سالم عبدالجليل صورة مصغرة لتشدد المؤسسات الدينية الكبرى

السبت 2017/06/10
شيخ أزهري يُحلل أفكار داعش ويفتي بقطع رأس من يحتفل بعيد الأم

القاهرة - لطالما دافعت المؤسسات الدينية في مصر عن نفسها أمام سيل الاتهامات التي طالتها وتتعلق باختراقها من عناصر إخوانية وسلفية تحمل آراء متطرفة تغذي أفعال الحركات والتنظيمات الإرهابية، وفي كل مرة كانت تهدأ وتيرة الغضب ضد هذه المؤسسات، سواء الأزهر أو وزارة الأوقاف بعد فترة من الوقت، لكنها لم تهدأ هذه المرة.

وقد مثّل خروج سالم عبدالجليل الداعية الإسلامي والشيخ الأزهري وأحد أبرز أئمة وزارة الأوقاف، بفتوى صادمة تتعلق بتكفيره للأقباط في مصر، ووصف ديانتهم بأنها “فاسدة”، ليكون موقفه بمثابة جمرة النار التي ألقيت على علماء الأزهر والأوقاف وحرقت ألسنتهم عن مهاجمة من ينتقدون تحركاتهم البطيئة لتطهير المؤسستين من المتشددين فكريّا وعقائديّا.

كان اختيار توقيت إطلاق عبدالجليل لفتوى من هذا النوع الأكثر صدمة للرأي العام المصري، خاصة وأنها جاءت في فترة يعاني خلالها الأقباط في مصر من تكرار استهدافهم بحوادث إرهابية متفرقة من جانب تنظيم داعش وأعوانه، سواء باستهداف الكنائس خلال أعيادهم الأخيرة أو إطلاق النار على حافلاتهم أو الضغط لإجبارهم على ترك منازلهم في شمال سيناء.

حصل عبدالجليل بسهولة على عدة ألقاب جديدة رأى من أطلقوها أنها تتناسب مع اتجاهاته الدينية صوب الأقباط، من بينها “محلل داعش” و”شيخ الفتنة” و”إمام الطائفية”.

الخطيئة والاعتذار

كانت الصدمة من هذا التحوٌّل الفكري للرجل الذي كان ينظر إليه على أنه من الوسطيين والمعتدلين دينيًا في مصر، فإن الصدمة الأكبر كانت من ردة فعل المؤسستين التابع لهما؛ الأزهر والأوقاف، على موقفه من إصدار فتوى مثيرة للفتنة وتحض على التطرف والكراهية وإقصاء كل ما هو غير إسلامي وتتناقض حتى مع الأزهر الذي يتمسك بعدم تكفير أحد.

كان يتوقع مختلف المتابعين لقضية الفتنة التي أثارها عبدالجليل، أن يقوم الأزهر والأوقاف بالردّ عليه بالحجة وتفنيد فتواه قبل أن تكون مغذيّة لعمليات إرهابية جديدة، وكانت المفاجأة أن هيئة كبار العلماء قالت في بيان صحافي “إن رأي سالم عبدالجليل يخصه وحده ولا علاقة للأزهر بكلامه”، أما وزارة الأوقاف فقد منعته من الخطابة في مساجدها حتى يعتذر للأقباط.

بدا الأزهر وكأنه يتبرّأ من الرجل حتى لا يصاب بلعنة الغضب التي لحقت به في وقت أصبحت فيه المؤسسة أحوج إلى تهدئة الغضب ضدها من أيّ وقت مضى، أما الأوقاف فأحالته إلى التحقيق وفتحت له المجال للعودة إلى الخطابة في منابرها مرة أخرى شريطة أن يقول للأقباط “أعتذر عما قلته”.

صحيح أنه اعتذر، لكنه قدّم الاعتذار لمن تسبّب كلامه في جرح مشاعرهم، بينما لم يعتذر أو يتراجع عن تكفير الأقباط ووصف الديانة المسيحية بأنها “فاسدة”، وتمسك برأيه، ومع الضغوط الإعلامية عليه، اتخذ قرارًا بوقف التعامل مع مختلف الصحف والقنوات التلفزيونية في مصر، واتجه للظهور على قنوات تؤمن بالطائفية.

يُنظر إليه على أنه صورة مصغّرة لتشدد المؤسسات الدينية الكبرى، فهو الذي تحدّث وأفتى دون أن تخرج أيّ مؤسسة للرد عليه وتصحّح ما قاله بأدلة وبراهين واقعية تزيل من وجدان المتشددين ما ترسخ لديهم بأن “الأقباط كفّار”.

بدا فكره المتشدد متوافقًا إلى حد بعيد مع آخرين في المؤسسة الدينية بمصر، وحتى إن كان ذلك غير صحيح، فإنه كشف عن سوءات الفكر المتطرف عندما يخترق مؤسسة يفترض فيها التصدي للمنحرفين دينيّا والمتشددين فكريّا وعقائديّا ولا يؤمنون بكل ما هو غير إسلامي.

تخرّج سالم عبدالجليل في كلية الدعوة الإسلامية عام 1988 بتقدير امتياز، وبعدها بعامين بدأ الإمامة والخطابة بمساجد وزارة الأوقاف، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه العالمية ترقّي لمنصب مدير الإرشاد الديني بالوزارة، قبل أن تسند إليه رئاسة شؤون الدعوة في الأوقاف عام 2007، ثم رئاسة قناة أزهري.

عمل في العديد من القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، مقدمًا وضيفًا، ومثّل الأزهر والأوقاف في العديد من المؤتمرات الدولية، وشارك في تدريب الأئمة والدعاة على الخطابة وتجديد الخطاب الديني والقضايا المعاصرة، إلى أن شغل عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

مختلف المتابعين لقضية الفتنة التي أثارها عبدالجليل توقعوا أن يقوم الأزهر ووزارة الأوقاف بالرد عليه بالحجة وتفنيد فتواه قبل أن تكون مغذية لعمليات إرهابية جديدة، وكانت المفاجأة أن هيئة كبار العلماء قالت في بيان صحافي “إن رأي سالم عبدالجليل يخصه وحده ولا علاقة للأزهر بكلامه”، أما الأوقاف فقد منعته من الخطابة في مساجدها حتى يعتذر للأقباط.

أزمة عبدالجليل الحقيقة التي من الصعب عليه عبورها أو التخلّص منها أنه لا يحمل فكرًا سلفيًا متشددًا تجاه أصحاب الديانات الأخرى فحسب، لكن ميوله الإخوانية وإظهاره التعاطف الكبير معهم، التحم مع توجهاته السلفية، فأصبح شخصية محمّلة بالتشدد الفكري والديني وإقصاء الآخر، لمَ لا وهو من يحمل الطابعين “السلفي والإخواني” معًا.

فهو الذي دعمته الجبهة السلفية في فتواه بتكفير الأقباط، وقالت إنه على حق، ووصفت الذين يهاجمونه بأنهم جهلاء ومنافقون، وهو أيضًا من دافعت عنه المنصّات الإعلامية الإخوانية، سواء المواقع الإخبارية أو القنوات التي تبث من تركيا، ووصفته بالجريء الذي خرج عن طوع المؤسسات الدينية التي تعمل لصالح النظام المصري، حسب وصفها.

المتابع لهذا الرجل منذ فترة طويلة، يتبين أنه كان شخصية وسطية هادئة يحمل أفكارًا دينية تحمل بين طياتها التعايش والمحبة والتشارك ونبذ العنف والتطرف، وأنه لا فرق بين مسلم وقبطي ويهودي، وعلى الجميع أن يبتعدوا عن الديانات ويتعاملوا وفق الإنسانية وحقوق الإنسان، دون تفرقة على أساس لون أو جنس أو دين.

كانت وسطية الرجل الاستثنائية أو المؤقتة هي الباب الذي دخل منه إلى المؤسسة العسكرية في مصر، ليتم اختياره للإشراف على الدعوة الإسلامية والوعظ والإرشاد بالقوات المسلحة من خلال إدارة الشؤون المعنوية فرع الدعوة خلال فترة حكم جماعة الإخوان في العام 2013.

القراءة والبحث في فكر وتوجهات عبدالجليل وعلاقته بالتيارات أو الجماعات الدينية وكيفية تأثره بخطابهم، يمكن أن تقودك إلى فك طلاسم شخصيته التي تحمل الميول الإخوانية والسلفية معًا، والواضح أنه يميل إلى الفكر الديني الأكثر سيطرة وتواجدا على الساحة المصرية لحين زوال نفوذه الديني، ثم يتجه لفكر آخر قائم بقوة حتى يجد لنفسه مكانًا وظهيرًا دينيًا.

كان يدعم الإخوان ورئيسهم محمد مرسي بقوة خلال العام الذي حكموا فيه مصر، ووصف الجماعة وعناصرها وقادتها بأنهم “أئمة الله في الأرض”، ومن رفض أن يكون أولاده من الإخوان فقد خسر متاع الدنيا والآخرة.

وبعد رحيل الإخوان انقلب عليهم وطالب بحرق كتب سيد قطب مؤسس الجماعة، واتجه إلى التقارب مع التيار السلفي وشيوخه باعتبارهم الأكثر تواجدًا على الساحة وبشكل يتوافق مع النظام، وسار على نهجهم فيما يتعلق بإطلاق الفتاوى التي تعارض كل ما هو متحضر ومتحرّر وجديد في الحياة والدين.

التحوُّلات التي طرأت على شخصيته وانتقاله من الوسطية التي عرف بها في الماضي إلى الدفاع عن الإخوان كانت تتطلب توظيف الدين لخدمة مصالحه الشخصية وحجز مكان على الساحة.

سالم عبدالجليل أزهري يكفر الأقباط ويحث على الجهاد وتنفيذ العمليات الانتحارية ضد الكفار والأعداء

إخواني قديم

بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وانتهاء نظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وخروج التيارات والجماعات الدينية من الجحور إلى النور والمشاركة في العمل السياسي، أراد عبدالجليل أن يتقرب من الإخوان ويحجز له مكانًا معهم، لا سيما مع تعاظم مطامعهم في الوصول إلى حكم البلاد.

وقتها قال إن “الإخوان هم الأكثر تنظيمًا ووعيا وثقافة بين التيارات الدينية الموجودة على الساحة، وعن نفسي أتمنى أن يصل الإخوان إلى الحُكم، ومُطمئن تمامًا إلى أسلوبهم وخبرتهم وتنظيمهم، لأنهم ليسوا كما حاولت الأنظمة السابقة الحاكمة في مصر تصويرهم لنا، كونهم منغلقين على أنفسهم ولا يستمعون إلى الرأي الآخر”.

قال عنه ثروت الخرباوي القيادي الإخواني المنشق، إنه كان مسؤولا عن طلاب جماعة الإخوان بجامعة الأزهر في بداية تسعينات القرن العشرين، لكنّ “خلافا حدث بينه وبين يحيى إسماعيل، مسؤول قسم نشر الدعوة بالجماعة وأمين عام جبهة علماء الأزهر، كان سببا في استقالته من الجماعة”.

وأضاف الخرباوي “التقيت عبدالجليل أثناء وجود الإخوان في الحكم، وقال لي: نعم لم يعطوني منصبًا، لكن نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحبّ إلاّ للحبيب الأول”.

مع اشتداد الغضب الشعبي ضد الإخوان، وتأسيس حركة “تمرد” لجمع توقيعات عزل محمد مرسي، وصف الرجل ذلك الأمر بأنه “حرام شرعًا”، حتى أنه تصدى لعلماء بالأزهر وصفوا الإخوان بأنهم “خوارج العصر”، وأفتى وقتها بأن “الحراك الإخواني ضد عزل مرسي معارضة مقبولة، ومن حقهم أن يعبّروا عن رأيهم بأيّ طريقة، فهذا حق شرعي”.

كانت فتاوى الرجل لصالح الإخوان في أوج قيام عناصرهم بحوادث إرهابية تتعلق باغتيال عناصر من الشرطة والعسكر وتفجير القنابل بالشوارع والميادين والقيام بمظاهرات مسلحة، وقطع الطرق وحرق كنائس الأقباط الذي ساندوا الجيش في عزل محمد مرسي.

وبلغت قمة دعمه للإخوان حينما نفى على فضائية “الجزيرة”، وكان ضيفًا دائمًا عليها، أن يكون اعتصام رابعة مسلحًا (بعكس كل التقارير الأمنية والمخابراتية المثبتة بالأدلة)، واعترف بأن زوجته وأولاده الثلاثة كانوا يترددون على اعتصام رابعة، ولم يمنعهم من ذلك، وأنه ترك قناة “أزهري”، لأنها أصبحت تعارض الإخوان وأنصارهم من الإسلاميين.

السلفي والجاهلية

زال حكم الإخوان ولم يزل تعاطف الرجل معهم، لكنه اتجه إلى فصيل ديني آخر هو السلفية، وبدأت علاقته مع أفكارهم منذ نحو 3 أعوام، عندما وصف شيوخ السلفية بأنهم “الأكثر حرصًا على الثوابت الدينية والأجدر باعتلاء المنابر”، ثم سار على نهجهم في إصدار الفتاوى التي تحرّم كل شيء جديد أو لم يكن موجودًا في عصور الجاهلية.

مثال ذلك تحريم الاحتفال بعيد الأم، وبلغ الأمر حد قوله “من يحتفل به يستحق قطع رقبته”، كما أنه أفتى بأن الاحتفال بالخطوبة “حرام شرعًا”، وأن “جهاد المرأة في حجابها”، وهي نفس لغة فتاوى السلفية بأنّ ما لم يكن موجودًا في التراث فهو حرام شرعًا، والاستمرار في تنفيذ ما كان موجودًا، فهو أقرب للجهاد.

اختيار توقيت إطلاق عبدالجليل لفتوى تكفير الأقباط يصدم الرأي العام المصري، خاصة وأنها جاءت في فترة يعاني خلالها الأقباط من تكرار استهدافهم بحوادث إرهابية متفرقة من جانب تنظيم داعش وأعوانه

مشكلة عبدالجليل أنه يعادي كل ما هو جديد، مثل السلفيين تمامًا، وينظر إلى التحرر النسبي بـ”حُرمانية” شديدة، فمثلًا هو يفتي بأن صداقة الفتاة للشاب على مواقع التواصل “حرام وذنبها كبير”، لأنها من وجهة نظره “تُحرّك الشيطان بينهما”، والأشد حرمة من ذلك أن تضع الفتاة صورة لها على حسابها الشخصي بـ”فيسبوك”، فهذه، حسب وصفه، تطالب الناس بمغازلتها.

وبلغت درجة تشدده حد اعتقاده بأن الدولة المدنية أهدرت كل مبادئ وأساسيات حقوق الإنسان وأن العلمانية والليبرالية “أشد أنواع الغباء”.

ما يعزز الاتهامات التي طالته خلال الفترة الأخيرة أنه يحمل أفكارًا متطرفة تضاهي عقيدة الحركات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش، وأفتى بـ”جواز الانتحار”، وأن يقوم المسلم بعمليات انتحارية إذا كان الغرض منها قتل الكفار والأعداء، وهو نفس الفكر تقريبًا الذي اعتنقه الانتحاريون الذين فجروًا الكنائس المصرية الثلاث بالقاهرة والإسكندرية وطنطا مؤخرا، وأوقعوا العشرات من القتلى والجرحى من الأقباط.

حتى أنه ينظر إلى الآيات التي تتحدث عن الجهاد في القرآن والموجودة في المناهج التي يدرسها الطلاب بالمدارس والأزهر على أنها “حصانة لهم”، وأن الداعين إلى حذفها لحماية عقولهم من أن يكونوا جهاديين، هم أناس “متخلفون”.

لأجل ذلك، يظل عبدالجليل من الأزهريين الذين يتعاملون مع قتل الغير باستسهال شديد، سواء بتنفيذ عمليات انتحارية أو القيام بعمل جهادي، حتى مسألة التكفير فهو يتعامل معها باستسهال أشدّ، وسبق أن قال للإعلامي طوني خليفة على الهواء “أنت كافر وإنجيلك محرّف، لذلك لا أؤمن بكل ما هو موجود في الإنجيل الحالي”.

12