سامية بكري: أكتب عن نفسي كآخر

رغم أن تجربتها في مجال الكتابة الأدبية حديثة العهد، لم تتجاوز أربع سنوات، إلا أن الكاتبة الصحافية والأديبة سامية بكري استطاعت أن تحفر لها مكانا بارزا في الساحة الأدبية منذ عملها الروائي الأول “ونسة” الصادر عن دار روافد 2014، والذي حظي بإشادة نقدية كبيرة وبقبول واسع من قبل الكتاب والقراء على حد سواء، لتتبعه في ما بعد بمجموعتها القصصية “رقصة مؤجلة” الصادرة في ديسمبر 2015، وتواصل مشوارها الإبداعي الذي أرجأته سنوات عدة. “العرب” التقت الكاتبة في حديث حول الكتابة وعوالمها.
الجمعة 2016/04/08
أكتب عن العالم المحيط بي

سامية بكري، كاتبة صحافية مصرية وأديبة، صدر لها في العام 2010 كتاب ساخر بعنوان “ظرفاء الفيسبوك” عن دار العين، وفي ما بعد صدرت رواية “ونسة” التي تناولت فيها أزمة العنوسة في المجتمعات العربية وما تعاني منه السيدات من وحدة وقهر اجتماعي، لتتبعها بمجموعة قصصية تغوص في عوالم المرأة ومشكلاتها بعنوان “رقصة مؤجلة”.

قرار مؤجل

تتحدث سامية بكري عن مشوارها الإبداعي الذي بدأته متأخرا بعد قرارات ظلت مؤجلة لفترة طويلة قائلة “بدأت الكتابة الإبداعية في شكل قصص قصيرة وقصص قصيرة جدا أثناء دراستي في الجامعة، وبعد تخرجي لم تكن لدي الجرأة الكافية لنشر ما أكتبه، ولكني كنت متابعة جيدة للحركة الأدبية والنقدية طوال هذه الفترة”.

وتتابع بكري “عملت بالصحافة التي أطلقت فيها الكثير من طاقات الكتابة سواء من خلال الكتابة في الأقسام الأدبية أو في أسلوب الكتابة نفسه، وفي العام 2010 نشرت أول كتاب لي بعيدا عن الكتابة الصحافية بعنوان “ظرفاء الفيسبوك”، وهو كتاب توثيقي تحليلي لكتابات الشباب الساخرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، والذي يسخرون من خلاله من الأوضاع السياسية والاجتماعية وغيرها، حللت كتاباتهم ورصدتها قبل الموجة الساخرة التي انتشرت بعد الثورة، ولكن تعطل نشر الكتاب بعد الثورة فأضفت له بعض الأشياء تباعا”.

وتستطرد بكري “في ما بعد انضممت إلى ورشة الكتابة الإبداعية ‘الحكاية وما فيها’ للأديب محمد عبدالنبي، والتي درست من خلالها تقنيات القصة القصيرة، الأمر الذي أعطاني دفعة كبيرة لأن أنطلق في الكتابة خاصة أن مشروع التخرج من الورشة كان يشترط كتابة قصة قصيرة، وفي هذا الإطار كتبت قصة قصيرة بعنوان ‘ونسة’ حازت قبولا جيدا وحصلت على المركز الأول في جائزة إحسان عبدالقدوس، بعد ذلك جاءتني فكرة تحويلها إلى رواية، كانت الفكرة تقبل ذلك التحويل الذي عملت من خلالها على إضافة المزيد من الشخصيات ومد الفترة الزمنية وتغيير النهاية، فالقصة كانت تنتهي بدخول البطلة إلى مستشفى الأمراض النفسية، في الرواية قررت أن تتعافى ونسة وتبدأ حياة جديدة وتدرس وتدخل في مشاريع جديدة، وهو ما خلق منها فتاة مكافحة تتغلب على قيود المجتمع والمشاكل النفسية التي عانت منها”.

القصة حصلت على المركز الأول في جائزة إحسان عبدالقدوس

وعن الانتقادات التي توجه إلى فكرة الورش الإبداعية تقول بكري “فكرة انتقاد الورش الإبداعية لا محل لها، هي ضرورة لتنمية المواهب، فكل موهبة تحتاج إلى دراسة لتصقلها لأنها بذرة تحتاج إلى رعاية عن طريق تعلم القواعد والتقنيات التي تساهم في خروج الموهبة بشكل أفضل”.

وفي ما يتعلق بتأثير عملها كصحافية على الكتابة تقول “عملي في الصحافة أفادني بالاختزال في الكلمات والأوصاف، فأكتب كل ما أريده في أقل عدد من الكلمات، فضلا عن تأثير الخبرات في الأماكن ومع الشخصيات المختلفة التي التقيت بها والتي أضافت لي في مجال الكتابة”.

وفي ونسة يكتشف قارئ الرواية بعد عدد من الصفحات أن الراوي ليس البطلة ونسة ولكنه الفأر الذي قررت ونسة أن يعيش معها ويؤنس وحدتها، ليكتشف القارئ بمرور الأحداث في الرواية أن ذلك لم يكن سوى حيلة سردية، إذ أن توحد البطلة مع الفأر جعلها تتقمص شخصيته وعواطفه وتتكلم بلسانه، وعن هذا الاختيار لطريقة السرد تقول بكري “فكرة السرد على لسان فأر أو حيوان بصفة عامة ليست جديدة، فقد استخدمها الكثير من كبار الكتاب مثل خيري شلبي الذي كتب رواية كاملة يرويها كلب، وكافكا استخدم الحيوانات كرواة أيضا، وغيرهم، بالنسبة إليّ أوحيت أن الراوي فأر لكن في ما بعد يتضح أن البنت متقمصة حال الفار من فرط تماهيها معه، حالة التشابه في الوحدة والنبذ الاجتماعي بين الفأر وبطلة الرواية جعلته البطل الثاني الأمثل في الرواية”.

المشجع والمنفر

اتهامات عدة تكال لكل كاتبة تكتب عن عالمها الخاص من النساء، منها اتهامات بالتحيّز وضيق الأفق وغيرها، حيث تقف سامية بكري في كتاباتها في صف الأنثى ضد الرجل، شخوص روايتها نساء مقهورات سواء من قبل المجتمع أو الرجل، يحاولن الخروج من دائرة القهر، في حين توجه الاتهامات دوما إلى الرجل على أنه السبب وراء الكثير من المشاكل، وهنا تلفت بكري إلى أن التصنيفات في الأدب لا تستهويها، فالمبدع إنسان يكتب عن إنسان مثله سواء كان رجلا أو امرأة، وكل مبدع يكتب عن العالم الأقرب إليه، قائلة “أكتب عن العالم المحيط بي، وعن النماذج التي أراها سائدة، ولكن ليس ذلك خطا مقصودا في حد ذاته، سأتنازل عن ذلك حينما تقتضي الفكرة ذلك، وفي كل الأحوال الأهم هو أن تكون الكتابة جيدة سواء كانت عن الرجل أو المرأة”.

مجموعة تغوص في عوالم المرأة ومشكلاتها

وعن الأفق الذاتي في الأدب والحدود التي يتعين على الكاتب أن يضعها بين الذاتي والموضوعي في أعماله تقول ضيفتنا “أكتب عن الآخر كأنما أكتب عن نفسي وأكتب عن نفسي كأنما أكتب عن الآخر، تلك جملة أحاول أن أتبعها دوما في كتاباتي. أن أرصد الآخرين في أعمالي فأكتب عنهم كأنما أكتب عن نفسي وأتقمصهم تماما، لا يمكن وضع حدود صارمة بين ما هو ذاتي وموضوعي، الذاتية موجودة في العمل في بعض تفاصيله وليست في الشخصية الرئيسية بالضرورة”.

وتقول بكري إنها لا ترى نفسها في كاتب بعينه، لكنها تحب أن تقرأ للكثيرين مثل ساراموجو وخوان مياس ومحمد المنسي قنديل ومحمد المخزنجي، ومن الجيل الجديد محمد عبدالنبي ومحمد ربيع، فضلا عن أعمال أشرف الخمايسي ومنى الشيمي ونائل الطوخي. وتتحدث عن الألم ودوره في تحفيز الإبداع قائلة “قدر الإنسان أن يتألم، وبالطبع الألم قادر على أن يخرج من كل إنسان طاقات إبداعية كبيرة، يحتاج المبدع إلى أن يعلق آلامه على جدران الذاكرة كي يسجلها ويلتقطها في كتاباته، فالألم أكبر محفز على الكتابة والإبداع”.

وعن الجوائز ودورها تقول “الجوائز مهمّة في استشارتها لعمل أو أديب معين، لكنها بالطبع لا تصنعه، الجوائز تعطي للكاتب دفعة معنوية كبيرة، وفي النهاية الحكم للقارئ الذي سيختار الأعمال الأقرب إلى ذائقته”.

وتعمل بكري في الفترة الحالية على رواية جديدة بطلاتها مجموعة من النساء يعانين من مشاكل مختلفة، كما أن لديها فكرة لرواية أخرى ستعمل عليها لاحقا ستتنازل فيها عن دور المرأة البطلة في مقابل الرجل الراوي الذي يرصد علاقته مع النساء.

وترى بكري أن الحالة الثقافية في مصر الآن فيها ما هو مبشر وما هو منفر، فمن الأشياء الجيدة الظاهرة على الساحة وجود جيل من الكتاب يتحدى الأنماط الثابتة لثورة تواكب معها جيلا ثوريا في الكتابة وتلك من الأشياء المبشرة، ولكن على الجانب الآخر هناك الكثير من القيود المفروضة على الإبداع بشكل يدعو إلى الدهشة والاستغراب، آخرها الحكم على الكاتب أحمد ناجي بالسجن بتهمة خدش الحياء.

15