سالم الدباغ الفنان الذي وصل بالرسم إلى خلاصاته الجمالية

ثراء عالم الدباغ يقيم في زهده وتقشفه واكتفائه وعزلته، رسوم مترفة من غرور بذخ شكلي وأناقة تذهب إلى أصلها من غير بهرجة أو تزيين.
الأحد 2018/10/21
صاحب المربع الاستفهامي

لو سُئلت مَن هو الرسام العربي الذي وصل بالتجريد إلى أقصى مراحل نقائه وصفائه لأجبت من غير تردد “إنه العراقي سالم الدباغ”.

منذ أكثر من خمسين سنة والدباغ يتعامل مع لوحته كونها سطحا يصنع ذاته بذاته، من غير أن يستعين بأي عنصر قادم من خارجها. ليست لديه مصادر إلهام تقع خارج الرسم.

الرسم بعناصره المحدودة كان ملهمه، غير أنه في كل لحظة رسم كان يقدم مشهدا نضرا لم يُرسم من قبل. لم يقع في فخ اللوحة الواحدة ولم يكرر ما فعله. كان ولا يزال يتجدد كما لو أنه يستمد طاقته على التجدد من ينابيع خفية لا تجف. لا يزال كل ما يرسمه طريا، لينا، طازجا ومنعشا للبصر. كل لوحة منه هي بمثابة جزيرة مكتفية بطاقتها الداخلية.

لا تعيدنا لوحات الدباغ إلى الحياة أو الطبيعة بل تهبنا بكرم حياة وطبيعة تقيمان في عالم مجاور لعالمنا. إنه عالم الجمال الخالص. ذلك العالم الذي يمحو بنفسه الفائض منه، إذا كان ذلك الفائض موجودا أصلا.

الرسم هو شيء آخر

ثراء عالم الدباغ يقيم في زهده وتقشفه واكتفائه وعزلته. رسوم مترفة من غرور بذخ شكلي وأناقة تذهب إلى أصلها من غير بهرجة أو تزيين.

لقد توصل الدباغ في سن مبكرة من حياته إلى معادلة لا يصل إليها الآخرون إلا في نهاية أعمارهم. القليل الذي يمسك بالخيط الذي يقود إلى جوهر الجمال. لقد رسم بقوة ذلك القليل القابض على الحقيقة.

Thumbnail

وإذا ما كان الدباغ قد تعلم الرسم باعتباره حفارا فإن تلك الصفة قد ساعدته على التفكير في ما ينطوي عليه عالم الرسم من لذائذ داخلية، لا علاقة لها بما يصوره أو يقتبسه من مفردات الطبيعة.

ولأن الرسام الحقيقي يعرف أن هناك رساما آخر يقيم في داخله فقد ترك الحرية لذلك الرسام يفعل ما يشاء. فكانت لذلك الرسام ذاكرته التي يحركها ليحصل على المزيد من نعم الجمال. كان المربع مفتاح تلك الذاكرة. لقد عُرف سالم الدباغ بمربعه الذي يحضر في كل لوحة بشكل مختلف، ذلك لأنه لا يُضاف بل ينبعث من السطح باعتباره وعدا بالمكان. هل كان الدباغ يفكر في البيت أكثر من أي شيء آخر؟

ولد الدباغ في الموصل عام 1941. ما بين عامي 1958 و1965 درس الرسم في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. في سنة تخرجه شارك في المعرض الأول لجماعة المجددين التي كان عضوا مؤسسا فيها وشارك في معارضها اللاحقة. عام 1966 حصل على دبلوم شرف من معرض لايبزغ الدولي لفن الحفر الطباعي.

ما بين عامي 1967 و1970 حصل على زمالة دراسية من مؤسسة كولبنكيان لدراسة فن الحفر الطباعي في لشبونة. أقام معرضه الشخصي الأول خارج العراق في غاليري “سلطان” بالكويت وذلك في عام 1972. ما بين عامي 1971 و2000 قام بتدريس مادة الحفر الطباعي في معهد الفنون الجميلة.

عالم قليل المفردات

بالرغم من غزارته في الإنتاج الفني فإن الدباغ أقام عددا قليلا من المعارض الشخصية مقارنة بحضوره اللافت من خلال المعارض المشتركة والملتقيات الدورية التي تقام لفن الحفر الطباعي في مختلف مدن العالم بدءا من عام 1968، حيث أقام معرضا مشتركا مع فنانين عراقيين في لشبونة. ومن ثم عرض رسومه في بينالي لوبليانا بيوغسلافيا السابقة وبينالي ليتش ببلجيكا وبينالي بوينس أيرس بالأرجنتين وسواها من اللقاءات الفنية التي كان معظمها خاصا بفن الحفر الطباعي “غرافيك”.

ومن يتأمل لوحات الدباغ لا بد أن يدرك أي أثر عظيم تركه فن الحفر الطباعي على طريقة معالجة الفنان لعناصره الفنية. فالدباغ الذي شغف بالأسود والأبيض “الأسود لي وللآخرين الأبيض”، كما يقول.

Thumbnail

يستخرج عالمه الذي يبدو قليل المفردات من أعماق السطح ليهبنا مشاهد لا تقع عليها العين مباشرة بل تضطر للخضوع إلى إيحائها. وهو إيحاء ماكر تتغير تجلياته بين وقت وآخر. لذلك يهتم المتلقي بما لا يراه أكثر من اهتمامه بما يظهر على سطح اللوحة. وهنا بالضبط تكمن فكرة الدباغ عن وظيفة الرسم. إنه ينتزعنا من الواقع ليلقي بنا في خضم حقائق جمالية غير متاحة.

هناك تناقض واضح بين سكونية السطح وما يتفاعل تحته من أحداث. صمت يسبق صخبا كان مُعدا سلفا.

لحظة تختزل تاريخا جماليا

غادر الدباغ إلى دمشق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 وعاش هناك لسنوات. ثم عاد إلى بغداد ليغادرها إلى عمان قبل سنوات ومن ثم انتقل للعيش في الولايات المتحدة.

تاريخيا يمكن اعتبار سالم الدباغ رائدا للفن التجريدي في العراق. هو صاحب أول لوحة تجريدية عرضت في العراق عام 1965. لم يسبقه أحد من فناني جيله أو الجيل الذي سبقه إلى التجريد. كانت المغامرة الفنية يومها لا تخرج عن نطاق محاولة التحرر من قواعد وشروط الحداثة الفنية التي انطلقت نهاية أربعينات القرن الماضي وتجلت في أوضح صورها في الخمسينات.

ما فعله الدباغ أنه تبنى وحده القيام بمغامرة، تقع خارج سياق ما كان معتمدا باعتباره خروجا على الحداثة السابقة. ففي الوقت الذي كان فيه رسامون آخرون منهمكين في تفكيك ثنائية التراث والمعاصرة ألقى الدباغ خطوة جريئة على حافات المعاصرة العالمية حين طرح علنا مفهوم الرسم الخالص. وهو ما سيتأخر الكثيرون عن فهمة لأكثر من عقد من الزمن. حيث شهد عام 1975 تحولا واضحا نحو التجريد.

Thumbnail

تميز الدباغ منذ بداياته بنزعته الثورية المتحررة. وهو ما دفعه إلى قطع صلته بما كان يُطرح من أفكار في شأن مسألة استلهام التراث أو المواءمة بينه وبين المعاصرة. اللافت في تجارب الدباغ التجريدية الأولى أنها ظهرت ناضجة، ولم تكن مجرد محاولات بدائية. وهو ما يؤكد أن الرسام الذي امتلك مهارة كبيرة في مجال الحرفة التقليدية كان قد اطلع على الأساليب التجريدية العالمية بعمق وحين قرر أن يمضي قدما في تجربة التجريد الصافي فلم يكن ذلك القرار إلا انعكاسا لرفضه في أن يفصل بين الرسم والطبيعة، وهو ما يعني انحيازه الكامل للجمال الذي يصدر عن الرسم. 

“ما الذي يعنيه لك ذلك المربع؟” أعتقد أنه سؤال مسل لطالما واجهه سالم الدباغ بشيء من عدم الاكتراث، بالرغم من أنه يكون أحيانا جادا في تأويلاته التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، غير أنها ترضي الآخرين وتنهي إصرارهم على الحصول على جواب مقنع.

لقد قُيض لي أن أرى الدباغ وهو يرسم. حدث ذلك في الدوحة عام 2000. ولأن الدباغ لا يخشى الرسم أمام الآخرين فإن حضور الآخرين بشرط أن يصمتوا لن يقطع الطريق أمام خيال يده. الرسم بالنسبة للدباغ ممارسة جسدية. إنه رسام حركي. تتبع عينه خيال يده. وحين ينفصل عن اللوحة تستعيد عينه خيالها.

ذلك المربع الذي كان دائما موضع استفهام يولد من تلقاء نفسه. إنه ينبعث من أعماق السطح. لا يُرسم باعتباره مفردة مستقلة. ليس هناك ما هو جاهز ليُرسم. ما يظهر على سطوح لوحات الدباغ هو وليد لحظة الرسم. وهي لحظة تختزل تاريخا من الكشف الجمالي. 

الدباغ يرسم مدفوعا بقوة ذلك التاريخ الذي هو ملكه الشخصي. يمكنه من خلال لوحته أن يروي لنا حكايات عن عالم لم يسبق لنا التعرف عليه. إنه ذلك العالم الذي يقيم بين دفتي كتاب لن يكتبه أحد. إنه كتاب الرسم.

9