سامية حلبي مقدسية فاجأت دافنشي بعشائها الأخير

السبت 2015/02/28
الفنانة القادمة من خمسة عقود من الرسم

“خمسة عقود من الرسم والابتكار” هو عنوان معرضها الاستعادي الذي تشهده بيروت هذه الأيام. وهو عنوان يخلص إلى حقيقة ما فعلته الفنانة وهي تمزج مغامرة حياتها الشخصية بقوة الخلق الإبداعي الذي كان يحضر دائما من جهة الابتكار. شيء من الزمن تحمله الخفة إلى منطقة، يكون فيها الخلق الفني نوعا من اللعب.


تقنيات تفاعلية


فنانة من نوعها كان هاجسها يقع في منطقة هي ليست وسطا محايدا بين التيارات الفنية لم تجد حرجا في طرح قضية شعبها المصيرية من خلال أكثر تقنيات التصوير الرقمي “ديجتال” حداثة وهي تقنية قد يعتبر البعض استعمالها نوعا من الغلوّ في محاباة الفن المتجرد من السياسة على حساب السياسة المباشرة التي لا تخدمها من وجهة نظر ذلك البعض إلا الأساليب الواقعية في الرسم.

كانت تجاربها في الفن التفاعلي التي “ترسم أمام الجمهور، مباشرة أو من خلال الحاسوب” بمثابة إعلان عن انفصالها عن كل مفهوم تقليدي للفن كما نعرفه، كذلك كان موقفها السياسي مشحونا بطاقة غامضة، تقدم الجمال المنسي والمفقود والمنتهَك على الشعارات والهتافات التي لا تقول شيئا أكبر من مساحتها الضيقة.

ابنة القدس التي جاءتنا فنيا من الغرب بعد أن تمّ تكريسها فنيا هناك لم يهبها الغرب إلا طريق الشهرة التي لن تقبض عليها إلا أقلية فذة، أما إلهامها فقد ظل مشرقيا وهي التي تصر على القول “إن العرب هم الذين اخترعوا التجريد”.

وهي إذ تؤكد أنها فنانة قضية شعب، لكن بطريقة خاصة، فإنها تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق فنانة فلسطينية مثلها، عاشت عمرها كله في المنافي، يعذبها حرصها على أن تحافظ على هويتها ويضعها الأقربون في ملف اللقى الملغزة.

سامية حلبي كانت في معرضها الحالي الذي تحتضنه بيروت ابنة خمسة عقود من الرسم المتمرد، غير أنها في الوقت نفسه كانت ابنة أكثر من ستين سنة قضتها الرسامة وهي تتنقل بين المنافي، بعيدا عن وطن لم تعش فيه سوى عقد ونيف من السنوات وغادرته مطرودة.

تجارب حلبي في الفن التفاعلي التي ترسم أمام الجمهور مباشرة أو من خلال الحاسوب، بمثابة إعلان عن انفصالها عن كل مفهوم تقليدي للفن كما نعرفه


كل الطرق تقود إلى القدس


ولدت حلبي في القدس عام 1936 وطُردت منها صغيرة كما من كل تراب فلسطين عام 1948 من غير أمل في العودة. كانت بيروت وجهة تشردها الأولى، غير أن العائلة كانت قد قررت أن تعدّل البوصلة لتكون الولايات المتحدة هي المنفى المؤقت الذي سيلتهم أعمارا نضرة من غير أن يكف عن كونه مؤقتا. درست حلبي الفن هناك ودرسته في غير كلية من كليات الفنون. في سبعينات القرن الماضي انتقلت إلى نيويورك لتقيم هناك وتعمل وتعيش في وسط لن يذكّرها بمجتمع بعينه. غير أن صلتها بالعالم العربي لم تنقطع، فكانت بين حين وآخر تقيم معرضا في هذه المدينة العربية أو تلك. من الطبيعي أن تكون بيروت المدينة الأكثر حظوة في احتضان أعمال حلبي، فلها التأثير العاطفي الأقوى حيث لا تزال ثلاث سنوات من الحنان عاشتها حلبي في بيروت عالقة في طريق الحنين إلى القدس. يلتبس الأمر عليها الآن. فهي فلسطينية من جهة هاجسها الداخلي الذي ستمزج فيه الحنين بالألم وهي عالمية من جهة مشروعها الفني الذي تخطى اليوميات الشخصية. وهو ما أضفى على تجربتها الفنية نوعا من الألم المصحوب بلذة الكشف. هذه رسامة نذرت نفسها للجمال الخالص، من غير أن تنسى أن هناك شعبا من الأطفال يقف في انتظارها، هو الشعب الذي يكرر صورتها في مرآة الزمن.

لا تحتاج حلبي إلى النبش لتستعيد مفردات ذاكرتها التي هي جزء من ذاكرة شعبها. شيء من تلك الذاكرة كان ينبعث في كل لحظة رسم. لم تضعها الشهرة على ضفة أخرى غير تلك الضفة التي اختارت مبكرا أن تقف عليها في وقت مبكر.ضفة شعبها المنفي مثلها منذ عقود.

صحيح أنها تقاتل بطريقة مختلفة كأجمل المقاتلات وأكثرهن رفعة. وصحيح أيضا أنها لا ترى مصيرها إلا معلقا بين طرفي معادلة لن يكون أحدهما بديلا عن الآخر، الوطن والفن، القضية والجمال. غير أن الصحيح المختلف هو ما انتهت إليه حلبي خلاصة لحياتها المتشظية كما لو أنها لم تكن واحدة يوما ما. الفن باعتباره وطنا والجمال باعتباره قضية. في الحالين كانت فلسطين حاضرة في مفهومي الفن والجمال.

ابنة القدس التي جاءتنا فنيا من الغرب لم يهبها العالم إلا طريق الشهرة التي لن تقبض عليها إلا أقلية فذة، أما إلهامها فقد ظل مشرقيا وهي التي تصر على القول 'إن العرب هم الذين اخترعوا التجريد'


ليوناردو الفلسطيني


حولت سامية حلبي لوحة دافنشي العشاء الأخير إلى عمل تجريدي. ما من شيء في ذك العمل يعيدنا إلى الواقعة الدينية بمفرداتها التي صارت نوعا من الأسطورة. غير أن المفردة شيء وإيحاؤها شيء آخر. وهو الأمر الذي أتبعته مغمضة العينين لتراهن على البراءة كما تقول وهي لا تنظر إلى الماضي بغضب. براءة المجتمع العربي التي لا تزال تحملها معها مثل لقية من طفولتها الغامضة. هل أقول لها “إن العالم تغير سيدتي من غير أن يغادر المدعوّون الذين تعرفينهم المائدة الإلهية” ما كان براءة صار نوعا قاتلا من السذاجة القاتلة.

ولكن حلبي لا تصدق دائما ما يقوله الواقع. لا تصدق أخبارنا التي تصلها مغلفة بالأسى والمرارة. إنها ابنة خيالها التجريدي الجامح الذي يعود بها إلى أزمنة مختلفة، وهو ما يحرك في أعماقها ذائقة جمالية حرصت على أن تكون ميزانها في التعرف على الحقيقة. ها هي تحضر بغبطة ليوناردو تجريديا. هو ليوناردو الذي يذهب بمائدة مسيحه إلى فلسطين، حيث العشاء الأخير الذي اقترح مصيرا شرقيا من جهة إيحائه التجريدي.

أتحلم سامية حلبي بعشاء أخير من غير مريدين، من غير خيانة يهوذا الذي كان فلسطينيا هو الآخر؟ ليوناردو الفلسطيني لا يتهم أحدا بعينه بخيانته. نزعتها الجمالية تُوقع المسيح في متاهة أوهامه. تصر سامية حلبي على أن نزعتها التجريدية لا تخون الواقع. أين تقع الحقيقة؟ ليوناردو الفلسطيني هو المقابل الموضوعي لسامية الأميركية.

حلبي تعيش فلسطينيتها كما لو أنها آخر الكائنات التي تقف والتي تحن إلى العودة. العودة إلى فلسطين باعتبارها الوطن الذي لا بديل عنه


تقيم في الفن كما لو أنه وطن


سامية حلبي هي رسولة جمال خالص. غير أن إخلاصها لذلك النوع النقي من الجمال لم ينسها جمالا منتهَكا، عاشته خياليا وهي تتلمس طريقها في الحلم إلى وطن، تعرف أنها لن تصل إليه. فمنذ أن صار الرسم وطنها الشمولي الشاسع كفّت عن البحث عن وطن بديل لن يكون سوى صورة مستنسخة عن وهم، لا يرى فيه الأقربون شيئا أفضل مما يراه الأبعدون. لذلك اختارت سامية حلبي أن تلعب على أوتار الوقت مثلما تجهد نفسها في تبديل مواقع أحجار المكان، ليحل حجر محل حجر آخر، من غير أن يكون هناك شيء مؤكد وحقيقي. ما فعلته حلبي في منفاها كان قد أضفى على فكرتها عن الجمال خيالا مختلفا، هو الخيال المستلهم من حياة لم تعشها على المستوى الواقعي. حياة ستكون مفرداتها دائما جزءا من نسيج العيش الضروري.

تعيش حلبي فلسطينيتها كما لو أنها آخر الكائنات التي تقف والتي تحن إلى العودة. العودة إلى فلسطين باعتبارها الوطن الذي لا بديل عنه. لم تفشل حلبي في الإقامة في الفن كما في نيويورك ومن قبلها ميشغان، غير أن الإقامة في فلسطين تظل شيئا آخر.

يحق لها أن تقول “لقد وهبتكم فلسطين كما حلمت بها” غير أن فلسطينها الحقيقية تقع في مكان آخر. مكان لا تراه تجريديا كما هي رسومها.

14