سامح شكري وزير خارجية مصر القادم من المسرح الدولي

السبت 2014/07/19
شكري.. كفاءة الدبلوماسي وجدل السياسي

القاهرة - عادة ما تُذكر مؤسسة الدبلوماسية المصرية، كواحدة من أهم رموز السيادة، مصحوبة بصفات مغلظة من قبيل أنها واحدة من أعرق وأكفأ المؤسسات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، وقد كانت تصنف في حقبة الستينات حتى النصف الأول من السبعينات باعتبارها واحدة من بين المؤسسات الأكفأ في مجالها على مستوى العالم.

الحقيقة أن مثل هذه المبالغات المشمولة بصفات إطلاقية لا تعد التعبير الأكثر موضوعية في وصف مؤسسة تقنية أياً كانت، فالصحيح أن الدور السياسي الذي تلعبه الخارجية المصرية مرتبط تاريخيا بحيوية المشروع السياسي وتقديراته لتجليات الأمن القومي المصري وقدرته على التمدد خارج حدوده، وهي حالة لا يمكن فصلها عن الظرف السياسي الذي تعيشه البلاد متصلا ذلك بنظام الحكم، حتى لو بقي لدى المؤسسة الكثير من الثوابت غير المرتبطة بالنظام الحاكم أو شخص الرئيس أيا كان اسمه.

وقد شهدت الخارجية المصرية تحولات كبيرة عبر ما يقرب من الأربع سنوات هي عمر ثورتي مصر في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو، غير أن ثمة خطوطا ظلت غائبة عن تلك السياسة ربما لعدم تشكل نظام سياسي يملك خيارات واضحة على المستويين الداخلي والخارجي، لذلك لم تكن تلك المؤسسة تعبيرا أمثل عن طموحات الثورتين على مدار تلك الفترة، وكانت أسوأ تمثيلاتها في نظر كثيرين خلال الفترة التي تولاها وزير الخارجية الأسبق محمد كامل عمرو في نهاية حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم ظل أثناء حكم جماعة الإخوان المسلمين، وربما كان ذلك تعبيرا عن رغبة الجماعة في تقويض هذه المؤسسة العريقة، وتقليص دورها، ثم تفكيكها وإسناد دورها لرجالات من خارجها، دورهم يتمثل في ترتيب أوضاع الجماعة مع القوى الدولية تعضيدا لعملية سيطرتها الكاملة في الداخل.


خطاب وطني


اختلفت الصورة بشكل عميق وواسع مع ثورة الثلاثين من يونيو وتولى السفير نبيل فهمي شأن الوزارة، حيث تبلور بامتياز الخطاب الوطني الذي صاغته ثورة يونيو حول خطوط عريضة كان أبرزها مسألة الاستقلال الوطني التي بدت قضية شديدة الوهن بسبب التدخلات الأجنبية في الشأن المصري، وبسبب تاريخ طويل من التبعية شهده عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان دوره فيها يمثل ترجمة أمينة لتلك التطلعات لدرجة جعلت خروجه من أول حكومة للرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي مثار تساؤلات واسعة وصلت حد الاستنكار لدى قطاع ليس قليلا من النخبة السياسية، وهو أمر جعل من صعود السفير سامح شكري إلى موقع وزير الخارجية أمر يخضع للعديد من التأويلات ويصاحبه كثير من المخاوف.

هناك تفسيرات ذهبت إلى أن الدولة اتجهت إلى الاختيار التقليدي الذي يبعث برسائل طمأنة للولايات المتحدة وأوروبا حول اختيار وزير خارجية يملك علاقات طيبة مع أبرز تلك العواصم، حيث عمل سفيرا لمصر في واشنطن خلال الفترة من 2008 حتى العام 2012، كما عمل قبلها رئيسا لبعثة مصربالأمم المتحدة في الفترة من 2005 حتى العام 2008، وتقلد منصب سفير مصر في بريطانيا والنمسا، ما يبعث رسائل طمأنة بأن السياسة الخارجية المصرية لن تطرأ عليها تغيرات جذرية وأنها ستدار في إطار من التعاون بشروطه السابقة على الثورتين، غير أن ثمة تقارير أخرى تعتمد على تسريبات تضمنتها البرقيات الدبلوماسية الأميركية في مارس من العام 2011 الصادرة عن “بعثة الولايات المتحدة” لدى الأمم المتحدة في جنيف بسويسرا، أشارت التسريبات نصا إلى القلق من صلابة السفير المصري سامح شكري وهجومه المتواتر خروجا عن الخط السياسي للنظام المصري.

تلك التحفظات على شكري، حسب التسريبات نفسها، كانت تتعلق بعمله كممثل لمصر بمفوضية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث أشارت الوثائق المسربة إلى أن الوفد المصري واحد من الوفود الأكثر صعوبة في التعامل، إذ حشد الدعم للمواقف التي لا تدعمها الولايات المتحدة، وتضرب الوثيقة مثالا على ذلك بالدعوة التي وجهها شكري للمقاومة الفلسطينية بالقتال ضد الأجانب المحتلين لأراضيها، ووصف ما تفعله بأنه “دفاع مشروع عن النفس”.

شهدت الخارجية المصرية تحولات كبيرة عبر ما يقرب من الأربع سنوات هي عمر ثورتي مصر في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو، وظلت خطوطا غائبة بسبب عدم تشكل نظام سياسي يملك خيارات واضحة


بين وزير ووزير


كان الأمر في جملته مصدرا للانزعاج الأميركي، حسب الوثيقة، التي رأت أن هذا الموقف كان يتزايد في اللحظة التي كانت تتحرك فيه الحكومة المصرية لدعم جهود السلام في الشرق الأوسط وكان الموقف في جملته يبدو متناقضا أيضا مع موقف الخارجية المصرية في هذا التوقيت، فقد أصدر وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط، وعلى النقيض مما يحدث في جنيف، عدة بيانات تدعو الفصائل الفلسطينية إلى ضبط النفس حتى لا تنهار عملية السلام، كما تشير الوثيقة إلى رفض شكري إعطاء وزن أكبر للمنظمات غير الحكومية في العمل، ورفض التصويت في الجلسات التي كانت مخصصة لمنح تلك المنظمات مساحات أكبر من حرية الحركة، وقالت إن مساعديه عملوا على “حشد التأييد للنهج الذي يتبعه الوفد المصري” حسب وصف الوثيقة.

بعيدا عن تلك التسريبات والتحليلات، فإن النهج الذي ترسخ للخارجية المصرية منذ الثلاثين من يونيو لازال مستمرا وإن لم يبد الوزير الجديد حتى الآن حيوية تماثل الوضع مع الوزير نبيل فهمي، فالأولويات التي تعمل عليها الوزارة مرتبطة ارتباطا وثيقا بعدة أهداف رئيسية:

أولها: محاولة كسر الحصار الدولي المشايع للموقف الإخواني من ثورة الثلاثين من يونيو، وهو موقف ينطوي علي الكثير من الالتباس، رغم ما طرأ عليه من تحسن بعد إنجاز الدستور والانتخابات الرئاسية.

وثانيها: إعادة النظر في طبيعة العلاقات المصرية مع القوى الحاكمة وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث تنتقل تلك العلاقات من طور التبعية إلى طور الندية، الأمر الذي تبدو تجلياته في الرفض المصري المستمر لكل محاولات التدخل في الشؤون الداخلية.

وثالثها: تعميق صورة التحالف المصري الخليجي الذي تبلور بعد الثلاثين من يونيو من القوتين التقليديتين في العالم العربي، مصر والسعودية، ومعهما الكويت والإمارات والبحرين والأردن وبعض الدول التي تعاطت بشكل إيجابي مع ثورة الثلاثين من يونيو، وتعد الأخطار المحدقة بمنطقة الخليج من إيران وقطر وتركيا واحدة من أولويات هذا التحالف.

ورابعها: إحياء ملف العلاقات المصرية الأفريقية وتأتي على رأسها قضية ملف سد النهضة وقضية مياه النيل التي لازالت تمثل ورقة ضغط على مصر معضودة بالعديد من التدخلات الأجنبية.

اختيار سامح شكري إشارة من مصر على أنها اتجهت للاختيار التقليدي الذي يبعث برسائل طمأنة للغرب


ثوابت أساسية


كل هذه الخطوات تتساوق مع الأهداف الرئيسية التي تمثل ثوابت السياسة الخارجية المصرية التي تتعلق بدعم السلام والاستقرار في المحيط الإقليمي والدولي، والالتزام بسياسة خارجية متزنة ترتبط بالأهداف والمصالح الإستراتيجية في إطار استقلال القرار المصري، ودعم مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول والتمسك بمبادئ القانون الدولي واحترام العهود والمواثيق ودعم دور المنظمات الدولية وتعزيز التضامن بين الدول والدفع نحو إصلاح الأمم المتحدة، والاهتمام بالبعد الاقتصادي للعلاقات الدولية، واعتبار الإطار العربي مجال تحرك رئيسي لسياسة مصر الخارجية، مع استمرار التركيز على النشاط الخارجي المتصل بالأطر الحيوية الأخرى المتمثلة في الإطارين الإسلامي والأفريقي وارتباط مصر بدول حوض النيل.

ولا تنفصل بالطبع تلك الأهداف الأساسية للخارجية المصرية عن السجال الداخلي الذي كانت له ظلاله الكئيبة منذ الخامس والعشرين من يناير، فقد تجلت تلك التعقيدات في خضوع المشهد المصري لنمط متواتر وثابت يعتمد الشائع في القراءة التحليلية، لاسيما فيما يتعلق بالصورة التي يتم تصديرها للخارج، وكان ثمن تعمّد اختصار الميراث المصري من المركزية والقوة التقليدية التي تبعثها الجغرافيا في كون مصر أصبحت بلدا مترهلا، فقد توازنه في القلب والأطراف، وأن ثمة قوة مجتمعية حقيقية في الشارع تدعم الأصولية الإسلامية، لاسيما لدى شعب محافظ بطبعه، وهو اعتقاد ثبت خطله.

استطاعت الخارجية المصرية أن تبعث بالعديد من الرسائل الصائبة في هذا السياق، لكن الفضل في ذلك لم يكن للوزير الجديد سامح شكري، لكن كان للوزير السابق نبيل فهمي، وفي إطار هذا الضغط الخارجي الذي استهدف تقويض مصر تحولت الملفات الفئوية والعقائدية والاقتصادية والسياسية إلى موضوع للصراع المستمر، وكان من أخطر الملفات التي واجهتها وستواجهها الخارجية المصرية تلك الحالة من الارتياب تجاه الأقليات التي يتم تصديرها للخارج، وحاول تنظيم الإخوان، ولايزال، تصدير أزمة داخلية بدأت بحرق ما يربو علي الأربع وستين كنيسة، ثم محاولة التعامل مع الأقباط باعتبارهم طابورا خامسا جاهزا لاستعداء واستدعاء الأجنبي في اللحظة المناسبة.


حوار دبلوماسي رشيد


في هذا السياق استطاعت الدولة أن تتجاوز مأزقها التقليدي الذي اعتمد على إذكاء الصراع العقائدي والطبقي لضمان هيمنتها، ما ساهم في إنتاج نموذج متطرف في المرجعيتين الإسلامية والقبطية على السواء، وقد استخدمت الدولة في السابق كلا النموذجين لإطالة أمد بقائها وتعزيز مكانتها باعتبارها تملك صك الحماية، ورأينا كيف التأمت أكبر مؤسستين دينيتين في البلاد (الأزهر والكنيسة) حول خطاب الثالث من يوليو وما تلاه من إجراءات إيذانا بإرسال العديد من الرسائل للغرب حول تجدد حيوية الوحدة الوطنية، على أسس جديدة من العدالة المجتمعية.

التحق وزير الخارجية المصري الجديد بالسلك الدبلوماسي في عام 1976، بعد حصوله على درجة الليسانس في القانون من جامعة عين شمس

عزز كل ذلك قدرة الخارجية المصرية على صياغة خطاب سياسي استطاع مواجهة عشرات التحديات وهو دور لايزال المصريون يعقدون عليه الكثير من الآمال، فقد بدت الأحاديث القليلة التي أدلى بها وزير الخارجية الجديد سامح شكري كاشفة عن قدرات دبلوماسية فريدة في إدارة الحوار وبلورة الموقف السياسي على المستويين الداخلي والخارجي، فضلا عن الكفاءة البادية في الإلمام بكافة القضايا المؤثرة، وتكوين عقيدة سياسية واضحة ومحددة حيالها، وذلك في إطار الثوابت التي ارتضتها واختارتها ثورة الثلاثين من يونيو، حيث العلاقات المصرية على كافة المستويات تخضع لدرجة مقبولة من التوازن، على أن يكون ثابتها الرئيسي هو الندية ورفض أي تدخلات في الشؤون الداخلية.

في الوقت نفسه إدارة حوار دبلوماسي رشيد مع القوى المناوئة للثورة والدولة، وجاءت تعبيرات الوزير في حواراته القليلة حول هذا الأمر محددة وواضحة، مشيرا إلى أن مصر تسعى لإقامة علاقات طيبة مع الجميع في إطار المصالح المشتركة، فهل يستطيع سامح شكري أن يظل عقلا مبتكرا يمثل إضافة للدبلوماسية المصرية دون انتظار تعليمات سيادية أم سيعيد الخارجية إلى عهد مواتها في ظل تكنوقراطية الموظفين الدبلوماسيين؟

هذا وقد التحق وزير الخارجية المصري الجديد بالسلك الدبلوماسي في عام 1976، بعد حصوله على درجة الليسانس في القانون من جامعة عين شمس، وشغل منصب سفير مصر في كل بيونيس آيريس، وترأس “البعثة الدائمة لمصر” في نيويورك، كما عمل مندوبا لمصر في مقر الأمم المتحدة في جنيف، كما عمل سفيرا لمصر في النمسا وكان الممثل الدائم لمصر لدى المنظمات الدولية في فيينا وكانت آخر الوظائف التي تقلدها قبل توليه الوزارة منصب سفير مصر في الولايات المتحدة في الفترة من 2008 حتى العام 2012.

المختلفون مع سامح شكري يأخذون عليه عمله سكرتيرا للمعلومات للرئيس الأسبق حسني مبارك، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة، ويعتبرونه وجها من الوجوه القديمة، واتخذ وجوده ضمن تشكيلة وزارة إبراهيم محلب الثانية كذريعة للدليل على أن رموز عصر مبارك ما زالوا في قلب النظام الجديد، لكنْ المؤيدون والمقتنعون به قالوا إنه يؤكد تغليب معيار الكفاءة والوطنية على أي اعتبارات سياسية أخرى.

12