ساكو وفانزيتي.. فيلم اجتمعت حول قصته البشرية جمعاء

حكاية لا تنسى عن قوانين جائرة تقدم أبرياء قرابين للمصالح السياسية والاقتصادية.
السبت 2020/04/25
قصة تكاد تتكرر كل يوم

لم يكن صانع الأحذية نيكولا ساكو وبائع الأسماك بارتولوميو فانزيتي مشهورين خلال معظم حياتهما. لكن بعد وفاتهما تحولا إلى شخصيتين تاريخيتين، وتصدرت قصتهما عناوين الصحف وتحولت إلى مادة سينمائية دسمة عن قصة رجلين أعدما ظلما. وبعد أكثر من 90 سنة من إعدامهما صارت الفصول الدراسية الأميركية تدرس قضية البريئين التي أشعلت أحد أكثر الاحتجاجات قوة في تاريخ الولايات المتحدة، وأخرجت الناس في مدن بعيدة مثل بوينس آيرس وباريس ولشبونة إلى الشارع أيضا احتجاجا على إدانة الرجلين بسبب شكوك حول معتقداتهما الشيوعية وليس بسبب الجريمة.

في 23 أغسطس 1927، طوّقت عشرات الدبابات مبنى سفارة الولايات المتحدة في باريس لحمايتها من هجوم آلاف المتظاهرين المحتجين، بينما حطمت الجموع البشرية الغاضبة في جنيف كل ما كان يبدو أميركيا أو متعاطفا. كان يوم غضب هز الوجدان الإنساني، أمّا السبب فهو إعدام صانع أحذية يدعى ساكو ورفيق له يسمى فانزيتي، يمتهن بيع السمك، ولا علاقة له بالسياسة والسياسيين.

الحدث يبدو عاديا ومألوفا في تلك المرحلة التي كانت تكشّر فيها الإدارة الأميركية عن أنيابها في مواجهة كل من تسوّل له نفسه التطاول على “السيستم”.. أي التعاطف أو حتى مجرد التشبّه بما يوحي بالنظام الشيوعي، حتى وإن كان فوضويا في مثل حالة ساكو وفانزيتي، الإيطالي الأصل والمزاج في بلد يبذل قصارى جهده في سبيل مواجهة فايروس الثورات الشعبية، وتلك التي تتوق إلى الحرية والكرامة.

سجن تشارلستون ستيت في ولاية ماساتشوستس الأميركية كان شاهدا على الحادثة، وفي ظل جائحة مثيلة لما يحدث هذه الأيام، اسمها الكوليرا. كان فرديناندو نيكولا ساكو وبارتولوميو فانزيتي، قد تناولا الحساء واللحم وخبز التوست والشاي، قبل الإعدام..

قد يبدو الخبر عاديا أكثر مما يجب، وأنت تتصفح كتابا -يبدو مسليا- يتحدث عن الوجبة الأخيرة للمحكوم عليهما بالإعدام كطقس متبع في سجون عديدة، فبإمكان المتهم اختيار الوجبة التي يرغب في تناولها قبل تنفيذ الحكم، إذ تقدم أغلب الولايات في أميركا هذه الوجبة قبل يوم أو يومين من الإعدام، مستخدمين المصطلح “وجبة خاصة”، وعادة ما يمنع تقديم الكحول أو التبغ.

قوانين جائرة

الفيلم، إلى جانب قيمته الفنية المبهرة، فإنه كان عبارة عن توثيق لأكثر الاحتجاجات في تاريخ الولايات المتحدة
الفيلم، إلى جانب قيمته الفنية المبهرة، فإنه كان عبارة عن توثيق لأكثر الاحتجاجات في تاريخ الولايات المتحدة

أصل القصة يبدأ من 15 أبريل 1920 في برينتري الأميركية، حيث اغتيل صاحب مصنع الأحذية أليساندرو بيرارديللي والحارس المرافق له، في عملية سطو.

اتُهم على إثرها ساكو وفانزيتي ووجهت لهما تهمة القتل العمد. وتم تقديمهما للمحاكمة أمام القاضي ويبستر ثاير، من المحكمة العليا في ماساشوسيتس.

وحُكم عليهما بالإعدام زورا وبهتانا ولمجرد الاشتباه بأن المتهمين الاثنين ينتميان إلى التيار الفوضوي القريب من شبح الشيوعية، لكن البراءة ظهرت بشكل متأخر.. ومتأخر جدا، مما يثبت تورط القضاء الأميركي وانحيازه إلى قضايا سياسية وعنصرية.

كان لهذا الحدث أن ينتظر زهاء خمسين عاما، حتى يظهر فيلم عام 1971، أنتج بشكل مشترك بين الإيطاليين والفرنسيين، أخرجه غولا مانتالدو وأنتجه ارنتو كولومبو، وكتب له السيناريو  فانسيتي أرلوندو.

الفيلم، وإلى جانب قيمته الفنية المبهرة، فإنه كان عبارة عن توثيق لأكثر الاحتجاجات في تاريخ الولايات المتحدة، إذ تبناه العمال والحقوقيون في العالم، تخليدا لتلك المظاهرات الغاضبة التي أشعلت مدنا مثل روما وبوينس آيرس وباريس ولشبونة، وغيرها.

ساكو وفانزيتي لم يكنا إلا ذريعة للاحتجاج على قوانين جائرة تقدم أبرياء على شكل قرابين وضحايا للمصالح السياسية والاقتصادية.

مثقفو العالم وأحراره آنذاك مثل أوبتون سينكلير وجون دوس باسوس وجون بايز والعشرات من الفنانين الآخرين تبنّوا قضية ساكو وفانزيتي، واعتبروهما شهيدين بسبب أصلهما، لأنهما مهاجران إيطاليان وفوضويان معروفان، الأمر الذي قاد لإعدامهما على يد شرذمة عنصرية، في قضية ظلت بمثابة وصمة عار على جبين القضاء الأميركي عبر تاريخه.

الأمر ليس مجرد إدانة لوثيقة تاريخية راح ضحيتها بريئان من أصول إيطالية بل سؤال حول نزاهة القضاء الأميركي الذي لا يزال يكيل بمكيالين، ويضع كل من يتعرض لمصالح الفئات المتنفذة في سلة الإرهاب والإرهابيين.

قوة السبعينات

قوة فيلم ساكو وفانزيتي أنه ما زال يثير الجدل، والتساؤلات والقراءات المتعددة. وفي هذا السياق، يقول الكاتب والناقد التونسي الشريف مبروكي، إن الفيلم جاء في سياق تاريخي اجتماعي وسياسي يحاكي السياق الذي حدثت فيه القضية التي اشتهرت باسم قضية ساكو وفانزيتي.

ويضيف مبروكي أن الفيلم ظهر سنة 1971 حين كانت إيطاليا تعيش على وقع العنف السياسي والإجرام المافيوي اليومي، أو ما كان يسمى بسنوات الرعب حيث لجأت قوى يسارية أخذت اسم الألوية الحمراء إلى استعمال العنف الثوري في مواجهة التنظيمات الفاشية واليمينية المتحكمة في الحياة السياسية في إيطاليا.

ويخلص الناقد التونسي إلى القول بأن أميركا، حيث حدثت قضية ساكو وفانزيتي، كانت تعيش، آنذاك، أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية مضطربة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة البلشفية في روسيا، إضافة إلى صعود الحركات النقابية وانتشار الإضرابات العمالية بدعم من القوى المسماة بالقوى “الحمراء” وهي خليط من الشيوعيين والفوضويين والهامشيين.

سادة اليسار الإيطالي والفرنسي كانوا حاضرين، لذلك كان الفيلم من ّأهم الأفلام التي ردت على الغطرسة الأميركية 

قضية ساكو وفانزيتي هزت العالم في أواخر عشرينات القرن الماضي، وخلدها فيلم سينمائي في السبعينات.. السبعينات التي أعادت الاعتبار إلى كل شيء. السبعينات التي شهدت مد اليسار الطامح إلى تسجيل حضوره، والقول لليمين بأن “قلوبنا ما تزال على اليسار” نابضة برفض الهيمنة الامبريالية.. هل  ينبغي الإقرار بهزيمة العالم في أشد مدّ اليسار وتجيير كل شيء إليه؟

سادة اليسار الإيطالي والفرنسي كانوا حاضرين، لذلك كان فيلم “ساكو و فانزيتي” واحدا من ّأهم الأفلام التي ردت على الغطرسة الأميركية بمقولة مفادها أن إيطاليي أميركا، ليسوا كلهم إرهابيين.

مجد ساكو وفانزيتي، اليوم، ليس في حصولهما على البراءة بعد حوالي 57 عاماً، عبر شريط سينمائي أكثر من كونه حكما قضائيا بل في الفكرة التي تعوض إعادة المحاكمة بإعادة النظر في الطرق والأسباب والآليات التي جعلت عاملين بائسين مهاجرين على كرسي كهربائي، إثر حكم جائر من أصحاب كراسي السلطة.

السر في القضية هو أن لا سر للفقراء والمنبوذين والذين لا تستمع لهم العامة ولا الخاصة.. أصدق الناس هم الذين لم نستطع الاستماع إليهم.. بسبب لوثة أو مكابرة أو رغبة صريحة في عدم الاستماع. جاحد هو من يراك دون أن يسألك من أنت؟.. هذا هو السؤال الذي طرحه ساكو على فانزيتي، دون أن ينتبه إليه أحد.

في منتصف تلك الليلة من أغسطس عام 1927، وكما صور هذا الفيلم الآسر، دخل نيكولا ساكو غرفة الإعدام. عندما أراد الحراس تقييده، صرخ، بصوت عال “تعيش الفوضوية” وأعقبها بصرخة أخرى لا تقل وجعا وقوة وصدى “تعيش أمي”.. كيف لإيطالي أن لا يتذكر أمه في حالات الألم إن لم يتذكر السيدة
العذراء؟

كتبت حول قضية ساكو ورفيقه فانزيتي القصائد والروايات والمسرحيات، وذرفت الدموع. بعد نصف قرن، وفي عام 1977 أعلن حاكم ولاية ماساتشوستس في تصريح رسمي براءتهما.. ولكن أية براءة وقد حسم الكرسي الكهربائي حكمه؟
كتبت حول قضية ساكو ورفيقه فانزيتي القصائد والروايات والمسرحيات، وذرفت الدموع. بعد نصف قرن، وفي عام 1977 أعلن حاكم ولاية ماساتشوستس في تصريح رسمي براءتهما.. ولكن أية براءة وقد حسم الكرسي الكهربائي حكمه؟

ضغط بعدها حراس غرفة الإعدام زر تشغيل الكرسي الكهربائي.. وكانت الصعقة التي شعر بها كل مشاهدي الفيلم. أما زميله بارتولوميو فانزيتي، فقد سمر نظراته أولا باتجاه الكرسي الكهربائي وقال بصوت حزين، منكسر “لم أرتكب أية جريمة أبدا، صحيح أنني ارتكبت بعض الآثام، لكني لم أقم بأية جريمة”، ثم صافح الجميع. مات فانزيتي باكيا فانفجر من بعده العالم غاضبا.

خرج كل أحرار العالم من بعد حادثة الإعدام، وكأنهم أبناء وآباء وإخوة وأصدقاء ساكو وفانزيتي، بكى الجميع أمام الجميع.. وقال لأميركا “كفى ظلما”.

كتبت حول قضية ساكو ورفيقه فانزيتي القصائد والروايات والمسرحيات، وذرفت الدموع.

 بعد نصف قرن، وفي عام 1977 أعلن حاكم ولاية ماساتشوستس في تصريح رسمي براءتهما.. ولكن أية براءة وقد حسم الكرسي الكهربائي حكمه؟

لعل أفضل ما بقي من ذكراهما ما كتبه فانزيتي، بنفسه قبل إعدامه، حيث قال بأنه وزميله يقبلان الموت كشهداء بعد أن حركا ضمير العالم. كتب بكل كبرياء واعتزاز “لم نكن لنثير في
حياتنا نحن الفقيرين مثل كل هذا التعاطف مع العدالة وصحوة الضمير والتفهم، إن موتنا انتصار لهذه القيم. واللحظة الأخيرة من حقنا… نقول فيها ما نشاء”.

حاكم ولاية ماساتشوستس قال عام 1977، “من الواضح أن الرجلين لم يتلقيا محاكمة عادلة لكونهما يحملان الجنسية الإيطالية”.

يا للعار الذي أصاب العالم الجديد، والبلد الذي يدعي أن المستجيرين إليه سوف يحققون أحلامهم لا محالة. كل المحاكمات والتحقيقات والفحوصات الباليستية قد تدين المتهمين، لكن الحقيقة تختفي تحت مطرقة القضاء الذي نظنه عادلا.

حكاية لا تنسى

“ساكو وفانزيتي” فيلم يعلمنا أن الروايات البوليسية هي مجرد روايات بوليسية وأن فوضويا مثل ساكو، أو زميله فانزيتي، لا يمكن له أن يكون فوضويا في بلد تعربد فيه الصرامة باسم تطبيق القانون.

ساكو وفانزيتي أكبر عملية “قتل قانونية” في تاريخ البشرية، سكنت الوجدان البشري، وحاول كل واحد أن يتبناها ويتقمصها لصفه مثل العراقي نعيم مهلهل، الذي كتب عن حضور الفيلم في سبعينات القرن الماضي ببغداد، وكان عبارة عن خليط من كل شرائح المجتمع “كأنهم يريدون تكريم هذين الكادحين الإيطاليين نيقولا ساكو وبارتولوميو فانزيتي، واللذين هاجرا إلى أميركا لينتميا إلى حزب يطالب بحقوق العمال مما أزعج السلطات الأميركية لتفبرك لهما التهمة المعروفة، تهمة قتل الصراف وحارسه وليدفعا الثمن (الإعدام) وهما جالسان بصمت وكبرياء على الكرسي الكهربائي”.

ساكو وفانزيتي حكاية لا تنسى.. إنها مثل حكة تحت الجلد.. وجع يتكرر مع كل ضربة مطرقة القضاء.

16