سالم جحا ثائر يغرد خارج سرب مصراتة الإسلامية

عسكري ينحدر من مدينة مصراتة يرفض الحرب والتطرف ويحلم بليبيا مدنية.
الأحد 2019/04/14
الجنرال الوردي

لم يكن مفاجئا غياب الفريق ركن سالم جحا عن العمليات العسكرية التي تقودها حكومة الوفاق ضد تقدم الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر نحو طرابلس. فالرجل الذي يلقب بـ”الجنرال الوردي” اختار الابتعاد عن الاقتتال رغم أنه يتبع حاليا المجلس الرئاسي الذي عينه مؤخرا نائب رئيس الأركان العامة.

أعطت موافقة جحا على التعيين أمالا لليبيين بقرب حل الأزمة وإنهاء الانقسام، مستندين في ذلك على تهربه طيلة السنوات الماضية من تولي مناصب ومسؤوليات قد تزج به في الصراع الدامي.

وطيلة السنوات الماضية، جرى تداول اسم جحا كرئيس للأركان العامة مرارا ليخرج في كل مرة ويعلن رفضه لأي تعيين قبل توحيد الجيش. كما اعتذر عن تعيينه عضوا في غرفة عمليات تحرير سرت في عام 2016.

وتعززت تلك الآمال بتصريحات لمسؤولين ليبيين وأمميين تؤكد اقتراب الأطراف المتصارعة من التوصل إلى صيغة اتفاق تنهي سنوات من الاقتتال الأهلي، تحت عناوين مختلفة.

خطاب عقلاني

زحف الجيش في اتجاه طرابلس مع إصرار الإسلاميين على عرقلة الانتخابات وخاصة الرئاسية، يؤكد عدم واقعية رؤية جحا للحل
زحف الجيش في اتجاه طرابلس مع إصرار الإسلاميين على عرقلة الانتخابات وخاصة الرئاسية، يؤكد عدم واقعية رؤية جحا للحل

اتفق رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج والمشير خليفة حفتر في نهاية فبراير الماضي بأبوظبي، على إنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات عامة حسبما تم الإعلان عنه، وسط أنباء عن اتفاقات أخرى تشمل دخول الجيش سلميا إلى طرابلس لتأمين العملية الانتخابية، ويبدو أن السراج تراجع عنها بعدما عاد إلى العاصمة الواقعة فعليا تحت سيطرة الإسلاميين الذين يرفضون الانتخابات، ما دفع حفتر إلى اللجوء إلى القوة.

ظل كرسي جحا في الاجتماعات التي عقدها السراج طيلة الأيام الماضية، مع رجاله من العسكريين لبحث سبل التصدي لتقدم حفتر نحو العاصمة، فارغا، ما يعكس نأيه بنفسه عن هذه الحرب.

أكثر ما يلفت الانتباه في حديث جحا ابن المؤسسة العسكرية النظامية خطابه العقلاني الهادئ، حيث يرسم صورة جديدة ومختلفة تماما عن صورة العسكري التقليدي المعروف بالاندفاع والنزوع نحو العنف. يميل جحا منذ بدء الانقسام في 2014 إلى الابتعاد عن الظهور الإعلامي أو الإدلاء بتصريحات، وإن حصل فإنه يوجه خطابه في اتجاه المصالحة وتوحيد مؤسسات الدولة.

هذا العسكري الليبي ما زال يتمتع بلياقة بدنية عالية، رغم اقترابه من إتمام عقده الخامس، نجح بفضل انحيازه لإنسانيته، قبل الوطن، في كسب شعبية واسعة لدى جميع الليبيين بمختلف توجهاتهم، باستثناء المتطرفين منهم، سواء الإسلاميين أو أنصار القذافي.

يجد جحا اليوم نفسه في موقف صعب أمام زحف حفتر نحو طرابلس، ولاسيما مع انضمام مجموعات مسلحة متطرفة إلى جانب قوات حكومة الوفاق للتصدي لتقدم الجيش. وكان جحا قد أكد عقب أيام من تعيينه نائبا لرئيس الأركان “أنهم لن يطلقوا رصاصة واحدة ضد أي جندي من القيادة العامة”.

يواجه تغوّل الإسلاميين

يتحدر سالم جحا من مدينة مصراتة التي ولد فيها سنة 1960 وتخرج من الكلية الحربية في طرابلس عام 1981 حيث تدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق ركن. وهو ينتمي إلى أسرة السويحلي العريقة، التي عرفت بتاريخها في الجهاد الليبي، فكان منها المجاهد رمضان السويحلي، مؤسس الجمهورية الطرابلسية سنة 1918 بغرب ليبيا.

عندما اندلعت أحداث 17 فبراير في 2011 كان جحا آمرا لأحد المعسكرات في مدينة مصراتة، وكان من أوائل الضباط الذين التحقوا بـ”الثورة” وانشقوا على نظام القذافي وذلك في الثاني والعشرين من فبراير عام 2011.

 اختير جحا حينئذ قائدا لثوار مصراتة وشارك في كافة المعارك التي اندلعت منذ ذلك التاريخ وحتى تحرير مدينة سرت ومقتل القذافي. سخّر حينئذ كل الفنون الحربية التي يعرفها، في قيادته لشباب مصراتة وهم يصدون القوات الموالية للنظام، لكنه كان أول من توجس من سلاح الثوار وأدرك باكرا أن هؤلاء قد يتحولون إلى ميليشيات.

الليبيون يتهمون مصراتة بالسعي للهيمنة على البلاد مستفيدة من كونها قادت حرب الإطاحة بالقذافي. وكثيرا ما اشتكى الجيش الليبي من إرسال المدينة لجرافات محملة بالسلاح والمقاتلين دعما للإرهابيين في مدينة بنغازي أثناء معارك تحريرها

قال عقب سيطرة قواته على مصراتة “إن من يتوجسون خيفة من سلاح الثوار الذين خرجوا وقالوا لا للطاغية، يجب أن يطمئنوا، إن هؤلاء الشباب لا مطامح لهم، وسيندمجون في الجسد المدني بعد انتهاء التحرير، وعلى الساسة ألّا يستغلوا جهود هؤلاء الشباب”.

وأضاف “قلت لرفاقي من الثوار من زملاء نادي السويحلي (نادي كرة قدم): وصيتي إن مت؛ نرجع بعد النصر إلى مقرنا الرئيسي، أي إلى نشاطنا الأول كأعضاء في النادي، بعيدا عن السلاح والمناصب وغيرها”.

عقب إسقاط النظام، حدث كل ما تخوف منه جحا، فهيمن الإسلاميون على كامل ليبيا، وخاصة مدينة مصراتة التي باتت الآن ذات ثقل عسكري كبير، حيث يقدر عدد الميليشيات فيها بالمئات. كان أول من تصدى لتغول الإسلاميين عندما كان رئيسا لاتحاد الثوار في مدينة مصراتة، حيث رفض قرار المؤتمر الوطني (البرلمان) بتكليف القوة الثالثة في مصراتة التي يقودها الميليشيوي صلاح بادي، بالهجوم على مدينة بني وليد التي ظلت مؤيدة لنظام القذافي حتى سقوطه، وما زالت إلى اليوم.

جهوده لتوحيد القوات

جحا ابن المؤسسة العسكرية النظامية يتميز بخطابه العقلاني الهادئ، حيث يرسم صورة جديدة ومختلفة تماما عن صورة العسكري التقليدي المعروف بالاندفاع والنزوع نحو العنف
جحا ابن المؤسسة العسكرية النظامية يتميز بخطابه العقلاني الهادئ، حيث يرسم صورة جديدة ومختلفة تماما عن صورة العسكري التقليدي المعروف بالاندفاع والنزوع نحو العنف

ويتهم الليبيون مصراتة بالسعي للهيمنة على البلاد مستفيدة من كونها قادت حرب الإطاحة بالقذافي. وكثيرا ما اشتكى الجيش الليبي من إرسال المدينة لجرافات محملة بالسلاح والمقاتلين دعما للإرهابيين في مدينة بنغازي أثناء معارك تحريرها.

كان جحا من القلائل وتقريبا الوجه الوحيد الذي غرد خارج سرب مصراتة الإسلامية فرفض عملية فجر ليبيا، التي قادتها كتائب المدينة ضد وحدات عسكرية موالية للشرعية كانت تسيطر على العاصمة، وتحديدا في مطار طرابلس الدولي. دفع ثمن تلك المواقف ترهيبا وتهديدا من قبل المتطرفين الذين اتهموه بـ”خيانة الثورة” خاصة بعدما عين ملحقا عسكريا في سفارة ليبيا لدى الإمارات.

يقول عنه الكاتب الصحافي الليبي محمد عمر بعيو في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك إنه “يكاد يكون الوحيد أو مع قلةٍ قليلة من أبناء مصراتة المعروفين للإعلام وللرأي العام الذين لا خلاف حولهم في كل الوطن”.

ويضيف “رفض سالم جحا سنة 2011 أن يتولى وظيفة رئيس الأركان التي اختاره لها آنذاك المجلس الانتقالي رغم ضغوط الثوار ومطالبات أصحاب المصالح والغايات، ورضا قـطـر التي كانت حينئذ عبر ضباطها ومخابراتها وبواسطة أتباعها وعملائها الحاكم الحقيقي في طرابلس”.

هذا الرفض لتيار الإسلام السياسي لا يعني قبوله المطلق بالمشروع المقابل الذي يقوده المشير خليفة حفتر، حيث تعكس تحركاته مخاوف حقيقية من إمكانية إرجاع ليبيا إلى حكم عسكري ينهي آمال الليبيين بإرساء دولة ديمقراطية مدنية.

قاد جحا فريق المنطقة الغربية في مفاوضات توحيد المؤسسة العسكرية التي رعتها القاهرة على مدى أكثر من سنة، وكان يحدوه الأمل بإمكانية جمع شتات العسكريين مجددا تحت مؤسسة موحدة. لكن تلك المفاوضات توقفت رغم قطعها أشواطا مهمة في اتجاه الهدف، بعدما رفض حفتر الانضواء تحت قيادة مدنية غير منتخبة، في إشارة إلى فايز السراج الذي ينظر إليه كواجهة منمقة للإسلاميين وحلفائهم الدوليين والإقليميين.

حاول منذ اندلاع الأزمة في 2014 تجميع كل القوات الموجودة على الأرض التي تؤمن بليبيا المدنية الديمقراطية. ويقول متابعون لتحركات الرجل المحسوب على التيار المدني في مصراتة، إنه عمل طيلة الفترة الماضية على التوصل إلى تسوية بين الجيش والإسلاميين القابلين بحفتر كطرف في الاتفاق وتحديدا الإخوان المسلمين.

يرى جحا أن محاولات القضاء على الإسلاميين بالعنف لن يؤدي إلا إلى حمام من الدماء وإكسابهم تعاطف الشعوب التي ستنظر إليهم حينئذ كأبطال يقاومون من أجل رفع راية الدين، ويعتقد أن استبعادهم لا يكون إلا برفع درجة الوعي لدى المواطنين. لكن زحف الجيش في اتجاه طرابلس مع إصرار الإسلاميين على عرقلة الانتخابات وخاصة الرئاسية، يؤكد عدم واقعية رؤيته للحل الذي لن يكون إلا بحسم عسكري يجبر الطرف الخاسر على تقديم تنازلات.

8