سامي الشاطبي: الأدب يخوض رحلة مروعة من الورق إلى العالم الرقمي

كاتب يمني يرصد المعاناة عبر قصص وروايات تغلب عليها اللغة الساخرة.
الثلاثاء 2021/01/12
اليمن أرض حكايات خصبة (لوحة للفنان نزار مظهر)

في الظروف الإنسانية القاسية التي تخلفها الحروب والنزاعات يكون الأدب شأنه شأن الفنون الإبداعية الأخرى وسيلة لترميم الروح البشرية وإعادتها إلى صوابها الإنساني وتوازنها الفكري والعاطفي، وهذا ما يسعى إليه الكثير من الأدباء اليمنيين اليوم. وربما ما يستجد في بلد عرف صراعات مريرة ومتعاقبة، هو أن جنس الرواية بات متصدرا أجناس الأدب التي تحاول تجاوز آثار الدمار، رغم الحصار الذي يتعرض له. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي اليمني سامي الشاطبي في إطلالة على واقع الكاتب والكتابة في اليمن اليوم.

في تجربة إبداعية ممتدة لأكثر من عقدين استطاع القاص والروائي اليمني سامي الشاطبي أن يترك بصمة في المشهد الثقافي اليمني، الذي اقتحمه كما يقول لـ”العرب” منذ وقت مبكر كأصغر كاتب قصة يكتب وينشر قصصه آنذاك.

وعن تجربته المغايرة تلك يقول الشاطبي “بالتأكيد كانت ومازالت تجربة مروّعة، مروعة لأن المشهد الثقافي شهد أثناءها انتقالا حادا إن جاز لي الوصف من عوالمه الورقية إلى عالم الفضاء الإلكتروني”.

ويضيف “نحن محظوظون، لأننا آخر جيل ربما عاش اللحظات السعيدة للثقافة الصادرة من ينابيعها الأصلية التي يتصدر فيها دور الورقة والقلم، الكتاب الورقي والصحيفة الورقية، لكن لم نكن محظوظين عند حلول عالم الثقافة الفضائية الإلكترونية، لأننا لم نتمكن إلا بصعوبة بالغة وخلال وقت طويل نسبيا من استيعاب تلك المتغيرات وتحقيق الانتقال غير السلس إلى العالم الإلكتروني. لقد انضممنا أخيرا إلى هذا العالم، ولكنه الانضمام المتأخر جدا، حيث سبقنا من ليست لهم علاقة بالثقافة وأشاعوا منتوجهم على أنه ثقافة”.

ثقافة مشلولة

سامي الشاطبي: الرواية صوت مؤثر وقوي تقف بثقة في مواجهة التخلف
سامي الشاطبي: الرواية صوت مؤثر وقوي تقف بثقة في مواجهة التخلف

يقلل الشاطبي من انعكاسات الحرب على المشهد الثقافي اليمني، حيث يقول في حديثه لـ”العرب” إن اليمن شهد طيلة ألف عام على سبيل المثال أكثر من 200 حرب تقريبا، بمعدل حرب واحدة كل خمسة أعوام.

ويضيف “الحرب من منطلق هذا الإحصاء المؤكد افتعال متكرر في حياة اليمنيين، فحربنا هذه التي اندلعت مطلع العام 2015، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وانعكاساتها تجلت في شلّها للمؤسسات الثقافية وانكشاف صورة ما كان يظنه القارئ مثقفا كونيا. صورة مثقف محصور في عالم القرية، مؤطر ومؤدلج سياسيا وحزبيا لا يحمل سوى تنظيرات متلونة، بالطبع لا يسري هذا على الجميع بل على الأغلب”.

وعن واقع المشهد الثقافي بعد حوالي ست سنوات من الحرب والصراع السياسي المحتد، يؤكد الشاطبي بعبارة لا تخلو من التشاؤمية المرتبطة بواقع اليمن اليوم “لم يعد في اليمن مشهد ثقافي، فالمؤسسات الثقافية مشلولة وأغلب المثقفين كشفوا عن صورهم اللامثقفة وأنصاف المثقفين يسيطرون على العالم الرقمي”.

ويشير الشاطبي إلى أن استعادة المشهد الثقافي لليمن باتت مهمة شاقة وعسيرة تتطلب “ما هو أكثر من الجهود التي بذلها الرعيل الأول من الأساتذة الرواد والمؤسسين مثل عمر الجاوي والبردوني ولقمان ومحمد عبدالولي وزيد مطيع دماج”.

الرواية طفل يتعثر

أصدر الشاطبي عددا من الأعمال القصصية والروائية، مثل “أنف واحد لوطنين” و”مشروع ابتسامة” و”يا قمر يا قميرة”، كما يستعد لاستقبال روايته الجديدة التي تحمل عنوان “تائه في إثيوبيا”.

وعن رؤيته لواقع الرواية اليمنية اليوم يقول “الرواية اليمنية مثل الطفل الذي كلما خطى خطواته الأولى ظهرت أمه وكسرت رجله. والأم هنا رغم افتراضيتها المشبعة بالرحمة، تمثل اليمن، والذنب ليس ذنب الأم اليمن، فهي ضحية، تعرضت إلى غسيل دماغي عميق من أشرار أظهروا لها الابن شرا مستطيرا والشر المستطير خيرا منيرا”.

وفي رده على سؤال لـ”العرب” حول مغامراته في عوالم الكتابة الإبداعية، والخط الذي يقف عنده مرارا، وقدرته على المحافظة على ذلك الخط الفاصل بين قوالب الإبداع والتجارب الأدبية، يقول “لست مغامرا بالمعنى الحرفي ولكن يمكن أن أؤكد أن لي محاولات لاكتشاف مكامن الوجع وتقريعه، والوجع هنا محصور في فئة معينة من الناس هي فئة ‘المولدين‘ أي اليمنيين المولودين في الخارج وخاصة أفريقيا ومن هم من آباء يمنيين ومن أمهات أفريقيات”.

ويتابع “المحاولات بطبيعة الحال تقف عند ذلك الخط، وما بين المحاولات والخط، ثمة حكايات مروعة عن هذه الفئة من الناس والتي تعرضت ومازالت تتعرض للكثير من المحن والأسى، فأن تعيش بين وطنين كلاهما لا يعترف بك ويتعامل معك بعنصرية، جهنم بحد ذاتها”.

وينفي الشاطبي عن أعماله السردية وخصوصا الروائية منها، انزياحها نحو الغموض في ظلّ ما يدور من صراعات تتطلّب المكاشفة، مشيرا إلى أنه لا يعمد في كتاباته إلى الغموض ولا إلى إضفاء ما يصفه بـ”البهارات الجنسية” بقدر ما يسعى إلى سرد “حكايات عن تلك الفئة من الناس والتي تعيش وحيدة هناك، مدانة ومتهمة في وطنيتها وانتمائها لمجرد أن أحد أبويها غير يمني”.

ويشير إلى أن “المولدين” الذين ينحدرون من أب يمني وأم أفريقية على وجه الخصوص هم القضية التي تسيطر على جزء كبير من تجربته الإبداعية، مضيفا “علينا أن نعترف بأنهم عانوا ومازالوا، في ظل مجتمعين سواء في اليمن أو إثيوبيا، كلاهما لا يعترفان بهم، وموجز القصة أنني أنقل تلك المعاناة في شكل قصص وروايات تغلب عليها اللغة الساخرة”.

معركة الأدب

Thumbnail

في حديثه عن العلاقة بينه ككاتب وبين السلطات المتعاقبة في اليمن، وخصوصا تلك السلطات المتعاقبة التي تسيطر على مجريات المشهد اليمني في العقد الأخير، يقول الشاطبي “كل سلطة في اليمن هي نسخة مشوهة من السلطات السابقة، سلطات تحدث الفوضى من أجل تسهيل عمليات السرقة. تدعم كل فكر أصولي ووصولي متحجر من أجل ضمان استقوائها على الفكر الحر والمستنير”.

ويضيف “لاحظ معي كيف شهد اليمن خلال مئة عام أكثر من 50 سلطة حكمت، لماذا تراها تسقط؟ الإجابة ببساطة شديدة، لأنها لا تتعلم من التجارب السابقة، حيث تدعم الفكر الأصولي والوصولي وتحارب الفكر الحر المستنير”.

ويبدو الروائي اليمني مترددا حيال مآلات علاقته بالكتابة، حيث يقول إنه قد يتوقف في أي وقت، غير أنه يذهب إلى أهمية دور الكتابة في خلق مجتمع مدني واع، لافتا إلى أن “ما تبقى من مظاهر المدنية في اليمن هو نتاج الكتابة والنشر، ونتاج المؤلفات التي حاربت التخلف والقمع والرجعية بالقلم”.

وعن دور الرواية في هذه المعركة يقول “الرواية صوت مؤثر وقوي، تكاد تكون الوحيدة الواقفة بثقة قرب خط المواجهة مع جبهة التخلف”.

15