ساقط تاريخ

الأحد 2014/11/02

لو كان التاريخ رجلا لانتحر على باب مصر، فنحن قوم لا نكتب الحقيقة وإنما نتفنن في صياغة وجهات نظر الحكام من التاريخ، في العالم كله يكتب التاريخ المنتصرون، وعندنا يكتبه التافهون المغرضون، أخذنا من الفراعنة أسوأ ما فيهم، فالملك المنتصر يمسح بـ”أستيكه” تاريخ المهزوم..

لن أخوض في تاريخ سجلات مصر الفرعونية لأنني لم أعشها، لكنني وشباب عائلتي عشنا مع ثلاثة رؤساء وتبعهم رئيس إخواني ثم السيسي. تزوير التاريخ بدأ في عصر عبدالناصر، فقد درست أن أول رئيس جمهورية لمصر، هو ناصر بينما الحقيقة أنه محمد نجيب، وجاء السادات فدرس أخي الأصغر أنه بطل الحرب والسلام، وأن ناصر بطل النكسة. وذهب جيل جديد من العائلة إلى المدارس، منهم حسين إمام ابن إحدى قريباتي الذي كان في الصف الأول الابتدائي عام 2010، ودرس أن بطل حرب أكتوبر وصانع النصر والضربة الجوية، هو مبارك.

وأن عصره الذي يعيش فيه آنذاك هو عصر الاستقرار والازدهار، وأن الإرهاب منبعه جماعة ترفع شعار الإسلام هو الحل، وأن رجلا اسمه حسن البنا هو أصل شجرة الشر..

المهم حسين نجح وأصبح في الصف الثالث الابتدائي عام 2012، فدرس في نفس كتاب التاريخ أن مبارك رجل فاسد، وأن أكتوبر ليس فيها ضربة جوية، وأن جماعة الإخوان هم ملائكة الله على الأرض، وهم أصحاب الثورة على الظلم والطاغوت، وأن حسن البنا مؤسس مصر الحديثة!!

ثم ونحن في هذا العام 2014، انتقل حسين للصف الخامس الابتدائي ودرس حرب أكتوبر، بلا ذكر لمبارك كقائد جيد أو رديء، ثم يجيء ذكر ثورة يناير وكيف سرقها الإخوان، وتشعر أن التاريخ لا يريد الاعتراف بـ25 يناير، وينقلك آليا إلى أبطال ثورة 30 يونيو التي أنقذت البلاد من حكم الطواغيت.

وهكذا درس حسين أن مبارك بطل وحسن البنا شرير، ثم عرف أن مبارك فاسد والبنا ملاك، ثم أدرك أن مبارك لم يكن من أبطال أكتوبر، ثم عرف أن الثورة الحقيقية هي 30 يونيو، وأنها خلصت المصريين من الطاغوت الذي كان مبارك في 2011، ثم أصبح الإخوان في 2013..

المهم أن حسين سقط في التاريخ في أولى إعدادي، وكان عليه أن ينجح في ملحق بعد ذلك، قالت له أمه: “يا نهار أسود يا ولد حد يسقط في التاريخ؟”. وبكل هدوء وسذاجة رد عليها قائلا: “هل هذا تاريخ؟ بلا تاريخ بلا نيله، والله ما حافتح الكتاب الزفت ده، دا عامل زي أفلام فريد شوقي مرة حرامي وأخرى شريف وثالثة لص ورابعة رجل دين، حرام عليكي يا ماما كلميهم يلغو التاريخ!”.

24