سالموند قائد الاستقلال المستحيل لاسكتلندا

الأحد 2014/09/21
زعيم حورب مشروعه من البنوك والشعب والقوى الخفية

اختار الشعب الاسكتلندي ألا ينفصل عن بريطانيا، وظهرت نتائج الاستفتاء لتشير إلى أن أكثر من 55 بالمئة من الشعب الاسكتلندي يريد الوحدة مع بريطانيا العظمى، بينما تجاوزت نسبة الراغبين في الاستقلال الأربعين في المئة، بعد فرز الأصوات في 32 دائرة في اسكتلندا.

هذه النتائج لم تكن هي ما يحلم به رئيس الوزراء الاسكتلندي أليكس سالموند، الذي قاد حملة الاستقلال، والذي اعترف بهزيمة مشروعه، وطالب بالمزيد من السلطات اللامركزية، بعد أن تعهد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بمنح من صوّتوا على الوحدة حقوقا إدارية إضافية، ولكن الأمر لا يقتصر على جولة استفتاء انتهت هكذا، بل إن نسبة المصوتين لصالح الاستقلال تعتبر كبيرة جدا، وإن لم تنجح في كسب هدفها من مجرد محاولة جديدة، فحين اختار نصف عدد السكان تقريباً ما لا يختاره النصف الآخر في قضية تتعلق بالهوية والدولة، فهذا يعني أن الشعب منقسم انقساماً حاداً لن يتوقف بسهولة.


سالموند الأخضر


يترأس سالموند الحزب القومي الاسكتلندي، ويقدّم على الدوام وعوده بالازدهار الاقتصادي وما يسميه بـ”الاقتصاد الأخضر”، ويعزف على وتر حساسية لندن من الانضمام التام إلى الاتحاد الأوروبي، فيطرح رغبة شعبه بأن يكون جزءاً من الاتحاد بلا شروط، وليس كما تفعل لندن فتبقى بعيدة عن اتفاقية اليورو والاتفاقيات الاقتصادية الأخرى، إضافة إلى الحدود والشنغن، ولذلك فقد حذّر معارضوه من مشروعه الذي سيعني التوقف عن استخدام الجنيه الاسترليني واستبداله باليورو، مما سيسبّب أزمة مريعة في البلاد، التي تعتمد في قسط كبير من اقتصادها على التعاملات البنكية في العاصمة أدنبرة، ولكن سالموند كان قادراً على العثور على تسوية ترضي البنوك الكبرى التي هدّدت بالانتقال إلى العمل في لندن بدلاً عن أدنبرة، فاقترح نوعاً من الوحدة النقدية الجزئية بين اسكتلندا وبريطانيا، تحت إشراف بنك إنكلترا، في محاولة منه لتبديد مخاوف الاقتصاديين الكبار.

نظرية سالموند تقول إن الاستقلال هو مفتاح الاقتصاد القوي، وهو ما يلوّح به في وجه معارضيه، وهو يقارن بلاده (المستقلة) بالدول الاسكندنافية مثل فنلندا ولكنه يقع في مشكلة مثال اليونان الذي يستعمله، فاليونان تعاني من انهيار كبير وإفلاس وهجرة لمواطنيها في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.


اسكتلندا مشكلة التاج


ثلاثمئة سنة عاشتها اسكتلندا تحت راية بريطانيا العظمى، ولكنها مع ذلك شهدت وتشهد حراكاً يقوده أليكس سالموند منذ سنوات، للتحول إلى دولة ذات سيادة كامل على أراضيها، بعدد سكان يتجاوز الملايين الخمسة، وبمساحة تصل إلى ثلث مساحة المملكة المتحدة، إضافة إلى الثروات النفطية والسمكية، اسكتلندا اليوم هي نتاج هذا كلّه، مع حراك بدأ في الستينات من القرن العشرين، حين تصاعد المطلب القومي، وبالأخص بعد اشتداد قبضة المرأة الحديدة مارغريت ثاتشر، وتنظيماتها الاقتصادية القاسية، يومها خرج الاسكتلنديون من عمال مناجم ومرافئ في مظاهرات احتجاجاً على البطالة.

نظم الاسكتلنديون أول استفتاء على الاستقلال في العام 1979، وحصلوا على جمعية وطنية محلية لإدارة شؤونهم، ثم جرى تنظيم الاستفتاء الثاني الذي حصلوا من خلاله على حكم ذاتي موسّع في قطاعات حساسة للمجتمع، ليصعد الحزب القومي الاسكتلندي في العام 2007 ويشكّل أول حكومة مستقلة في تاريخ اسكتلندا، ويعيد مجدداً طرح مطلب الاستقلال.

أطلق سالموند سراح المقرحي المتهم الوحيد المدان في قضية لوكربي مما أثار غضب الولايات المتحدة وحكومات غربية عديدة، ووصلت الأمور إلى التهديد بمقاطعة البضائع الاسكتلندية ولكن سالموند لم يكترث واعتبره أن هذا كله "مجرد هراء".


سالموند ولوكربي


كان لسالموند دور في إطلاق سراح الليبي عبدالباسط المقرحي المدان في قضية لوكربي، وعن هذا يقول سالموند: “كان لدينا سجين يعاني المرض وطبقا للقانون الاسكتلندي كان يستحق الإفراج عنه لأسباب إنسانية، كان قرارا صحيحا اتخذ بالقطع لأسباب صحيحة، لم يكن للأمر دوافع سياسية أو دوافع اقتصادية أو أي شيء من هذا القبيل ذلك قرار اتخذ طبقا لأصول العمل القضائي والقانون الاسكتلندي”، وقد أثار قراره ذاك الكثير من ردود الفعل الغاضبة في العالم، لا سيما بعد الاستقبال الحافل الذي حظي به المقرحي لدى وصوله ليبيا، ولكن سالموند أصرّ على تحمّل المسؤولية أمام اعتراض الولايات المتحدة وكثير من عواصم العالم، وصلت إلى حد التلويح باتخاذ إجراءات أميركية بمقاطعة البضائع الاسكتلندية، ولكن سالموند استهزأ بتلك التهديدات، وقال حينها: “هذا هراء، الإنترنت يطالعك كل يوم بحملات لمقاطعة كل دول العالم، هناك الكثير مما يقال في الفضاء الإلكتروني لكننا هنا نتحدث عن واقع، على الأصدقاء أن يكونوا قادرين على الاختلاف من وقت إلى آخر وهذا هو أساس أي صداقة حقيقية".


سالموند واليهود


كان لسالموند جولات مع العالم العربي والإسلامي وقضايا المشرق، ولم تكن آخر مغامراته قضية لوكربي والمقرحي، فهو يرى أن التعددية ضرورة، وأن على بلاده التي سيظل يقود مشروع استقلالها حتى بعد أن خسر أن تراعي التعايش بين المكونات، لا سيما بعد حادثة قطع رأس المواطن البريطاني ديفيد هاينز على يد داعش، ويقول سالموند إن هذا الفعل “همجية لا يمكن وصفها”، ويدافع عن الجالية من مسلمي اسكتلندا بالقول إن: “الجالية المسلمة باسكتلندا غير مسؤولة بأي شكل من الأشكال عن الفظائع والتطرف في العراق أو أي مكان آخر، إنه أمر بغاية الأهمية، فعلى سبيل المثال الجالية اليهودية في اسكتلندا لم تكن مسؤولة عن سياسات دولة إسرائيل”، مما أثار غضب اليهود في اسكتلندا وكذلك في إسرائيل، فانتقد فيفيان واينمان رئيس مجلس نواب اليهود البريطانيين تصريحات سالموند، وقال لصحيفة الجويش كرونكل: “أي محاولة لمماثلة أعمال الحكومة الإسرائيلية المنتخبة بشكل ديمقراطي للدفاع عن مواطنيها مع الإعدام الفظيع لعامل الإغاثة البريطاني على يد إرهابيين ستكون سخيفة وحقيرة بشكل واضح”، وتسببت تصريحاته في نكوص عدد كبير من اليهود الاسكتلنديين عن فكرة الاستقلال، بعد أن اعتبروا تصريحات سالموند معادية لإسرائيل، بينما برّر مالكوم ليفينغستون رئيس صندوق الجالية اليهودية بغلاسكو بأنه كان قد تم “استقبال اليهود باسكتلندا بشكل ممتاز، ولكن في الآونة الأخيرة فقط بدأت مجموعات فلسطينية متطرفة بإفساد ذلك”، وتحصي إسرائيل على سالموند أنفاسه فقد أشارت تقارير مراكز الرصد الإسرائيلية إلى أنه يوجد في اسكتلندا اليوم ومنذ العام 2011 أقل من ستة آلاف يهودي، وخلال الحرب بين حماس وإسرائيل، أصدر سالموند ثمانية تصريحات انتقد فيها نشاطات إسرائيل في غزة، و طالب بحظر السلاح عن إسرائيل احتجاجاً على مقتل المدنيين في غزة، بينما رفعت بلدية مدينة غلاسكو علم فلسطين ليوم كامل، وتزامن هذا مع أكثر من 35 عمل معادٍ للسامية وقع في اسكتلندا، في الفترة ذاتها.

يترأس سالموند الحزب القومي الاسكتلندي، ويقدم على الدوام وعوده بالازدهار الاقتصادي وما يسميه بـ "الاقتصاد الأخضر"، ويعزف على وتر حساسية لندن من الانضمام التام إلى الاتحاد الأوروبي، فيطرح رغبة شعبه بأن يكون جزءا من الاتحاد بلا شروط، ولكن هذا ليس سوى الخطوة الأولى في مشروعه الطموح


النضال الطلابي


ولد ألكسندر أندرسون سالموند في العام 1954، تطوّع والده في البحرية الملكية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، تمكن من إعالة ابنه للدراسة في مدارس أدنبرة في بداية السبعينات، والحصول على شهادة تجارية تخوّله دخول جامعة سانت أندروز لدراسة الاقتصاد وتاريخ العصور الوسطى، ليحصل على الماجستير بعد سنوات في تخصصه ذاك.

في جامعة سانت أندروز، بدأ سالموند يكتشف السياسة من خلال العمل الطلابي، الذي أوصله إلى موقع رئيس اتحاد الطلاب القوميين في العام 1973 وكانت تلك بداية طريقه إلى الحزب القومي الاسكتلندي الذي صار يعرف سالموند فيه باسم اليساري الجمهوري، ولكنه وُوجه بقسوة من قيادة الحزب، نتيجة أفكاره المتطرفة قومياً، وتم تهديده بالطرد من الحزب، ولكنه بقي وأصبح ممثلاً عن الحزب وعضواً في مجلس العموم البريطاني في العام 1987.

وبتوجهه المهني دخل سالموند بابي السياسة والبنوك، فقد دخل الإدارة الاقتصادية في الحكومة البريطانية كخبير في وزارة الزراعة والثروة السمكية في اسكتلندا، وانضم إلى البنك الملكي الاسكتلندي ليعمل لسبع سنوات، قبل أن ينتقل في بداية الثمانينات إلى حقل الاقتصاد النفطي، ليعمل كأستاذ زائر في جامعة ستراثكلايد، ويشارك في العديد من مؤتمرات النفط والطاقة، ويقوم بتأسيس شركة سالموند للاستشارات الاقتصادية والمؤشرات وهي مما تعتمده هيئة الإذاعة البريطانية في مصادرها. انتخب سالموند رئيساً للحزب القومي الاسكتلندي في العام 1990، وغادر القيادة بعد عشر سنوات، وعاد من جديد في العام 2004. وفي عام 2011 استطاع الزعيم القومي أن يكتسح أغلبية المقاعد في البرلمان الاسكتلندي، وهو الأمر الذي جعله يكسب الرهان بجعل مسألة استقلال اسكتلندا أقرب إلى الحقيقة منها إلى الحلم.


سالموند ضد الحروب


كان سالموند من القليلين الذين عارضوا الحرب على صربيا، وكذلك الحرب على العراق، في العام 2003، وقال إنه قدّم الدعم لمساءلة توني بلير ومحاكمته على قرار المشاركة مع أميركا في غزو العراق، واتهم بلير بأنه قدّم وثائق مزورة للرأي العام البريطاني ليقوم بخداعه باتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وقال إن بلير “وعد جورج بوش بالسير خلفه مهما كان الثمن".

وبذلك فقد بنى سالموند لاسكتلندا علاقات متميزة مع العالم العربي، وفتح من خلال الاقتصاد والتبادل التجاري والاستثمارات الكثير من روافد تمكين تلك العلاقات، يقول: “تمكنا عبر السنوات القليلة الماضية من استقطاب استثمارات مباشرة مهمة من الشرق الأوسط، حكومة دبي افتتحت فندقا فخما في اسكوتلندا وهو تحفة معمارية مثيرة، و لدينا أيضا شركات مشهورة مثل شركة هايلاند سبرينغز وهي استثمار خليجي مباشر في اسكوتلندا، لدينا مشاريع في الطاقة وطائفة من المشاريع الهندسية المفيدة والجيدة عبر منطقة ودول الشرق الأوسط، وعلاقاتنا قوية جداً”.


الطموح الخطر على أوروبا


لدى سالموند من خلال مشروع الاستقلال الذي يواجه التعثر كل مرة، خطط طموحة، لا يخفيها، ولعلّ هذا كان أبرز أسباب وقوف كثير من القوى ضد مشروعه الانفصالي، فهو يرى أن بإمكانه خلق معجزة اسكتلندية في العالم فيقول: “يمكننا تحقيق قفزة كبيرة من خلال تطوير اقتصادنا ومواردنا الطبيعية ومن حيث الإسهام في القضايا الدولية، فلدينا تشريعات رائدة على مستوى العالم حول التغيرات المناخية أردنا شرحها للعالم خلال قمة كوبنهاغن (على سبيل المثال) لكن لم يسمح لنا بذلك وهو أمر مضحك ومع ذلك يسمح للدول المستقلة، كدولة مستقلة بالإمكان المساهمة في تأمين احتياجات أوروبا من الطاقة من خلال تطوير البدائل الهائلة القابعة في المياه الاسكتلندية، ربع احتياجات أوروبا من الكهرباء يمكن توفيرها من مياه اسكوتلندا، كما نريد مساعدة المجتمع الدولي في تخليص بلدنا من أسلحة الدمار الشامل، وأنا أتفق مع الحكومة البريطانية ومع الحكومة الأميركية على أنه يتعين على بلدنا ألا يطور أسلحة دمار شامل وأعتقد أن ذلك يمثل تبذيرا خطيرا للموارد وخطرا على البشرية، في اسكوتلندا لدينا أكبر مخزون للأسلحة النووية في أوروبا الغربية ونريد التخلص مه، نريد أن تكون لدينا القدرة على التعبير عن موقفنا كشعب بألا مكان في المجتمع الاسكتلندي للأسلحة النووية، وحق تقرير المصير أو استقلال بلدنا سيمكننا من القيام بذلك بصورة أفضل".

لهذا كان انفصال اسكتلندا قراراً أكبر من سالموند ومن اسكتلندا ذاتها، فالطموح بابتلاع أوروبا لن يمرّ بسهولة، ولكنه ما زال بيد نصف الشعب الاسكتلندي إلا قليلاً.

7