في وقتها قبل نهاية الدعاية الانتخابية، لأننا كنا نصدق بوعودهم لا سيما وأن غالبيتهم لنا تعاملات كثيرة معهم، ولم نكن نعلم أن الحال سينقلب وأنهم سينكرون علينا مستحقاتنا أو يتهربون من مواجهتنا”.

الدائرة تركت مفتوحة بعد أن فقدت إحدى حلقاتها المهمة وهو المرشح صاحب المال والمنفعة، يدور في دوامتها عدد من المتضررين يبحثون عن وسيلة أو طريقة تمكنهم من الحصول على مستحقاتهم المالية، ليتمكنوا بدورهم من تسديد التزاماتهم لتجار آخرين تعاملوا معهم على أساس التسديد بعد إتمام العمل.

حازم المحمدي (57 عاما)، صاحب إحدى شركات الدعاية والإعلان وسط مدينة الفلوجة، يشير إلى أن من تورط مع السياسيين والمرشحين في الدعاية وتبعاتها، هم أصحاب المهن الجدد الذين لم يتمرسوا في مقارعة هذه الشريحة، وليست لهم تجارب سابقة في مضمار الدعاية الانتخابية.

المحمدي أكد قائلا “غالبية السياسيين أو المرشحين أو من ينوب عنهم هم أشخاص محترمون، والتعامل معهم بشكل مباشر يضمن الحقوق، إلا أن غالبية من خسروا أموالهم ولم يتمكنوا من استرجاعها تعاملوا مع وسطاء، وهذا أمر خاطئ في إطار الدعاية الانتخابية، لأننا أمام أبواب إنفاق كثيرة وكبيرة معظمها لا تتم وفق وصولات أو قوائم شرائية”.

وتشير وسائل الإعلام المحلية والدولية إلى أرقام مهولة للدعاية الانتخابية، نقلا عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي حددت السقف الأعلى للإنفاق على دعاية المرشح الواحد لبعض المحافظات بمليون دولار، ومحافظات أخرى قد تصل إلى  350 ألف دولار، وهي مبالغ ضخمة تمثل هدفا لكل منتفع ومستفيد من أصحاب المصالح والخدمات.

17