"سامحني" فيلم تونسي يُسائل لعبة الحياة والموت

الفيلم يستعرض الداء العضال في منحيين، واقعي ومتخيّل، الأمر الذي جعل مرض السرطان بطل "سامحني" الأوحد.
الأربعاء 2019/01/23
قدر غريب

“سامحني” كلمة بدت مفتاح الفيلم الروائي الطويل الأول والأخير لمخرجته التونسية الراحلة نجوى ليمام سلامة، وهي عنوان الفيلم أيضا، الذي تغيّر اسمه من “فوزي ومستاري” إلى “سامحني”، والكلمة تُعبّر في المخيال الشعبي التونسي عن طلب الصفح ممن نحبهم أو حتى الذين نخال أننا أرهقناهم بشكل من الأشكال قبل الوداع الأخير، وسامحني جُسّدت في الفيلم بمعنيين، واحد متُخيل والثاني حقيقي.

 تونس – يتواصل بقاعات السينما التونسية، تحديدا بتونس العاصمة وسوسة وصفاقس، عرض الفيلم التونسي “سامحني” للمخرجة التونسية الراحلة نجوى ليمام سلامة، وهو من بطولة النجم السوري عابد فهد ومحمد علي بن جمعة وسوسن معالج ومريم بن حسين وعلي بنور ورياض حمدي وحكيم بو مسعودي وسماح سنكري.

احتفاء بالموت بعيدا عن أجواء العويل والنحيب المُعتادة
احتفاء بالموت بعيدا عن أجواء العويل

والفيلم الروائي الطويل الأول والأخير لمخرجته التي فارقت الحياة في الـ27 من فبراير 2018 عن سن ناهزت الـ60 عاما، بعد صراع مرير مع مرض السرطان، تدور أحداثه حول شخصية فوزي (محمد علي بن جمعة) القاضي الفاسد ومستاري (عابد فهد) عالم الآثار الذي قضى عقوبة عشر سنوات سجنا في قضية مُفبركة كان فوزي من أصدر فيها الحكم على المتهم البريء الذي عانى الويلات بعد سجنه، حيث كان السجن سببا في إصابته بسرطان الرئة، وهو الذي فقد زوجته خلال حبسه، علاوة على إصابة والدته بمرض الزهايمر بعد صدمة دخول ابنها السجن.

يشاء القدر أن يلتقي القاضي الفاسد والمسجون البريء صدفة على هامش خطأ طبي، حيث اختلطت الملفات الطبية للرجلين، فوزي ومستاري، ليكتشف الطبيب (علي بنور) أن مستاري هو المصاب بالسرطان وأن أيامه باتت معدودة، وليس فوزي الذي ظن أنه المُصاب بالداء العضال، فيُعاوده الأمل مع الكثير من الألم، إثر صحوة ضميره، وهو الذي يعلم أنه كان المُتسبّب الرئيسيّ في معاناة مستاري التي استمرت زهاء عقد من الزمان.

يتعقّب فوزي أثر مستاري، طالبا الصفح منه بكل الوسائل المُمكنة، علّه يرضي ضميره الذي ظلم عالم الآثار في قضية ملفّقة، في إشارة إلى ما عرفته تونس قبل ثورة 14 يناير 2011 من فساد واستبداد لبعض رجال الأعمال النافذين.

يُدرك فوزي مستاري أخيرا، لكن الموت كان الأسبق، ولم يظفر بالسماح الذي جرى وراءه طويلا، لينال الموت أيضا من القاضي المُرتشي، حيث اغتالته عصابات الفساد التي طالما تواطأ معها، والتي أمرت بتصفيته بعد صحوة ضميره المُفاجأة التي باتت خطرا على هذه العصابات.

الفيلم الذي استعرض المرض الخبيث في منحيين، الأول واقعي والثاني متخيّل، ربما كان هو البطل الأوحد لفيلم “سامحني” الذي تم تغيير عنوانه إلى الكلمة الرمز “سامحني” بعد أن كان العنوان الأولي “فوزي ومستاري”. وللعنوان قصة كما يقول زوج الراحلة، رضا سلامة، حيث أن “سامحني” هي آخر كلمة قالتها المخرجة نجوى ليمام سلامة له قبل رحيلها بثلاث ساعات.

مخرجة الفيلم نجوى ليمام سلامة رحلت بالمرض نفسه الذي عانى منه بطل فيلمها
مخرجة الفيلم نجوى ليمام سلامة رحلت بالمرض نفسه الذي عانى منه بطل فيلمها

والسرطان الذي عانت منه المخرجة طوال أيام تصوير الفيلم، وهي التي اكتشفت إصابتها به عندما تحصلت على دعم الإنتاج، لم يُثنها عن مواصلة تصويره رغم خضوعها أيامئذ للعلاج الكيميائي خارج البلاد، فوصلت الليل بالنهار حتى انتهت منه.

وأتم المخرج لسعد الوسلاتي إنجاز الفيلم بعد رحيلها ليكون إهداء لروحها، وهي التي أبت أن تُعلم طاقم العمل بأزمتها الصحية الحادة، فكان الداء العُضال حاضرا بقوة في الفيلم وفي الحياة على حد سواء، وكأن الراحلة أرادت من خلاله البحث في لعبة الحياة والموت التي عاشتها على مدار تصوير الفيلم والتي عايشها أيضا بطلها مستاري من خلال أحداث الفيلم.

“سامحني” فيلم بدا احتفاء بالموت بعيدا عن أجواء العويل والنحيب المُعتادة، ولعل المشهد البديع الذي حضرت فيه فرقة سيمفونية على شاطئ البحر يوم دفن مستاري، أكبر دليل على إيمان مُخرجته بأن الموت ما هو إلاّ وجه آخر من وجوه الحياة.

والراحلة نجوى ليمام سلامة، خريجة معهد السينما بفرنسا، بدأت مسيرتها مع الفن السابع كمساعدة مخرج في عدة أعمال تونسية وعالمية، إضافة إلى إنتاجها لمجموعة من الأشرطة القصيرة والوثائقية على غرار “حيرة” سنة 2010 و”يوم دون امرأة” سنة 2014، كما أنتجت فيلم “خميس عشية” لمحمد دمق سنة 2013.

16