"ساعة التخلي" لعباس بيضون.. جولة في الفناء الخلفي للموت

السبت 2013/12/07
في كتابات بيضون عبارات هي مفاتيح للقراءة

بيروت ـ يواصل الكاتب اللبناني عبّاس بيضون في روايته "ساعة التخلّي"، الصادرة حديثا عن دار الساقي"، استكمال عمارته صدقاً صدقاً كشفاً كشفاً جرأةً كاسحة وراء جرأةٍ مذهلة، حفراً في ما وراء حجارة الذاكرة والذات والظواهر.

في المدينة اللبنانيّة المتاخمة للشريط الحدودي، والمفترض أنّها صور، يتحدّث الشبّان فوّاز أسعد، نديم السيّد، بيار مَدْوَر وصلاح السايس كلّ بدوره وعلى انفراد، فضلاً عن «سائر الرفاق اليساريّين»، عن لحظات التهديد الإسرائيلي بغزو المدينة وانسحاب المنظّمات الفلسطينيّة منها نحو بيروت. فوضى وإحباط. نشوء جماعة متطرّفة تطلق على نفسها اسم «اليقظة» وتتحكّم في الشارع. خطف ومعارك بين رفاق السلاح. ثم تزول «اليقظة». ويقول نديم السيّد: «وحدي لم آسف على انتهائها. أكره الذين يصدقون في كذبهم، وأفضّل عليهم أولئك الذين يعلمون أنّهم يكذبون (…) أنا قد أقول ما لا أؤمن به لكنّني في الحقيقة بحاجة إلى أن أؤمن بشيء، بل بأشياء. إنّ مقداراً كافياً من الإيمان يساعدني على أن أنجز خداعي، على أن أعود سالماً بعد كل خداع. أنا بحاجة إلى أن أؤمن بأشياء لم يعد أحد يؤمن بها (…) لا أحتاج إلى أن أكون طائفيّاً أو عائليّاً (…) لكنّي أعرف أنّ الطائفيّة والعائليّة هما جلد المجتمع الذي يتظاهر بأنّه يكرهه، بأنّه يتحمّله كجثّة لكنّه مع ذلك ميزانه وأساس عمله».


رصد اللحظات


يقسم عباس بيضون روايته إلى قسمين، القسم الأول يسميه "حصار"، و الثاني "تقاطعات"، ولا يقتصر اشتغال بيضون على التنويع في مستويات السرد، بل يعتمد تنويعاً آخر، فلا يسخر رأساً بل يعطي قارئه أنْ يسخر. أنجحُ طريقةٍ روائيّة (وغير روائيّة).

الصورة أو المشهد ليسا حادثاً شخصياً، وإنما صورة جماعية لحلم جماعي، ربما هذا السبب هو الذي يعطي لأي مشهد ضبابيته وغموضه

وَضْع القارئ في الجوّ دون إلقاء الخطاب عليه. مداورةٌ مستحبّة بل حِرَفيّة تماماً. عكسُها توجيهيّ وغالباً سطحيّ، وجمل حرّاقة مثل هذه: «طالما كنتُ لا مبالياً تجاه المسلّحين وحتّى تجاه موتهم، أشعر أنّهم يستحقّونه وأنّ هذا، تقريباً، عملهم. أشعر أنّ حامل السلاح يصبح ميّتاً لمجرّد حمله، يصبح آلةَ سلاحه لا العكس. (…) لم تكن هذه حال الشيخ خالد، كنتُ أنظر إلى عينيه لا إلى سلاحه وأسمع صوته العميق. له صوتٌ وعينان وليس مجرّد جثّة خلف السلاح. كانت له هيئة الشهيد فعلاً».

وليس أمراً بلا دلالة أن لا يخلو الكتاب، أي «ساعة التخلي » من عنوان فرعي للتعريف بالنوع الأدبي الذي ينتسب إليه النص، "الرواية"، ففي هذه النصوص لم يعد موضوع السيرة وصف سمات أو دمغات متنوعة ومشخصنة لانتماء الفرد وانضوائه في إطار يحفل بطقوس وممارسات وأعراف متوارثة بلا انقطاع. أي دائمة الارتحال ومتنها الفعلي هو في حركة التنقل التي تجمع بين رصد اللحظات واصطياد دلالاتها بطريقة خاطفة ومدهشة، والتأمل الشعري المنثور في مكنوناتها وروابطها الجوفية الخفية.

نرجّح أن يكون الكاتب مدركاً صعوبة تصنيف سرديته وحيرة القارئ حيال شعورين أو وعيين يتنازعان الذات وسعيها إلى تكوين صورة عن ماهيتها.

الوعي الأول يلتقط ويستكشف، فيما الثاني يلاحقه بالمساءلة والحكم النقدي والاستخلاصات القيمية العريضة، التي قد تصلح لمواساة النفس المنقسمة والتائقة إلى بعض العزاء.

بثّ عباس في ثنيّات كتابته البرية عبارات هي مفاتيح للقراءة. ليصبح الموضوع وصف تنقّل صاحب السيرة بين مشكلات ومسائل وانقطاعات مقلقة.

بيضون.. مزيجٌ من براءةِ شاعرٍ ونفوذِ بَصَرِ فيلسوف

وهاهنا نقع على شتى التنويعات في هذا التوصيف، معتمداً على نضج يسري أكثر على العلاقة مع اللغة التي بنى بها مشهديات وعوالم أبعد مما نراه يتكاثر ويتكرر في الرواية التي تُكتب اليوم، بحيث تراوح بين التظلم والشكوى والانتفاض والسخرية والازدراء، وبين المجاملة والتكتم والحذر. والحال أنّ هذا التبدّل في قوام السيرة وموضوعها لا يؤشر فحسب إلى إرهاصات بالمخاض العسير للفرد الحديث، بل كذلك إلى تولّد أحد شروط تكوّن الرواية العربية الحديثة.


عطب الذاكرة


يشرّح بيضون يقظة الموت، نظير المجرد والنظري والأثيري. ومتى نفض عنه صيرورته الملموسة والشكلية، تغيّرت منظومة أبعاده جذريا، وأصبح جائزا استعماله في مفارقاته الأشد تباعدا، "فكرة" أو "ملعقة".

تنفتح النصوص على مبضع الهيكلة والصيغ الهندسية، وتنزلق في منحى تفكيكي يضيء من خلاله بيضون نتوء الجزء على حساب الكل: "إنها أيضا حجرة من حائط وحيد".

وتلاصق هذه التجربة قدرة تحويلية خيميائية: "يمكن طيّه وتحويله أحيانا إلى مائدة". هناك تمرد على منطق الأحجام، ومن خلال تكرار مفردة سلاح، يصير المنمنم قادرا على احتواء الهائل في حين تغدو المفردة اليتيمة اختزالا لعالم في طور الاكتمال. يقدم الشاعر مقياسا جديدا للموازين، حيث "الحياة تطالب بما يعادلها من الحجارة"، ويقدم مقياساً للسعة ولصلاحيات الانتهاء المفضية دوما إلى عطب الحياة وعطب الذاكرة.


تمزيق الأقنعة


بيضون هنا، مثله مثل جميع أبناء العربية، عاجز عن اجتراح المعجزات في ما تحمله مفردات مثل «إذ» و«أقول» و«أن» من معانٍ دلالية مباشرة. ولكن لأنه الشاعر، ولأنه الشاعر الذي تمرّس وأنجز بعد أن جرّب وجازف، فإنه قادر على إدخال هذه المفردات في شبكات لا تقصر وظيفة اللغة على إيصال المعنى فحسب، بل تشدّ القارئ إلى الفعل التعبيري في اللغة، وإلى أداء خاصّ للغة ذاتها وقد انفكت عن وظيفة الحامل المباشر والمحايد للمعنى.

داخل هذه اللغة المجردة من اجتماعيتها، هناك ضمير جماعي يتحدث، وهنا المفارقة، فالعلاقة بالذات علاقة ذات شكل عاطفي، ربما هي رغبة الفعل عنده التي تحملها اللغة. فالصورة أو المشهد ليسا حادثاً شخصياً، وإنما صورة جماعية لحلم جماعي، ربما هذا السبب هو الذي يعطي لأي مشهد ضبابيته وغموضه.

ويستمرّ تمزيق الأقنعة. عبّاس بيضون، الكبير عبّاس، مزيجٌ من براءةِ شاعرٍ ونفوذِ بَصَرِ فيلسوف. نادراً ما انصهر هذا التلاقي في شخص، وأندر منه في كاتب. يقول: «المنظّمات لم تكن صادقة إلّا حين خرجت. حملوا السلاح ونحن حين ساعدناهم على حمله كنّا نستسلم له ولهم. حين ساعدناهم على حمله ساعدناهم على أنفسنا، وبدون انتباه صرنا مغلوبيهم (…) لم تقع المعركة وبذلك ضاعت كلّ التمارين التي جرت علينا. لم تقع المعركة لكنّنا سندفع ثمناً أكبر لعدم وقوعها. لن يجد الهاربون سوانا لثأرهم. سنكون مجدّداً موضوع تلك الرجولة المكسورة وهدفها».

تغرف من الكتاب حيث شئت ما ينطبق حرفيّاً على الماضي والحاضر والمستقبل. وبلهجةٍ ملؤها الصفاء والغَسْل. الألم وديعاً وبكلّ كرامة. الحقيقة بمختلف الطباع والأمزجة. تغرف من رواية عبّاس بيضون هذه كما تغرف من جميع ما كتب ويكتب مثلما يغرف السابح من بحر. حتّى لتتساءل: أكتابةٌ هذه أم ضمائر تنطق بحروف؟

16