سامراء.. التاريخ يقرأ طائفيا

الحملة الإرهابية الداعشية لم تدخل مركز مدينة سامراء كما دخلت الموصل وصلاح الدين مثلا لأسباب لم تتضح لحد الآن رغم "سنية" هذه المدينة.
الأحد 2018/02/25
سامراء في قلب المشروع الطائفي الإيراني

تجد إيران في مخطط التغيير الديموغرافي الطائفي في العراق وسيلة لوجستية مهمة لحماية نفوذها. رغم أن التنوع الطائفي في العراق لم يكن في لحظة من لحظات تاريخه السابق وسيلة للتفتيت.

تعتقد إيران أن وجود العرب السنة على رقعة جغرافية واسعة من هذا البلد قد يعرقل ذلك النفوذ أو يقاومه في مراحل لاحقة. لهذا وجهت أذرعها الخاصة منذ وقت مبكر بعد احتلال العراق لتنفيذ مشروع التغيير الديموغرافي، وكان التركيز على العاصمة العراقية بغداد.

والغطاء المهم والحيوي لتسهيل تنفيذ ذلك المشروع الطائفي هو “الإرهاب” ابتداء من القاعدة مرورا بحزب البعث وموالين للنظام السابق وانتهاء بداعش. ولا غرابة في أن يتم التنسيق ما بين الأدوات الإيرانية وقوات الاحتلال الأميركي في بداية الأمر.

وتحت راية الأمن تمت عمليات بناء الحواجز والسدود الكونكريتية بين أحياء بغداد، وتقسيمها طائفيا: هذا حي شيعي وذاك سني. وجرت عمليات تهجير بين تلك الأحياء “لتنقيتها” إلى جانب الحملة الواسعة لملاحقة المدنيين والعسكريين السابقين الأبرياء وتصفيتهم أو اعتقالهم وتغييبهم.

تكثفت حملة “التغيير الديموغرافي” في مناطق حيوية من حزام بغداد حيث تسكنه عشائر عربية ذات هويات طائفية مختلطة، لكن من وجهة نظر إيرانية تسمى “أغلبية سنية”.

وبعد بغداد، تم الانتقال إلى المحافظات الموصوفة بالاختلاط الطائفي لكنها مهمة من وجهة نظر المخططين للأمن القومي الإيراني مثل محافظتي البصرة وديالى، حيث تقترب بعض أقضيتهما الإدارية من الحدود الإيرانية، أما مدينة سامراء في شمالي بغداد فتكمن في أهميتها الطائفية كونها تحتضن مرقدين لاثنين من الأئمة الإثني عشر (علي الهادي وحسن العسكري) إضافة إلى موقع “الغيبة الكبرى” للإمام المهدي حسب نظرية “عودة الإمام الغائب”.

لهذا كانت هذه المدينة الهدف المنتقى من بين أهداف “التغيير الديموغرافي” في العراق، بعد احتلال داعش للأراضي العراقية الشمالية والغربية الموصوفة بـ”السنية” كالموصل وصلاح الدين والأنبار عام 2014. لكن الحملة الإرهابية الداعشية لم تدخل مركز مدينة سامراء كما دخلت الموصل وصلاح الدين مثلا لأسباب لم تتضح لحد الآن رغم “سنية” هذه المدينة.

تؤرخ سامراء لتاريخ دموي أثار الفتنة الطائفية بقوة وهو تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي وحسن في 2006-2-21 حيث خرج أبناء المدينة إلى الشوارع يبكون المصاب الجلل وسط اتهامات متقابلة حول المسؤولين عن تلك الجريمة، فالدوائر الحكومية العراقية اتهمت جماعة أبومصعب الزرقاوي لكنّ تصريحا للجنرال الأميركي جورج كيسي قائد القوات الأميركية في العراق قال بتاريخ 2013-6-22 خلال مؤتمر في باريس إن “إيران تقف وراء الهجوم وإنهم -أي الأميركان- توفرت لديهم معلومات استخبارية ومستمسكات مادية مصدرها إيران”. وأضاف الجنرال الأميركي أنهم أخبروا رئيس الوزراء العراقي حينذاك (نوري المالكي) بذلك”.

عززت إيران قراءتها لتاريخ العراق والمنطقة “طائفيا” في تردّ واسترخاص لقيمة التاريخ في خدمة الإنسانية. ولهذا لا يتردد الإيرانيون في إعلان ما يسمونه مخطط “التشييع” الكامل للعراق. ولهذا حين نستعرض ما حصل لمدينة سامراء من تشويه لتاريخها وحاضرها المنسجم مع تاريخ العراق لا نتفق مع المنظور والتفسيرات الطائفية المشاعة حاليا.

مكانة سامراء التاريخية امتزجت بعروبتها وبكون أرضها قد احتضنت مرقدي الإمامين علي الهادي وحسن العسكري. وسبق أن تعرضت سامراء للغزوات المغولية والصفوية بعد أن كانت عاصمة للدولة العربية في عهد الخليفتين المتوكل والمعتصم. واهتم العثمانيون بها وواجهوا الرغبات الإيرانية بالهيمنة “الطائفية”.

وقد أحدث انتقال المرجع الشيعي ميرزا الشيرازي من كربلاء إلى سامراء قلقا واسعا بعد تأسيسه للمدرسة الفقهية فيها، وكان نشاطها مجالا للخلافات العثمانية الإيرانية التي اعتبرت تلك النشاطات من أجل “التشيّع”.

تقول الحقائق التاريخية إن أهالي سامراء، وهم من عشائر وأسر عربية، يعتزون بانتسابهم إلى علي الهادي ومنه إلى الرسول محمد وكان لهم شرف خدمة المرقدين (السدنة) وتوارثت ذلك عائلة عربية من عشيرة البوصالح الشيخ، عبر أجيال لحين تغيير مرجعيتها من الوقف السني إلى الوقف الشيعي بعد عام 2003.

توجه اهتمام حملة التغيير الديموغرافي لهوية مدينة سامراء في اتجاهين: الأول استغلال وجود مرقدي علي الهادي وحسن العسكري لتحويلها إلى مدينة شبيهة بكربلاء والنجف والكاظمية من حيث تنظيم الطقوس والزيارات وما يتعلق بها من تنظيم أمني واجتماعي وخلق جمهور بشري استيطاني واسع يدعم تلك الطقوس.

وتمثل الاتجاه الثاني في استغلال احتلال داعش للقيام بحملات اعتقالات عشوائية دفعت العوائل لهجرة المدينة، مما ولّد مخاوف لدى أهل المدينة من “تشييعها”.

وأكدت هذه المخاوف النائبة عن اتحاد القوى نور البجاري بالقول إنّ “مظاهر التغيير الديموغرافي تتجلّى في بعض مناطق صلاح الدين، حيث لا يسمح للأهالي بالعودة إلى مناطقهم بعد طرد داعش منها، وتتركّز في سامراء، حيث تجري عمليات توطين منسّقة للشيعة في المدينة ذات الغالبية السنية”.

كما أكّدت أنّ “هناك جهات ذات علاقة بمخطط ‘التغيير الديموغرافي’ تدفع مبالغ مغرية لأصحاب المنازل والأراضي من أبناء المكوّن السني من أجل تركها ومغادرة سامراء”.

وأشار الشيخ صلاح الطه، وهو إمام أحد المساجد الكبيرة في مدينة سامراء، بتاريخ أكتوبر من عام 2016، إلى أن “ميليشيات شيعية سيطرت على المدينة وهجّرت سكانها السنة، وباتت منقسمة إلى شطرين: شطر من السنّة المهجّرين إلى أطرافها، وشطر داخل المدينة يسيطر عليه خليط من الميليشيات الشيعيّة”.

وكانت المرحلة الأخطر من المخطط هي تقطيع المدينة إلى أوصال وتقسيمها إلى منطقة شيعية تحيط بالمرقدين ومنطقة سنية بعيدة عنهما، ومرت هذه المرحلة بخطوات كان أولها محاولة شراء وتملك المنطقة المحيطة بالمرقدين وتحويلها إلى أشخاص شيعة مستقدمين من خارج المدينة ليستقروا فيها، مع دفع مبالغ عالية في الأملاك. وكان للتدخل الإيراني في المدينة دور مهم في حملة التشييع.

وأفادت مصادر من داخل المدينة بأن رؤساء العشائر في سامراء يواجهون ضغوط السفير الإيراني في العراق ببيع عقاراتهم لمؤسسات إيرانية، ويقال إن الخطة تستهدف تقويض سلطة مقتدى الصدر وسرايا السلام في المدينة عن طريق الاستيلاء على محيط المرقدين إضافة إلى حملات تسيير الوفود الإيرانية لزيارة المرقدين وإظهار الطقوس الشيعية.

ولا تخلو زيارة لمسؤول إيراني من التوجه إلى سامراء خلال جولته في العراق هذا بالإضافة إلى الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه إيران لإعادة بناء المرقدين.

6