ساكب : شاهد على التاريخ لم يوثق تاريخه

الاثنين 2013/09/23
آثار تدل على تغلغل في الزمن القديم

كشفت دراسة أعدها الباحث والمحلل السياسي عماد عياصرة تاريخ قرية ساكب التابعة لمدينة جرش الأردنية "شمال عمان" منذ بداية تشييد المدينة قبل 5 قرون حتى الألفية الثالثة.

الدراسة بينت أن تاريخ قرية ساكب الأردنية ظل حبيس الوثائق الغربية، وعرضت تاريخها منذ العهد العثماني حتى طرد المستوطنات الاسرائيلية مطلع القرن الماضي.

ويرجع الباحث الحاصل على الماجستير في العلوم السياسية، سبب دراسته لتاريخ القرية، لاعتقاده بأن جذورها تمتد عبر ماض سحيق، وأن أرضها شهدت كثيراً من الأحداث التي بقيت مبهمة شأنها شأن معظم القرى الأردنية، التي لا يتوفر عنها سوى بعض المعلومات السطحية غير الموثقة.

وأسفر العمل البحثي عن ساكب طيلة عامين عن جمع المعلومات من مصادرها الموثوقة وكتابة تاريخ القرية بشكل ممنهج، وفك لغز غموض التاريخ الذي لفه القرى الأردنية، والوصول إلى معلومات مهمة بقيت حبيسة الوثائق والمخطوطات الأجنبية.


ساكب وجرش


وقال عياصرة "تاريخ نشأة ساكب بدأ بثلاث تجمعات هي عيصرة وبقية الفوقا "الخربة" وساكب، وهذه التجمعات السكنية الثلاثة جاءت نتيجة لتوفر مصادر المياه الدائمة وطبيعتها الجغرافية.

ويعود التنظيم الإداري للتجمعات السكنية إلى عام 1538 ميلادي، وقد بلغ عدد سكانها في تلك الحقبة 33 فرداً موزعين على التجمعات الثلاثة، كانوا يدفعون ضريبة تسمى التيمار على الثروة الزراعية والحيوانية والوقف الخيري التي يجمعها الجيش وبلغت قيمة الضرائب السنوية المفروضة عليهم 3800 آقجة عثمانية بذلك العام.

وأضاف "ارتفعت حصيلة الضريبة على القرية إلى 5100 آقجة عام 1596 مما يشير إلى أن هذه المنطقة كانت حيوية وفي نمو سكاني واقتصادي نشط".

وترجع تسمية ساكب إلى عهد الشيخ محي الدين بن شرف الدين خروب وتعني الماء المنسكب من أعالي الجبال أو من المناطق شديدة الانحدار. وقال: "لم يطرأ على ساكب في العصر الإسلامي كثير من التغيير وذلك يعود إلى بعدها عن مركز الخلافة الإسلامية وانشغال القادة بالفتوحات وعدم اهتمامهم بالبناء، إلا أنه عثر على مسجد في منطقة عين أم جوزة، وهي جزء من القرية قريب من طبقة فحل مركز الجيوش الإسلامية. لكن ساكب كانت في العهد البيزنطي مركزاً لصك العملة ومعاصر الزيتون الحجرية، وكانت تعرف بـ 'سيسب' في العهد الإسلامي المتوسط".

وتابع أن "التنظيم الإداري ضم جرش للقرية، حيث ألغي اسم جرش ليحل محله ساكب، ثم عاد اسم جرش ليظهر مجدداً في سجل الضرائب العثمانية أواخر القرن السادس عشر وذلك حسب ما ورد في عدة مصادر منها ما جاء في كتاب الباحث جوشو براوير".

ووفقاً لدراسات عياصره فإن أرض ساكب شهدت حملات عسكرية مهمة، منها حملة الأمير علي بن فخر الدين المعني الثاني ضد ظلم فروخ بك سنجق عجلون والكرك ونابلس الذي وقع على الناس آنذاك. وأقام الأمير علي في ساكب عدة شهور، وما لبث أن رحل عنها لمساندة والده الأمير فخرالدين في الشام.

وساهم سكان القرية في إعمار وإعادة بناء جرش الحديثة بعد اكتشافها من قبل الرحالة الألماني أولريش ياسبر زيتسن عام 1806 واستمر ذلك إلى أن جاء المهاجرون الشركس من بلاد القفقاس وسكنوا جرش عام 1878 حيث كان لهم دور بارز في النمط المعماري.


ويلز الأردنية


وسرد عياصره أن "ساكب كانت محط أنظار انكلترا أواخر القرن التاسع عشر، حيث قام ملكها جورج الخامس وأخوه الأمير ألبرت فيكتور بزيارتها عام 1882 وذلك عندما كان أميراً لويلز على رأس طاقم سفينة ملكة المملكة المتحدة في رحلة إلى الشرق ما بين الأعوام 1879 – 1882".

وتورد كتب التاريخ قول الملك جورج الخامس "دخلنا قرية ساكب في الساعة التاسعة صباحا، وعبرنا وادي حيمر، وكانت الذرة تملأ الجزء السفلي من الوادي، ويحيط بجوانب الوادي غابات من الصنوبر والسنديان، كان صباحا يشبه الصباح الإنكليزي الممتع، وظن بعضنا أننا في ويلز والبعض الآخر ظن أننا في اسكتلندا".

وأورد الملك الانكليزي في دفتر مذكراته مشاهداته لأنواع مختلفة من الطيور والحيوانات والأشجار والأزهار، وأن ساكب منفذ مهم لغرب الأردن حيث يتاجر السكان بالمزروعات والحبوب.

كما زار القرية الضابط والرحالة الإنكليزي كلود كوندر ما بين عامي 1881-1882 ودون مشاهداته أيضاً.


تعايش الأديان


وقال عياصره "شهدت أرض لبنان صراعا عام 1860 بين الموارنة من جهة والدروز والمسلمين من جهة أخرى، ووقعت خلالها مجازر من كلا الطرفين، رافقها هجرات سكانية للمسحيين إلى قضاء عجلون، واستجار بعض منهم بأهالي ساكب، وأعلن أهالي القرية أن أي اعتداء يقع على المسيحيين هو اعتداء على السكان".

وزار القس كلاين القرية عام 1868، وتحدث عن معيشة العائلات المسيحية مع المسلمين جنباً إلى جنب، وأن العائلات المسيحية كانت تعمل في الحرف التي يحتاجها الفلاحون مقابل مقدار معين من الحبوب.

وتذكر المجلة الشهرية للمعلومات التبشيرية عام 1869 "ساكب بلدة جميلة يوجد فيها الكثير من الآثار، وفي المنطقة كاهن يوناني يخدم كل العائلات المسيحية الموجودة في المقاطعة". ووفقاً للباحث فإن "ساكب شهدت اجتماعات هامة للقضاء على فكرة إنشاء مستوطنات يهودية في شرق الأردن على ضفاف نهر الزرقاء للعبور إلى فلسطين، إلا أن العشائر الأردنية عقدت اجتماعاً حربياً في ساكب، وقرروا مهاجمة المستوطنات اليهودية في سيل الزرقاء حيث تمكنوا من القضاء عليها".

12