سامسونغ تلحق برئيسها إلى المستشفى

تسببت كارثة “غلاكسي نوت 7” في الكشف عن تفكك داخلي يسير بوتيرة متسارعة. وستسبب هذه الفضيحة المدوية في خسارة المساهمين في الشركة لأكثر من 5 مليارات دولار، لكنها أيضا قد تعطي دفعة جديدة لهواتف هواوي وغوغل، وتعيد ترتيب أوراق سوق الهواتف الذكية من جديد.
الثلاثاء 2016/10/25
إنعاش الشركة سيتطلب وقتا

لندن - أطلق عليه الكثيرون اسم “قاتل آيفون”. وبدلا من ذلك، فقد اشتمل “غلاكسي نوت 7” من شركة سامسونغ على بذرة فنائه. وتسبب الجهاز في البعض من الدمار على إثر انفجار أجهزة الهاتف التي يصل سعرها في السوق إلى 900 دولار.

وفي الأيام التي تلت وفاته المبكرة الأسبوع الماضي، اختفى جزء من القيمة السوقية للشركة مقداره 23 مليار دولار.

وتتوقع سامسونغ أن الكارثة ستُكلّف المساهمين 5.3 مليار دولار من الأرباح التشغيلية الضائعة حتى الربع الأول من العام المقبل.

وبالنسبة إلى الضرر الذي لحق بالعلامة التجارية، يقول ريتشارد ويندسور، مؤسس شركة الأبحاث المستقلة “راديو فري موبايل”، “نحن في أرض مجهولة”.

وبدأت المشكلات عندما ظهرت تقارير عن أجهزة “نوت 7” المعيبة أول مرة، بعد فترة قصيرة من إطلاق الجهاز في أغسطس الماضي.

وتحركت سامسونغ للإلكترونيات بسرعة وربطت المشكلة بالبطاريات واستبدلت مورِّد البطاريات.

وبعد ذلك تم شحن الأجهزة البديلة، لكن ميل المنتج للاحتراق عفويا، استمر. وهنا تدخلت وكالات المستهلكين الأميركية والكورية وحظرت شركات الطيران أجهزة الهاتف. وتحولت مشكلة مألوفة للكثيرين في الصناعة إلى معضلة ذات أبعاد أكبر بكثير.

ومع أن سامسونغ تعرّضت للهجوم بسبب عملية الاستعادة التي نفذتها على مرحلتين، إلا أن الكثير من المحللين يشيرون إلى مشكلات البطارية عندما تعمل الأجهزة بشكل سيء.

وأخفقت “سوني” و”ديل” و”دريملاينر 787” من بوينغ، وشركات أخرى تعمل في تصنيع البطاريات والأجهزة الإلكترونية الداخلية للهاتف، جميعها في ما يتعلّق ببطاريات أيون الليثيوم.

البطاريات نفسها لم تعد هي المتهم. الأجهزة أو البرمجيات ذات العلاقة هي المعيبة، وهي التي تؤدي إلى حدوث ماس كهربائي

وفي الوقت الذي تستمر فيه سامسونغ ووكالات المستهلكين في التحقيق بالسبب، يبدو من المرجح الآن أن البطاريات نفسها لم تعد هي المتهم، وأن الأجهزة أو البرمجيات ذات العلاقة هي المعيبة، وهي التي تؤدي إلى حدوث ماس كهربائي.

ويقول نيكولاس باراتي، رئيس أبحاث التكنولوجيا في شركة السمسرة “سي إل إس آيه”، “هناك الآلاف من المكونات إذا أردنا أن نذهب إلى التفاصيل الصغيرة. جديا، أشياء تكلّف عشرة سنتات أو دولارا للقطعة”.

ومع ذلك، سلطت هذه الحادثة الضوء على قضايا أكبر، ليس فقط بالنسبة إلى الشركة. فسامسونغ للإلكترونيات، التي تملك رأس مال سوقي يزيد على 200 مليار دولار ومبيعات سنوية بلغت العام الماضي 177 مليار دولار، هي عِماد اقتصاد كوريا الجنوبية.

ويقول بارك جو جيون، رئيس مجموعة أبحاث الشركات “سي إي أو سكور”، إن “سامسونغ وكوريا الجنوبية تتشاركان المصير نفسه الآن، نظرا إلى تأثير الشركة الكبير على الاقتصاد”. وأضاف “الكارثة ستُضعف الصادرات حتما”.

وتنقل مجموعة سامسونغ، التي تبني كل شيء من السفن إلى أشباه الموصلات، خُمس صادرات البلاد من حيث القيمة وتُشكّل القدر نفسه تقريبا من الاقتصاد.

وحتى بعد الهجوم عليها الأسبوع الماضي، تُمثّل سامسونغ للإلكترونيات 17 بالمئة من مؤشر كوسبي القياسي في سول. وبدأت ملامح الضرر تظهر من وقتها. وحذر لي جو يول، محافظ البنك المركزي الكوري، من أن الحادثة هي من بين العوامل التي تلقي بثقلها على الاقتصاد.

وتظهر بيانات حكومية أن صادرات كوريا الجنوبية من الهواتف المحمولة والمكونات انخفضت بـ34 بالمئة في سبتمبر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

انكشاف سامسونغ

انكشفت البعض من العيوب في هاتف “نوت 7” لها أوجه تماثل عبر الأعمال في كوريا الجنوبية. ويقول محللون إن هناك قضايا مماثلة اجتاحت قطاع البناء وقطاعات صناعية أخرى، في مجالات مثل إدارة سلاسل التوريد وضبط الجودة. وقالوا إن الأمر الذي له تبعات سلبية للغاية، هو أن ذلك يؤثر أيضا على القيادة داخل الشركات.

نيكولاس باراتي: المشكلة تكمن في آلاف المكونات إذا أردنا أن نذهب إلى التفاصيل الصغيرة. أشياء تكلف عشرة سنتات، أو دولارا للقطعة

خطأ الشركة، وفق بعضهم، كان تصميمها على كسب ميزة غير متوقعة على أبل، من خلال الإسراع إلى السوق قبل إطلاق عدوها “آيفون 7” في سبتمبر.

وتنفي سامسونغ ذلك قائلة “يتم تحديد توقيت إطلاق أي منتج جديد بناء على الانتهاء السليم لعملية التطوير وجاهزية المنتج للسوق”.

لكن الجدول الزمني الضيّق منح المهندسين وقت اختبار غير كاف، كما يقول كيم سانغ جو، أستاذ الاقتصاد في جامعة هانسونغ، وأحد داعمي إصلاح نظام تكتلات الشركات العائلية. ويقول “اتخاذ القرار من الأعلى إلى الأسفل لم يسمح لها بأي نوع من التغذية الراجعة من مهندسيها في عملية التطوير”.

ويضيف تشانغ سي جين، أستاذ إدارة الأعمال في الجامعة الوطنية بسنغافورة، ومؤلف كتاب بعنوان “سوني في مقابل سامسونغ”، إن “العاملين يتحركون في الشركة بتناغم، دون إثارة أي أسئلة بعد أن يتلقوا أمرا من الأعلى. وبالتالي كان عليهم الإنجاز قبل الموعد النهائي حتى وإن كانوا يحتاجون إلى المزيد من الوقت من أجل التحقق من الجودة”.

وعلى الرغم من الإنكار، إلا أن ذلك لا يزال يمثل إدانة صريحة لشركة تنتج نحو 300 مليون هاتف ذكي سنويا. وقد يُسلّط الضوء أيضا على السلبيات فيما أصبح عملية أكثر تكاملا رأسيا: سامسونغ، مثل أقرانها، أصبحت خلال الـ18 شهرا الماضية تنتج الكثير من المكونات داخل الشركة.

وفي كل الأحوال من المتوقع أن تُنفّذ سامسونغ اختبارات وضبط جودة أكثر صرامة في المستقبل. كما يتوقع الكثير من المحللين واللاعبين في الصناعة سقوط البعض من الرؤوس، وربما فصل كوه دونغ جين، رئيس أعمال الهاتف الخلوي. لكن سامسونغ تقول إن هذا الأمر ليس قيد النظر.

وكان كوه قد تم تعيينه في ديسمبر الماضي ليحل محل شين جونغ كيون، الذي عزّز نجاح سلسلة غلاكسي باعتباره رئيس اتصالات الهاتف الخلوي منذ العام 2009. وكان كوه قد نال الاستحسان لتوجيهه انعطافا جذريا ناجحا للقسم.

ومع ذلك، يعتقد بعضهم أن المسؤولية تصل إلى أعلى السلسلة. ويقول تشونغ سون سوب، رئيس مجموعة تحليل الشركات “تشيبول”، إن القيادة تضعضعت منذ دخول رئيس مجلس الإدارة، لي كون هي، إلى المستشفى في مايو 2014. ويضيف “سامسونغ كمنظمة أصبحت أكثر تفككا. الأمر نوعا ما كان مثل سفينة تنجرف من دون قبطان. هذا النوع من الأزمة كان متوقعا للشركة العائلية الكورية التي تميل إلى الاعتماد على قيادة رجل واحد”.

ويتابع “لي جاي يونغ (وريث لي) لا يزال مطالبا بتعزيز سيطرته على المجموعة ومواجهة معركة شاقة لكسب ولاء العاملين والاعتراف الاجتماعي بقدرته الإدارية. كما يحتاج لأن يصبح قائدا مسؤولا أكثر وضوحا لاستعادة ثقة المستهلكين في سامسونغ”.

ويقول آخرون إن الشركة تغيّرت على مدى العام الماضي. ويستشهد أحد المحللين بإنجونغ ري، كبير الإداريين للتكنولوجيا لقسم الهاتف الخلوي. فهو بشعره الطويل وتحدّثه الإنكليزية بطلاقة بعيد كل البُعد عن كونه موظفا نموذجيا في شركة عائلية. ويقول “هذا يُخبرنا شيئا عن التطوّر الذي يحدث في الداخل”.

نوت 7 يجلب المشاكل لسامسونغ

وكانت الشركات المنافسة لسامسونغ تراقب تطور الأحداث باعتبارها حكاية تحذيرية، تغلب عليها الشماتة، وبعضها يرى فرصة في حدوث ذلك.

وأظهر استطلاع للرأي على موقع “Sammobile.com” أن 40 بالمئة من المشاركين على استعداد لاستخدام علامة تجارية أخرى في أعقاب زوال جهاز “نوت 7”. ويُنظر إلى تلك الخسارة على نطاق واسع على أنها ربح لأبل.

ويقول رونان دي رينيسي، الذي يقود أعمال التكنولوجيا الاستهلاكية في شركة أفيوم الاستشارية، “من سيستفيد؟ الرقم واحد بالتأكيد هو أبل”.

ويُضيف أن “غلاكسي نوت 7” كان صغيرا من حيث الحجم – مع ما يُقدّر بعدد زبائن يبلغ 10 ملايين- لكنه كبير من حيث القيمة. ويحسب محللو “آر بي سي كابيتال ماركيتس” أنه إذا تحوّل خمس زبائن “نوت 7” الـ2.5 مليون الأصليين إلى جهاز آيفون الجديد، فإن هذا يضيف إلى مبيعات أبل 400 مليون دولار. وعلى افتراض أن جزءا مماثلا من زبائن “نوت 7” الـ10 ملايين المتوقعين سابقا تحوّلوا أيضا في الأشهر القليلة المقبلة، فهذا من شأنه إضافة من 1.5 إلى 1.7 مليار دولار أخرى لخزائن أبل في الربع الرابع.

وعلى غير العادة بالنسبة إلى مثل هذه السوق التنافسية، لم تستغل أبل مصائب منافستها اللدودة أثناء إطلاق أحدث جهاز آيفون، بعد أيام فقط من الاستعادة الأولية لجهاز “نوت 7” في منتصف سبتمبر.

أبل ليست المستفيد الوحيد

وكانت هواوي، شركة التصنيع الصينية التي تُعتبر رقم ثلاثة في مجال الهواتف الذكية وتقوم بحملة منظمة في سوق المنتجات المتميزة، متحفّظة بالمثل.

ويعتقد باراتي أن الصراع والوقت المتعلّقين بنقل العناوين والبريد الإلكتروني وكل شيء آخر إلى نظام تشغيل أبل، يدلان على أن الذين لم ينقلوا سوف يختارون التحول إلى مستخدم آخر لنظام أندرويد. ويقول “الاستنتاج بأن أبل هي المستفيد الرئيس، خطأ”.

وتعمل هواوي أيضا على نظام أندرويد، لكن باعتبارها من القادمين الجدد إلى السوق، فإنها قد تكافح لإنتاج عدد أجهزة كاف وبسرعة كافية. ووفقا لبيانات الشحن، تشحن سامسونغ 2.7 جهاز مقابل كل جهاز لهواوي.

وتشير الشائعات على الإنترنت إلى أن هواوي تعتزم كشف النقاب عن إصدار جديد من الهاتف الذكي “فابليت ميت” الخاص بها، وهو هاتف ذكي بحجم أكبر يتنافس مع جهاز نوت. وتظهر الصور المسرّبة -غير المؤكدة من قبل الشركة- الجهاز مع شاشة منحنية مثل “نوت 7”، الأمر الذي يساعد في جعل الجهاز يبدو أنحف. ويقول دي رينيسي إن هاتف بكسل من غوغل، المقرر أن يصدر للبيع في وقت لاحق من هذا الشهر، قد يستفيد أقل مما يتوقعه بعضهم، لأن المنتج ليس متوافرا على نطاق واسع.

ويُشير محللون إلى أن سامسونغ كبيرة فوق الحد على نحو يجعل من غير الممكن التنازل عن حصة دون قتال. واستنادا إلى أرقام العام الماضي، تستمد نصف مبيعاتها من قسم الهاتف المحمول لكن 38 بالمئة فقط من الأرباح، بينما تملك أشباه الموصلات هامش الربح الأكبر.

لكن أحجام مبيعاتها من الهاتف المحمول مكّنتها من كسب هوامش ربح قوية بنسبة 10 إلى 12 بالمئة على الأجهزة العاملة بنظام أندرويد، كما يقول ويندسور. ومع 68 مليار دولار من النقدية في ميزانيتها العمومية في نهاية يوليو، فهي تملك قدرة كبيرة.

وقد تعمل دورات الحياة القصيرة المذكورة لصالحها هذه المرة. ويُشير دي رينيسي إلى أن نحو 80 بالمئة من مبيعات الهواتف الذكية المتميزة تتحقق في الأشهر الستة الأولى بعد الإطلاق. وإذا تمكّنت سامسونغ من إثبات أن “نوت 8” خال من المشكلات، فإن العلامة التجارية يمكن أن تعود بسرعة إلى اللعبة.

وتقول لويز لوكاس، المحللة التكنولوجية في صحيفة فاينانشيال تايمز، “المستهلكون قد يطالبون بالمزيد من الذاكرة في هواتفهم، لكن ذاكرتهم هم أنفسهم قصيرة وينسون بسرعة. لكل جهاز قابع في مقبرة الهواتف الذكية -أجهزة نوكيا، وبلاك بيري، وأمازون فاير- هناك عدد من العلامات التجارية الأخرى التي تراجعت، لكن عاد إليها المشترون بسعادة بعد ستة أشهر”.

13