سالم لافي "صقر سيناء" هرب من السجن ليحارب الإرهاب

الأحد 2017/07/09
بدوي مصري عاش مطاردا قبل أن يمشى في جنازته المسؤولون

القاهرة - فتح مصرع سالم لافي، ابن قبيلة الترابين بسيناء في مصر مايو الماضي، الباب على مصراعيه أمام جملة من التأويلات والأسئلة التي لا حصر لها. غير أن السؤال الأهم كان كيف يمكن أن يتحول شخص ما من مشاغب خطير تطارده أجهزة الأمن وهارب من أحكام بالسجن إلى بطل شعبي و”شهيد” في نظر أهله وقبيلته من بدو سيناء، بل وفي نظر بعض المسؤولين بالشرطة؟

يومان فاصلان

بين الأربعاء 3 فبراير 2010 والأربعاء 10 مايو 2017 سبع سنوات شهدت تحولات درامية في حياة سالم لافي، أو “صقر سيناء” و”أسد الترابين” كما يسميه أبناء قبيلته “الترابين” أكبر قبائل سيناء المصرية، وكان هذان اليومان ولا يزالان حديث أهل سيناء، وربما مناطق كثيرة في مصر، لما شهداه من أحداث.

في الساعة الثانية من ظهر الأربعاء 3 فبراير 2010 على طريق الإسماعيلية العريش في مصر، خرجت ثلاث سيارات دفع رباعي من عمق الصحراء باتجاه سيارة ترحيلات تقل بداخلها 8 سجناء من مديرية أمن الإسماعيلية إلى مديرية أمن شمال سيناء تمهيدًا لمثولهم أمام النيابة.

فجأة تعالت أصوات الطلقات النارية وتبادل المهاجمون وقوة شرطة التأمين النيران بكثافة وأسرع أحد المهاجمين بإطلاق النار على قفل السيارة لإطلاق سراح من بداخلها، وهكذا خرج لافي مصطحبًا معه السجين حسن عبدالفتاح لاشتراكهما معًا في قيد واحد لتسرع بهما إحدى السيارات إلى قلب الصحراء.

أصبح لافي من يومها في نظر أجهزة الأمن المصرية أشهر المطلوبين أمنيًا بسيناء. إلا أن شعبيته بين شباب القبائل تضاعفت وباتت قصص بطولاته ونجاحه في الهروب يرويها الجميع وتحوّل إلى رمز لـ”الترابين” لشعورهم بتعرضه للظلم ودفعه ثمن الدفاع عن حقوقهم.

في ظهيرة العاشر من مايو 2017 بمكان ما في جنوب رفح المصرية، ينصب عدد من شباب قبيلة الترابين المسلّحين بقيادة لافي كمينًا لاصطياد عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، في إطار جهود القبائل في محاربة الإرهاب بالتعاون مع أجهزة الأمن المصرية.

تقترب من الكمين سيارة مصفّحة من النوع الذي تستخدمه الشرطة فيستقبلها أفراد المقاومة الشعبية بحفاوة معتقدين أنها سيارة شرطة لكن فجأة يطلق مستقلّوها وابلا من النيران ليكتشف رجال لافي أن ركاب السيارة إرهابيون من الدواعش، وعندئذً يسقط عشرة شهداء من الترابين، بينما تنفجر سيارة لافي ليلقى الزعيم الشعبي مصرعه.

رحل لافي تاركاً قبيلته وعواقل سيناء تنتفض وترفض قبول العزاء فيه قبل الثأر له بعد أن نعاه شعراء البدو وكبار رجال الدولة في مصر، ويعلن شباب القبيلة تشكيل “كتائب الشهيد سالم لافي” لتطهير سيناء من الدواعش وها هم يطلقون دوريات التمشيط بحثًا عن القتلة في الوقت الراهن.

عاش مطاردًا لسنوات ومات مكرّمًا من الدولة والشعب، تُرى ما هي حكايته؟ ما سرّ صدامه مع الدولة؟ ولماذا اعتقل؟ وكيف هرب قبل انقضاء عقوبة سجنه بشهر واحد؟ وهل فعلًا حرّض البدو في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك على الاعتصام والتظاهر على الحدود مع إسرائيل ووقف خلف عملية اختطاف عميد بالأمن المركزي و51 شرطيًا قبل اندلاع ثورة يناير 2011؟

هروبه الدرامي من السجن يجعل من لافي في نظر أجهزة الأمن المصرية أشهر المطلوبين أمنيا بسيناء. إلا أن شعبيته بين شباب القبائل تضاعفت بعدها وباتت قصص بطولاته ونجاحه في الهروب يرويها الجميع، وتحول إلى رمز لقبيلة (الترابين) لشعورهم بتعرضه للظلم ودفعه ثمن الدفاع عن حقوقهم

لقاء مع لافي

كل هذه الأسئلة أجاب عنها سالم لافى في لقاء كان قد أجراه معه كاتب هذه السطور عقب ثورة 25 يناير 2011 في إحدى العشش في قلب صحراء سيناء في شهر رمضان، وكان رجلًا ممشوق القوام في العقد الرابع من العمر، خمري البشرة، ضيق العينين، حاد النظرات، ويرتدي بنطالًا مموّهًا، وتي شيرت، وكاب (غطاء رأس) يشبه ذلك الذي كان يرتديه “غيفارا” بطل أميركا اللاتينية الشهير.

قلنا له “جئنا لنحاورك وسنطرح جميع الأسئلة التي تشغل الرأي العام، وبعضها يحمل اتهامات لك”، رد بهدوء “اتفقنا”.

قال إن القصة بدأت عام 2000 “بقضية عسكرية اتّهموني فيها بتهريب السلاح والمخدرات لإسرائيل وإصابة جندي. لم أضبط متلبسًا ولم أرتكب أيّ جريمة ولم أعلم بالقضية إلا بعد 6 شهور، وصدر ضدي حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم هربت”.

كانت أدلته على براءته أن الاسم الذي في محضر التحريات كان خطأ، سالم علي لافي، بينما اسمه سالم لافي علي، وهذا في نظره دليل على عدم دقة التحريات الملفّقة، ثم حُرّر ضده محضر حيازة سلاح وذخيرة دون ضبطه بأيّ سلاح، وظل الأمر على هذه الحال إلى أن قتلت الشرطة اثنين من البدو في مطاردة مثيرة.

بعدها قام البدو بالاحتجاج بالقرب من الحدود مع إسرائيل، وحدث الصدام مع الشرطة وحضرت لجنة تقصّي حقائق من البرلمان وتم إطلاعها على الفيديوهات وأصدرت تقريرا جاء في صالح أهالي سيناء.

سر التحول

حكاية سالم لافي التي قصها علينا، بصرف النظر عن مدى دقتها، تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن أن تكون طريقة تعامل أجهزة الأمن المصرية في بعض الأحيان وراء تحوّل مواطن عادي إلى ثائر غاضب رافض لتصرفات الدولة تجاه أهله وناسه؟ وهل يكون شك هذه الأجهزة في بعض الأشخاص ومن ثم قسوتها عليه في غير محله؟ ما السر في تحول لافي إلى مسجّل خطر تطارده الشرطة ثم مواطن يعمل لصالحها وصالح بلده؟

تجربة هذا السيناوي الذي عاش مُطاردًا ومات شهيدًا قد تلقي الضوء على كل تلك الأسئلة وغيرها، لأن الأوضاع في سيناء الآن بالغة الحساسية.

في عهد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك كانت وزارة الداخلية المصرية بقيادة وزيرها اللواء حبيب العادلي تستعين بلافي لإنهاء الخصومات وتهدئة الأزمات رغم كونه “مطاردًا” من الأمن، بل وفي كثير من الأحيان شوهد وهو ذاهب للقاء قيادات أمنية في مديرية أمن شمال سيناء ثم يخرج مترجّلًا رغم كونه محكومًا عليه ومطلوبًا لتنفيذ أحكام بالسجن.

هو نفسه فسّر هذا التناقض في الحوار فقال “الشرطة كانت على تواصل معي وتستعين بي لإنهاء الأزمات، لكن في 2007 بدأت الشرطة تتوسّع في عمليات اعتقال البدو على خلفية العمليات الإرهابية التي شهدتها شرم الشيخ (جنوب سيناء)، وقد تعاملت معنا الأجهزة بمنتهى القسوة وراحت تتهم الجميع″.

وزارة الداخلية المصرية بقيادة وزيرها اللواء حبيب العادلي، في عهد مبارك، يعرف الجميع بأنها كانت تستعين بلافي لإنهاء الخصومات وتهدئة الأزمات رغم كونه "مطاردا" من الأمن، بل وفي كثير من الأحيان كان يشاهد وهو ذاهب للقاء قيادات أمنية في مديرية أمن شمال سيناء ثم يخرج مترجلا رغم كونه محكوما عليه ومطلوبا لتنفيذ أحكام بالسجن

في هذا الوقت قتلت الشرطة شابين بدويين بالرصاص ونجح ثالث في الهرب، ورآهم لافي وهم يدفنون الجثتين. وردًا على ذلك وبدافع الثأر قامت مجموعة من البدو باختطاف جنود من الأمن المركزي، فطلبت منه الشرطة الوساطة لإطلاق سراح الجنود. وبالفعل تم إطلاق سراحهم وكان هو ضمن مشايخ سيناء الذين توسطوا والذين لم تكن لهم علاقة بالاختطاف.

ثم حدث التحول الذي أدهش لافي لأنه بعد مظاهرات البدو على الحدود مع إسرائيل اتصل به اللواء منتصر شعيب مدير أمن شمال سيناء وقتها ودعاه إلى الحضور لمديرية الأمن لمناقشة الأمر، وأصرّ على حضوره هو وصديقه إبراهيم العرجاني، وكانت المفاجأة أن الضباط حاصروهما ثم اعتقلوهما.

سنوات الاعتقال

أرجع لافي الأمر إلى تغير إستراتيجية وزارة الداخلية في التعامل معهم، ورأى أنه كان هناك تباين في الرؤى بين قيادات الوزارة، ما بين من يرى الاستفادة من البدو كوسيط، ومن أصرّ على ضرورة اعتقالهم، وهكذا ذهب لافي إلى أن الأزمات في سيناء سببها سوء التعامل، حتى أنه دعا الدولة حينها إلى إسناد ملف سيناء للأجهزة المخابراتية وإبعاد الداخلية لسوء إدارتها للملف.

كان يرى أن استعادة الأمن في سيناء لن تكون بغير التنمية، وكثيرًا ما أكد أن بدو سيناء وطنيون مخلصون وجزء من نسيج الوطن ولا يتأخرون لحظة في الدفاع عن الأرض والعِرض، وطالب الدولة بأن تتعامل معهم بالعدالة والمساواة.

بعد ثلاث سنوات في السجن تمكن لافي من إسقاط عقوبة المؤبد عن طريق الطعن على الحكم في تهمة حيازة السلاح. وكان المتبقي من مدة العقوبة شهر واحد فقط ثم يُطلق سراحه، إلا أنه تحصل على معلومات تفيد بأن الداخلية ستستند إلى قانون الطوارئ لإصدار قرار جديد باعتقاله لأجل غير مسمّى فقرّر الهرب.

كانت نيابة شمال سيناء قد استدعته من محبسه للاستماع لشهادته في قضية جديدة، فتمكّن من خداع شرطي في حراسته وحصل منه على الهاتف بدعوى الاطمئنان على أسرته، إلا أنه أعطى في مكالمته إشارة إلى أنصاره بموعد ترحيله من سجن الزقازيق بدلتا مصر إلى شمال سيناء، فتمكن أنصاره من تهريبه.

بعد ذلك، وفي أثناء أحداث ثورة 25 يناير2011، انسحبت الشرطة بشكل تام من سيناء وتولت أجهزة سيادية أخرى ضبط الأمن بها حتى 2013، وفي تلك الفترة فتحت الدولة حوارًا مع الهاربين من الأحكام القضائية وأعيدت المحاكمات وأسقطت العديد من الأحكام فكان لافي أحد المستفيدين منها في 2014.

بعدها بعامين، قامت ثورة 30 يونيو، وسقط نظام الإخوان، وتغيّرت الأوضاع في شبه جزيرة سيناء، إذ أطلق الإخوان إثر رحيلهم العنان للتنظيمات الإرهابية للانتقام من الجيش والشرطة وتعالت وتيرة عمليات التنظيمات الإرهابية وأعلنت هذه التنظيمات الولاء لداعش وتشكيل ما يسمّى بولاية سيناء.

العودة للوطن

هنا حدث التحول الثاني، إذ سرعان ما عاد لافي الذي طالما أكّد تمسكه بالثوابت الوطنية للتعاون مع أجهزة الدولة، وقاد شباب القبيلة الأكبر في سيناء لمساندة الجيش والشرطة في حربهما ضد الإرهاب، وبدأت المساندة برصد الغرباء وتقديم المعلومات عن مناطق تمركز الإرهابيين ومساعدة أجهزة الأمن في اقتفاء أثر الإرهابيين ومحاصرتهم.

حكاية سالم لافي تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن أن تكون طريقة تعامل أجهزة الأمن المصرية في بعض الأحيان وراء تحوّل مواطن عادي إلى ثائر غاضب رافض.

مع احتدام المعارك أعلنت قبيلة الترابين بالتحالف مع قبائل أخرى بقيادة لافي النزول إلى ساحة القتال بالتنسيق مع الجيش والشرطة في مواجهة الإرهاب الأسود لتطهير سيناء.

خاض لافي على مدار عامين هو وأنصاره معارك شرسة تمكّن خلالها بمعاونة أجهزة الأمن من القضاء على العشرات من الإرهابيين والقبض على الكثيرين منهم ومحاصرتهم وإعاقة تحركاتهم من خلال دوريات شباب ترصد وتقيم الأكمنة في الدروب الصحراوية.

وكثيرًا ما ظهر لافي في فيديوهات وهو يحمل السلاح ويقود المقاومة الشعبية للإرهاب ملوحًا بعلامة النصر أو الشهادة، وكثيرًا ما صرّح لأصدقائه بأنه يتمنّى الشهادة في معارك تحرير سيناء من فلول الإرهاب، إلا أن الدواعش لم يظفروا به في مواجهة مسلحة بل بالغدر تمكّنوا منه. ففي يناير الماضي تمكّنوا من الاستيلاء على مدرّعة للشرطة أخفوها ثم استخدموها في خداع كمين المقاومة الشعبية ومباغتة شباب الترابين بالنيران عن قرب ثم زرع اللغم الذي أنهى حياة صقر سيناء.

وفي بيان لاتحاد قبائل سيناء نعت القبائل مجتمعة لافي ورفاقه، وأكد البيان أنهم فازوا بالشهادة في سبيل الدفاع عن سيناء وأنهم سيواصلون حربهم حتى اقتلاع الإرهاب من جذوره واستعادة تعمير سيناء.

كما كانت جنازته أشبه بمظاهرة وداع شارك فيها الآلاف من أهالي سيناء، وكان رثاء الشعراء له وإعلان العديد من أبناء سيناء الذين ذهبوا لتأدية عمرة رمضان أداءهم عمرة باسمه، دليلًا على أنه بات بطلًا ملهمًا لشباب سيناء وشهيدًا ضحّى بنفسه في سبيل الوطن، ليبقى السؤال قائمًا: كيف يتحوّل شخص ما من مُسجّل خطر في نظر الحكومة إلى بطل يمشي في جنازته كبار القيادات الرسمية في سيناء؟

8