ساعة المعصم والشاشة الرقمية.. طعم الوقت ليس واحدا

حدث ذات يوم أن وقف عدد من الطيور على عقرب الدقائق لساعة “بيغ بن” الشهيرة بالعاصمة البريطانية، فمُنعت من التحرك؛ تأخرت الساعة في ذلك اليوم، ولم تنقل دقاتها عبر أثير إذاعة البي بي سي. لعلّ طرافة هذه الحادثة، تحمل معنى، يمكن التوقف عنده بشيء من عمق التفكير والتأمل، وهو أنّ الحيوان والنبات لا يهتمّان بأمر آلة الزمن، ويكتفيان بالساعة البيولوجية كوسيلة للاستمرار والتأقلم، أمّا الإنسان فظلّ يسابق الزمن لعدّ وحداته وقياسها وإصلاحها، فلقد نظر إلى الساعة الشمسية ذات يوم غائم فلم يتمكّن من تحديد الوقت، واضطرّ عندئذ لابتداع الساعة الرمليّة، جلس ينظر إلى هذه الصحراء المحبوسة في الزجاج، يتأمّل الحبيبات المتقاطرة كعقيق المرجان في المسبحة، يقلّبها الزاهد بين أصابع يده دون أن ينتبه إلى الزمن الذي أفناه وأفنى الساعة نفسها فيه؛ تلك الساعة البلوريّة التي خلقت أصلا من الرمال.. قال المعرّي: علّلاني فإنّ بيض الأماني/ فنيت والزمان ليس بفان.
الثلاثاء 2016/07/12
الساعة من وحدة لقياس الزمن إلى مؤشر لقياس الثراء

اخترع الإنسان الساعة الدائريّة وجعل لها عقارب تلدغ العمر -لعلّه الحنين مجدّدا إلى الصحراء- وضعها قيدا فاخرا في معصمه يتباهى بها أمام بني جنسه، وبعد التلذّذ بالسخرية من حياته القصيرة، ابتدع الساعة الرقميّة التي تزوّغ البصر بعدّها التنازلي الذي تركض فيه الدقائق ثم الثواني، وتتبعها أعشار الثواني.. كقطيع من السباع تريد الانقضاض على فريسة واحدة اسمها الإنسان.

هذه مشكلة الكائن البشري الذي يحب تقسيم كل شيء، من المسافات التي بدأ يقيسها بالخطوات، حتى وصل إلى تقديرها بالكيلومترات ثم انتهى إلى السنوات الضوئيّة، في مزج غريب بين الأمكنة والأزمنة.

قال أحد الأدباء “لو تعلم الساعات أنّها أيضا لها عمر لأضربت عن الدوران وامتنعت عن قضم الزمن الذي سوف يسحقها مثل عقرب تحت قدم بعير في الصحراء.. أكره الساعات، وحتى تلك التي جاءتني على شكل هدايا، ولا أخجل من بيع الثمين منها وإهداء العادي وإتلاف المتواضع، بعد أن أُخبر مهديها وأعتذر منه”.

ويضيف الكاتب الساخر في معرض ردّه عن سؤالنا حول جدوى قياس الزمن لديه “أنظر بتشفّ واضح إلى أحشاء الساعات وأشلائها وهي تتناثر على طاولة جاري الساعاتي العجوز، لكني أشفق عليه وهو يصلح ويعيد النبض إلى دقات سوف تهزم دقات قلبه”. لماذا يتباهى السويسريون بصناعة وبيع الساعات في متاجرهم كما يبيعون السكاكين ذات الماركة الشهيرة؟ يسأل أحد الصحافيين نفسه ثم يجيب في صيغة تساؤلات “هل لأنهم لم يعرفوا الحرب في تاريخهم، أم أنهم يبيعون كل ذلك إلى غيرهم ويكتفون هم بما لديهم من بنوك وطبيعة، وأبقار تطوّق أعناقها قلادات الأجراس”.. ألا يذكّرنا ذلك بالساعة التي أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى الملك شارلمان وقد أخافت عقاربها المتحرّكة جميع من في القصر، فهربوا وحسبوها “عفاريت قادمة من بلاد العرب”.. سادة العالم وروّاده آنذاك.

هناك ساعة أخرى تدقّ أجراسها تحت الأضلع، لا تخلص إلاّ لصاحبها وتصمت معه مرّة واحدة وإلى الأبد، وهي تلك التي يسمونها بالساعة البيولوجيّة، وقد شبهها أحدهم بساعة الكاتب الطيار سانت أكزيبري، صاحب “الأمير الصغير” الذي سقط بطائرته في عرض البحر، ووجد أحد الغوّاصين ساعته الفضيّة التي نقش عليها اسمه بعد العشرات من السنين، تفحّصها جيّدا فوجدها صامتة حدادا على صاحبها، وقد أعلنت عجزها عن مقاومة الماء.

ساعة العقارب أو الساعة الرقمية، ساعة المعصم أو ساعة الجيب، ساعة شاشة الهاتف أو الكمبيوتر، ساعة الصالون، ساعة المنبه، الساعة الجدارية أو الساعة العمومية؛ كلها آلات متنوعة لقياس شيء واحد.

قيمة تتجاوز مجرد الإشارة إلى الوقت

ساعة المعصم ترتقي وظيفتها الاستعمالية إلى قيم جمالية وروحية

الساعة العادية أو التناظرية، هي النوع التقليدي من الساعات حيث تتكون من عقرب ساعات ودقائق وعلامات تشير إلى اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وهي تعتبر ساعة رسمية ومثالية لملابس العمل في الأعراف وكل الثقافات السائدة. تعمل هذه الساعة بخاصية الاهتزاز أو الدفع، وهي ما يطلق عليها الساعات الميكانيكية، وتكون في أغلبها غالية الثمن، بسبب خاصية الدفع التي تدعمها لأنها تتطلب مهارة وحرفية عالية في تصنيعها لدى الدور المتخصصة في العالم، وأشهرها المصانع السويسرية.

يقول صلاح (موظف 52 عاما) “بالنسبة إليّ، فإنّ الساعة جزء أساسي من حياتي ولا أستخدم أيّ نوع منها عدا ساعة العقارب، حتى أني لا أتخيل يدي من دون ساعة، وخير دليل على هذا، هو التباين الواضح -كما تلاحظون- بين لون ذراعي الغامق بفعل الشمس، وبين لون معصمي الذي تغطيه الساعة منذ سنوات المدرسة، ولا تنفصل الساعة عن يدي إلاّ أثناء النوم أو الاستحمام، حتى أنني أقتني في الصيف ساعة معصم مقاومة للماء أثناء السباحة”.

توجهنا إلى مجموعتين من الرجال والسيدات متساويتين في العدد، في سن تقترب من الكهولة بسؤال “هل تحمل ساعة اليد أم أنك تفضل الاعتماد على ساعة الهاتف المحمول، أو ساعات الآخرين لمعرفة الوقت؟”، فكانت الإجابات في أغلبها، تتمحور حول تفضيل ساعة اليد الشخصية، على معرفة الوقت من خلال الشاشات الرقمية، كما أنّ الأكثرية الساحقة تفضل ساعة العقارب، وتحبّذ أن تكون من النوع الجيد أو المتوسط المقبول، على الأقل.

زهرة (أستاذة مدرسة)، تقول إن قيمة الساعة ليست في وظيفتها وبعدها الاستعمالي، بل تأخذ منحى جماليا، يتعلّق بمفهوم الأناقة، وكذلك التعلّق الوجداني بالساعة التي عادة ما ترتبط بذكريات لأشخاص أو مناسبات، تعيش في نفوسنا، ونتمنى لها أن تعمّر معنا عبر رمزية الساعة، التي هي ليست مجرّد أكسسوار تزييني، أو أداة لمعرفة المواقيت.

من لديه حنين إلى ساعات العقارب، يمكن له أن يجدها في التصاميم اللامتناهية للساعات الافتراضية على الشاشات

ثمة نسبة لا بأس بها من الذين يفضلون ساعة المعصم، ولكن دون أن تكون بالضرورة من ساعات العقارب، فحتى الساعات الرقمية، أنيقة وعملية، وتتميز بروح الحداثة في نظرهم، كما يبدو في آخر ابتكارات المصممين، لكنّ أحد المتخصصين في علم النفس يتحدث عن نوع من الراحة والهدوء، يحس بهما الإنسان عندما ينظر إلى الزمن وهو ينساب بوداعة وهدوء مع العقارب التقليدية في ساعة اليد، على عكس الساعة الرقمية المتميزة بالشركة، الشيء الذي يبعث على التوتّر ويحسس الفرد بنوع من الإحباط قد يؤدّي إلى الاكتئاب، لمجرّد أنّ الزمن يمرّ أمامنا دون أن نفعل شيئا ذا قيمة.

هذا الشعور ينتاب الفئات التي تكون في متوسط العمر، قبل الشرائح الشبابية، والتي يفضل أغلبها معرفة الوقت من خلال شاشات الكمبيوتر والموبايل، وباقي المرافق والتجهيزات الاتصالية، وحتى الواجهات التجارية والإعلانية المنتشرة في المدن الحديثة. البعض من تقليعات الموضة في الأكسسوارات الشبابية، أصبحت ميالة إلى ساعات المعصم، وبأحجام وألوان وأشكال تواكب وتجاري ما يروّجه نجوم الغناء والتمثيل، كما أنّ شركات التصنيع اليوم، لم تعد تلك الشركات الكلاسيكية المعتمدة على تقديس الماركة وبأسعار باهظة الثمن تتناغم مع تقاليد الفئات الميسورة في القرن الماضي.

المثير للاهتمام عند أولئك الذين يهوون الطرق الجديدة لاستخدام ساعة الجيب، لكن بالنسبة لهواة اللياقة البدنية من الذين يحبون تتبع معدل ضربات القلب. ثمة من له أسباب عملية أخرى في تفضيل ساعة العقارب على الساعة الرقمية، مثل مصطفى الذي يقول “أفضل ساعة العقارب، ليست مسألة شكل فقط، بل للدقّة أيضا، أشعر شخصيا بالإحراج، فلقد عانيت كثيرا مع الساعة الرقمية، فمثلا أشعر بالبعض من الارتباك وأحتاج إلى البعض من الوقت للتفرقة بين رقمي 2 و5، ولو كانت الساعة مقلوبة مثلا، تكون النتيجة توقيتا آخر ومختلفا”.

يتفق الكثير على أنّ ساعة اليد جزء أساسي من المظهر والملابس، وقد تحقق لك نوعا من التوازن النفسي الذي لا بدّ منه في حياتك المهنية والاجتماعية، فأغلب الناس يركّزون على ساعة المتحدّث قبل كلامه، وثمة من يصدر الأحكام من خلال شكل الساعة وقيمتها،؛ فالساعة تحولت من آلة لقياس الزمن إلى وحدة لقياس الجاه والثروة والأناقة.

وفرة ودقة وبساطة لا تضاهى

قيمة الوقت ليست في آلة قياسه

يقول خالد ( 44 عاما) “أكره القيود في معصمي، تربكني ساعة اليد، بل وتضايقني إلى حدّ الاختناق، وأنظر إلى الذين يصرّون على تطويق معاصمهم بالساعات بشيء من الشفقة، وأقول لهم أريحوا أياديكم، وأريحوا كذلك رقابكم وأعناقكم من الكرافتات”. الذين يرفضون ساعات المعصم هم نسبة كبيرة تمثل شريحة عريضة في البلاد العربية، لكنّ مبرّراتهم وأسباب رفضهم، كثيرة ومتنوعة، بل ومتناقضة أحيانا، فمنهم من يصفها بالكلاسيكية التي ولّت وانتهت بظهور الثقافة العملية ذات الغاية النفعية والطبيعة الاختصارية، فعالم اليوم تطور وأعلن عن الثقافة الرقمية في كل شيء، والتي لا يمكن فصلها عن منجزات أخرى في شتى مجالات التكنولوجيا.

تقول السيدة منى، صاحبة شركة اتصالات “شخصيا لا أضع ساعة اليد إلاّ في مناسبة اجتماعية خاصة، وأعتبرها مثل باقي الحلي وأدوات الزينة التي لا ينبغي لها أن تظهر إلاّ في المناسبات الخاصة، فليس من اللائق أن تقصد شغلك في الصباح وأنت في ثياب سهرة، أنا أشبه ساعة المعصم بهذا، ثم أني محاطة بالشاشات التي تظهر فيها الوقت في كل ثانية”، وتضيف منى ضاحكة “ثم إن معرفة الساعة صارت الآن مجانية وأكثر دقة.. ولم تعد ذريعة لكسب الودّ والتعارف كما كان في الماضي”.

أيمن، شاب موظف لدى الشركة التي تديرها السيدة منى، يتدخل في حديثة متحمسا لدعم فكرة منى، وهو يقرأ ساخرا من إحدى مجلات الموضة “أول شيء يجب القيام به قبل الخروج إلى التسوق لشراء ساعة، هو أن تكون هناك نظرة فاحصة على محتويات خزانة الملابس الخاصة بك ومن ثم الميزانية المالية لك، واسأل نفسك ما هي المناسبات التي سوف ترتدي فيها الساعة؟ وهل ستسخدمها في العمل أو في مناسبات خاصة أو في ممارسة الرياضة”، ثم يعلّق بقوله “بربكم، من مازال له الوقت والإمكانيات والجلد، في هذا العصر لتطبيق هذه النصائح البرجوازية الوقحة؟”.

وتضيف رباب، زميلته في العمل “من لديه حنين إلى ساعات العقارب، يمكن له أن يجدها في التصاميم اللامتناهية للساعات الافتراضية على الشاشات، إنّ الثورة الرقمية الحديثة لم تقمع الأذواق الكلاسيكية، بل احتوتها وجعلتها ممكنة بأرخص التكاليف، وليس وفق الذائقة البرجوازية ذات السلوك الأناني، والتي تحب احتكار كل شيء لصالحها، لأنها تمتلك المال”.

قيمة ساعة اليد ليست في وظيفتها وبعدها الاستعمالي، بل تأخذ منحى جماليا، يتعلق بمفهومي الأناقة والوجاهة

يقول عماد، وهو خريج جامعة وعاطل عن العمل “إن من يحبّذ قياس الزمن ومعرفة الوقت عبر ساعات باهظة الثمن، لمجرّد الاستعراض أمام من هم في حاجة إلى الحد الأدنى من العيش الكريم، هو أشبه بالذي يريد تناول الحساء الذي يأكل منه الفقير، بملعقة ذهبية، ونحن في العالم العربي نقدّر ساعات اليد، لكننا لا نقدّر الوقت ولا ساعات العمل”.

يقول العم علي (76 عاما) الذي يمتلك محلاّ قديما لتصليح الساعات، ويعمل فيه ابنه “لم يعد العمل في هذه المهنة مثل السابق، لكني آتي إلى المحل كل صباح لرؤية وتفقد الساعات التي تربطني بها علاقة روحية خاصة، وابني متحمس لمواصلة العمل وهو الآن يعلّم حفيدي الذي هو ابنه، لكنني وبصراحة أتعرف على التوقيت من الراديو أو الساعة الرقمية التي على جدار المحل، إن تعلقي بساعة العقارب، هو مسألة غرام ولا علاقة له بمعرفة الوقت”. الساعة الرقمية لم تعد تلك التي تؤدي وظيفة أحادية تتمثل في معرفة التوقيت، بل دخلت عالما من الابتكارات الذكية التي تمكنك من معرفة حالة الطقس والتنبيهات كالمكالمات والرسائل وغيرها من التطبيقات، التي ربما في المستقبل ستدعم هذه الساعات مع إمكانية الرد على الرسائل.

لقد ابتكر أخيرا عالما فيزياء من جامعة لانكستر البريطانية، جهازا قادرا على تحديد وقت وفاة أيّ شخص باستخدام الليزر، كما يساعد على اكتشاف أمراض السرطان والتخلف العقلي، ويشبه الجهاز ساعة اليد، ويقوم باستخدام أشعة الليزر غير الضارة بتحليل وضع الخلايا الصغيرة داخل الشعيرات الدموية، ويحدد سرعة نمو الجسم البشري، ويعتمد الجهاز في دقة التقدير على كيفية أداء الخلايا الباطنية لوظائفه، وفي حال الحصول على النتيجة صفر، فإن هذا يعني أن الإنسان توفي. وتشير نسبة 100 بالمئة إلى عمل الخلايا بشكل تام، والنتائج المتوسطة تمكن من تحديد مدى العمر الذي سيعيشه الإنسان، ومن المفترض أن يصبح الجهاز متاحا للأطباء خلال السنوات الثلاث المقبلة.

12