سالم العوكلي: أسئلة المثقف وقضايا الثقافة العربية لم تتغير

الأحد 2017/09/10
لوحة للفنان حسين بيكار

سالم العوكلي (1960)، شاعر ليبي لديه تجربة روائية واحدة هي “اللحية” فيها طرح سؤاله هل الخلاص الإنساني رهنٌ في مدى تهميش الجسد؟ في نص العوكلي الشعري إصرار على شحن مفرداته بقيم جمالية وإنسانية، ينتمي شعره للسرد لكنه ينسب ذلك للمراحل الأولى من الكتابة الشعرية وفي “لالي” قريته البعيدة بدأت علاقته الوطيدة بالشعر.

متفائل بمستقبل الشعر الليبي رغم عبثية الفوضى. انشغل في الفترة الأخيرة بكتابة المقالات الراصدة للحالة الليبية الراهنة، موضحاً أنه منذ بداية علاقته مع الكتابة لم يتوقّف عن كتابة أرائه حول ما يحدث في هذا المكان الذي شاء القدر أن يكون وطننا الذي يعني شأنه كل تفاصيل حياتنا، من الحصول الآمن على الخبز إلى سؤال الحرية، حيث قال “لم تتغير أسئلة كتاباتنا حتى بعد هذا الزلزال الذي حصل في فبراير وعاشته المنطقة برمتها، لأن أسئلة الحقوق الإنسانية والحريات مازالت لم تتغير، بل تكثّفت بشكل كبير بعد زوال الأنظمة، لأن المسألة اجتماعية أكثر منها سياسية، وما السياسة المتعثرة إلا تمظهر طبيعي للتخلف الاجتماعي. هذا التخلف الذي مازال يعيد إنتاج فاشياته المختلفة بأشكال أخرى، ومازال في مرحلة بعيدة عمّا قبل الحداثة. الحداثة التي في قلبها تربت قيم الديمقراطية بكل ما يتبعها من حقوق وعدالة اجتماعية وغيرها من تلك القيم التي مازالت في منطقة الشعارات لأنها لم تكن بعد ضمن تكوين العقل الاجتماعي الذي مازال يمارس الطغيان في أصغر دوائره”.

وأضاف “كان لا بد لهذا المخاض أن يحدث في منطقة عاشت دهرا من الرتابة في كل شيء، وإدارة هذا المخاض رهن بالعقل المصلحي الذي لا بد أن يدرك يوما أن التعايش وفق ميثاق أخلاقي سبيله الوحيد لاستمرار الحياة والسعادة، فالمصالح الآن قد تكمن في هذه الفوضى التي يديرها المستفيدون منها ولكن مصالح الأغلبية في أن يكونوا جزءا من هذا العالم الذي يحث خطاه قدما ستجعلهم يلتفتون إلى موقع أقدامهم، وأيّ عزلة سياسية أو اجتماعية تعني الموت البطيء أو الخروج من عربة التاريخ، قد يكون الوعي متأخرا لكن المصالح لها دور في تحقيق الاستقرار الذي سيكون مرحلة مهمة لتنمية الوعي بأن هذه القرية الكونية ستلفظ خارجها كل نشاز يحاول أن يكرّس التخلّف والقمع والفقر تحت شعارات مثل الخصوصية أو السيادة الوطنية التي طالما تغنّى بها الطغاة لينفردوا برعاياهم بعيدا عن الضمير الإنساني.

الجغرافيا والشعر

“لالي” المكان الذي ولد فيه الشاعر سالم العوكلي وبدأت فيه علاقته بالشعر الشفاهي.. فهل أثرت هذه المرحلة على تجربة العوكلي الشعرية؟

حول ذلك كان رده “لالي كانت مكانا أكثر من كونها عمرانا، هي مجتمع زراعي صغير نشأ في واد خصيب على ضفاف عيون ماء، كان التراب وسيلته الوحيدة للاستمرار في الحياة، لا أذكر من لالي سوى الولادة فيها وبعض الخيالات الطفولية المبكرة، لكن الخلاء والغابة هي جوهر ذلك المكان الذي تعرفت فيه على الكائنات الشعرية من حولي، وفيما بعد كان ولعي بالشعر الشعبي مَشْغلا مهما للتداول مع جماليات المكان ومع حكاياته خرافاته، وربما هذا الولع هو الذي وسم المرحلة الأولى بما أسميته ظاهرة السرد في القصيدة، لأن الحكاية كانت هي متنفّس هذا المجتمع الذي يعيش في مواجهة الخلاء، وهي طريقته في التعبير عن أحلامه ومخاوفه وأوقات المرح المسروقة من حياة يشكّل فيها انتظار المواسم والصراع مع المكان والاحتكاك المباشر بالطبيعة مصدر الإلهام الكبير”.

الشاعر سالم العوكلي يقول إنه لم يتوقف عن كتابة الشعر لكنه توقف عن نشره، وبرر ذلك لإيمانه أن الشعر لا يجب أن ينشر إلا في كتب شعرية.

سالم العوكلي يتفق مع الروائي ميلان كونديرا في تعريفه للرواية والذي مفاده، هي التي يجب أن تقول ما لا يمكن أن يقال بغير الرواية. بمعنى؛ أي موضوع أو ثيمة من الممكن أن نكتب عنها عبر التأريخ أو الفكر أو الفلسفة أو الصحافة فلا حاجة لأن نشغل الرواية بها، بل إن الرواية تخفق إذا خضعت لمثل هذه المهام

وتابع قائلا “نعم أنا مقلّ في كتابة الشعر مقارنة بالفترة السابقة وهو أمر ناتج عن مراجعة التجربة. حين دعيت منذ ثلاث سنوات لأمسية شعرية في بنغازي لم تكن لديّ رغبة إطلاقا في أن ألقي أو أسمع شعرا، وقررت أن أكتب اعتذاراً في نصف صفحة وأرسله للقائمين على الأمسية، لكني اكتشفت أن الاعتذار استغرق أكثر من عشر صفحات، وهو النص الذي اعتبرته بيانا شعريا ونشرته في موقع “كيكا” تحت عنوان “انبطاح الشعر في أرض الرصاص” وعبره أعيد قراءة التجربة الذاتية في كتابة الشعر وتجربة المكان الجمعية، وأرصد تلك الأوهام الكبيرة التي عشناها في ظل القصيدة الحالمة التي لم تقرأ واقعها ولا أسئلة اللحظة جيدا. كان قدر كبير من الشعر الليبي في العقود الماضية مهجوسا بسؤال الحرية والوطن وهي أسئلة فنّ عظيمة في كل مكان وكل زمان، لكن التشخيص الشعري للمرحلة كان ملتبسا، أو بالأحرى خاطئا، لأننا اختزلنا الأزمة في مصادفة تاريخية وأحيانا في شخص واحد، وهذا ما حاولت استكناهه في هذا البيان الشعري”.

البيان الشعري جاء هكذا “كنتُ، أو كنا، العديد من الشعراء الموقنين من جدوى الشعر، نعتقد أن ليبيا محض غزالة شردت وتاهت في أحراش لا تَخبرها، وإنّ ما يحدث استثنائي وغير وارد وفق منطق الكلمات المنتخبة والمرتّبة بعناية، وإن هذا الوطن الطفل، الطيّب حد الدروشة، اختُطِف حينما كان عائدا إلى بيته من حصة التاريخ في نهاية يوم مدرسي، وإنّ من اختطفه لا يمتّ بصلة له أو لنا، وإنّ عودته ممكنة بالمزيد من أدعية الحبر المؤمن بعدالة السماء والأرض. كنا ورعين حدّ التصوف، وواثقين بحكمة التاريخ ونزاهة محكمته، وإنّ كل ذلك سيكون جزءا مهملا في أرشيفه الذي أقنعنا بالنهايات السعيدة لكل حكاية. لذلك كان نشيد شعرائنا أو معظمهم أو قلة منهم -ممن يثقون ببوصلة الحبر التي ستعيد الغزالة الشاردة- الحريةَ، هكذا دون تفحّصها، والإنسانَ، هكذا مجرداً، وكأن الإنسان فقط هو الضحية، ناسين أو متناسين مفارقة المصير العابثة التي كم جعلت من الضحايا جلادين”.

أشار العوكلي أنه متفائل بمستقبل الشعر الليبي في زمن الحرب الدائرة في ليبيا، وأضاف “مثلما أرى للشعر الليبي راهنا فلا بد أن يكون له مستقبل، كتابة الشعر في اللحظة الراهنة زاخرة بنصوص مهمة وتجارب تثابر بحيوية مع ظهور أسماء جديدة مبشرة. وتعوّض مواقع التواصل الاجتماعي انحسار الصحافة الأدبية أو الملحقات الثقافية للصحف في هذه الفترة كما تعوّض أنشطة الشعر المباشرة عبر المهرجانات والندوات والأمسيات التي كانت تقام في مدن مختلفة. أصبح هذا الفضاء الافتراضي متنفّسا يعوّض هذا النقص وأتاح المجال لأصوات جديدة كي تعلن عن نفسها. لن أذكر أسماء فهي كثيرة ولكن -على سبيل المثال- مثابرة شعراء مثل عاشور الطويبي وسميرة البوزيدي في كتابة غزيرة لشعر نوعي يؤكد أن للشعر في ليبيا مستقبلا مثلما له ماض وراهن. سئل أراغون لماذا توقفت عن الكتابة أثناء الحرب؟ فقال ‘لأن الكتابة مع أو ضد الحرب هي دعاية لها’. الفارق أن ما عاشه أراغون حرب كارثية لكنها حرب”.

ما يلاحظ على شعر سالم العوكلي أنه يتسم بالسرد بشكل عالٍ. وأوضح ذلك بالقول “قد ينطبق هذا التوصيف على المرحلة الأولى من التجربة الشعرية، كانت فيها العودة إلى منجم الطفولة وحكايا المكان وجمالياته رؤية شعرية لتفحص تكوين الذات وعلاقاتها بالمحيط. تأويل الوقائع واستدراج الصور الشعرية إلى النص ربما جعله ينحو تجاه السرد، لكن ما كنت أنحو إليه هو تعدّد الأصوات داخل النص تحاشيا لهيمنة الصوت الواحد أو المونولج، والابتعاد بالنص عن محاكاة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تهيمن عليه نزعة من الأبوية. غير أن المراحل اللاحقة بدأت أجرّب فيها كتابة النص المختزل وغالبا الومضة الشعرية دون أن أتخلى عن تقنية تعدد الأصوات التي أعتبرها إحدى الخطابات الشكلية المناسبة للقصيدة التي تسعى لتجاوز حالة التماهي مع الواقع. لست أرى التطوير في شكل النص في مجال الأوزان والقافية فقط ولكن في صميم العلاقات المعرفية والجمالية داخل القصيدة التي ترتهن للحوار أكثر من هيمنة الصوت الواحد، صوت الشاعر الموقن من كل شيء”.

بنات الغابة

سيرة ذاتية

يقول سالم العوكلي “بشكل أو بآخر كل ما يكتب من أدب ومن سرد خصوصا ينطلق من سيرة ذاتية، سواء كانت سيرة حياة أو سيرة ثقافة، وسواء استخدم السارد ضمير المتكلم أو ضمير الغائب فإن سيرته موجودة غالبا داخل العمل الروائي. ثمة سير ذاتية كتبت بتقنية الرواية لدرجة أنها انضمت إلى حقل الرواية، مثل سيرة إدوارد سعيد ‘خارج المكان’ وثمة روايات كتبت معتمدة على السيرة، سواء أكانت سيرة شخصية أو مكانا أو تاريخا، لكنها فشلت في أن تكون رواية ونجحت في أن تكون مدونة توثيقية، وفي جميع الأحوال نكسب من كل كتابة تجربة إنسان مرّ بهذه الأرض وترك أثره”.

وتابع “لم أتقصّد في كتاب ‘بنات الغابة’ أن أكتب رواية، ولم أجنّسه كرواية، وكان ثمة عنوان جانبي للكتاب هو ‘سيرة النص والجسد’ وهو نص مفتوح استخدمت فيه الشعر والقص وكتابة المقالة النقدية، وكلها تضافرت من أجل تعميق ثيمة الكتاب الرئيسية المتعلقة بالجسد وعلاقته البيولوجية بمحيطه الطبيعي معتمدا على تتبع سيرتي الشخصية وسيرة النص الذي أنتجته علاقات المكان. حين أعادت دار المدى نشر الكتاب صنّفته كـ’رواية’ وإذا صحّ هذا فمن الممكن أن تقع في إطار الرواية التجريبية التي تعتمد تقنيات مختلفة عن الرواية التقليدية. لكن في جميع الأحوال لم يعنيني هذا التجنيس لأني أردت إطلاق سراح أفكاري المستلهمة من سيرتي في المكان مع ملاحقة سؤال الجسد الإيروتيكي الذي مازال مربكا للفهم الاجتماعي أو الديني أو حتى السياسي لمسألة الجسد الذي يتم محوه طقوسيا عبر هذه التابوهات التي مازالت تنظر له كوعاء نجاسة أو كعار اجتماعي أو كسلعة قابلة للتسويق والتسييس. المشكلة أن طرح الأسئلة الإيروتيكية وأزمة الجسد ارتبط لدينا بالمجتمعات الغربية المنحلّة وكأننا نتكاثر بالانقسام.

يتّفق سالم العوكلي مع الروائي ميلان كونديرا في تعريفه للرواية والذي مفاده، هي التي يجب أن تقول ما لا يمكن أن يقال بغير الرواية. بمعنى؛ أيّ موضوع أو ثيمة من الممكن أن نكتب عنها عبر التأريخ أو الفكر أو الفلسفة أو الصحافة فلا حاجة لأن نشغل الرواية بها، بل إن الرواية تخفق إذا خضعت لمثل هذه المهام. نعم كثيرا ما أطّلع على روايات تعيد إنتاج الأحداث التاريخية أو تتبّع الوقائع السياسية بلغة الصحافة، أو تستخدم صراع شخصيات بشكل أفقي وسطحي لتتحول إلى مجرد حكاية طويلة، لكن مثل هذه الأعمال السردية حسب رؤيتي لا تمتّ للرواية بصلة سوى بكونها مكتوبا على غلافها “رواية”. الرواية اكتشاف لعوالم جديدة مجهولة أو ما يسمى بالبحث في ثيمات إنسانية عميقة ومشتركة وهي في المجمل تعكس حالة استجواب روائي لهذه الثيمات دون أن تلقي أحكاما لأنه كما يقول كونديرا مرة أخرى “أخلاقية الرواية الوحيدة هي المعرفة”، لذلك حين يكتب تاريخ الرواية الأوربية فإنه يرصد تاريخ الاكتشافات المعرفية لهذه الرواية.

وأشار العوكلي إلى أن لا تجربة روائية لديه، فقد سبق وأن ذكر أنه لم يقصد أثناء كتابته لكتاب “بنات الغابة” أن يكتب رواية، وبعده بسنوات كتب رواية “اللحية” التي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت، وفيها حاول أن يتتبع ثيمة “الشبهة الإنسانية” عبر مزج بين السيرة الذاتية ووقائع من المكان ومن المخيلة، وهي منطلقة من فكرة مفزعة تقول إن الإنسان أينما حلّ فهو موقع شبه حتى يثبت غير ذلك، والأكثر رعبا أن ما أصبح يثبت خلونا من الشبهة عادة أجهزة إلكترونية صماء مثلما في أقواس التفتيش أو أجهزة بصمة العين أو غيرها.

وأضاف “لذلك فهي محاولة لكتابة رواية تفكر أثناء رصدها للوقائع، وتكتظ بمقاطع كتبت بشعرية مستفيدة من تجربتي في كتابة الشعر، والشعرية بمفهومها الحديث مساحة واسعة تشمل النثر بكل صنوفه لذلك فالقطيعة مع الشعر غير ممكنة، والروائي ماركيز يقول ‘الرواية حالة زواج شرعي بين النثر والشعر’. وهو كتب روايته ‘مئة عام من العزلة’ بلغة شعرية وكأنها قصيدة ملحمية لكن الترجمة غالبا ما تغيّب مثل هذه التقنية التي عرفتها من خلال نقاد كتبوا عنها”.

كاتبة من ليبيا

15