سامي بن عامر رسام الأشياء بهذيان موسيقاها

الأحد 2016/08/14
فنان تونسي حفرياته تهب الجمال جلالا

لندن - من الصعب أن يرث رسام تونسي تجارب رسامي بلاده الطليعيين كلها. فتونس التي أدهشت الفنان السويسري بول كلي بضوء شمسها وباللون، كما لو أنه لم يتعرف على اللون من قبل كانت قد أنجبت في العصر الحديث سلالة رسامين، توزعوا بطريقة عادلة بين التشخيص والتجريد ليحيطوا بما وهبته الطبيعة لبلادهم من جمال.

المحلق وراء عطر زهرته

من المؤكد أن سامي بن عامر قد اهتدى إلى سر ذلك الجمال. الطبيعة، ولا شيء آخر. هناك ما يسرّ في لوحات ذلك الرسام، ما تقوله الطبيعة في لحظة هذيان لوني. علينا أن نعيد الانطباع إلى لحظة انفجاره الشعري. هذا رسام يهندس خطواته وفق إيقاع ساحر، يملي على الحواس إلهامه.

يرسم مشاهد طبيعية ولا يخونها حين يصل بها إلى خلاصاتها البصرية. “البحر قريب من صفاقس″ أما كان عليه أن يفكر بـ(تيرنر)؟ هذيان فرشاته ينقذه من الزخرفة، بمعادلاتها الرياضية التي تملأ أذنيه بنغم قادم من الأندلس. يُهرّب بن عامر من خلال رسومه لفائف قادمة من الماضي. لا يضعها في خزانته، بل يعرضها تحت الشمس لتتزود بلغات أبناء وبنات العم الذين رأيتهم في سوق صفاقس.

بن عامر هو وارث أساليب الرسم التونسي الحديث كلها. غير أن مغامرته الحقيقية تكمن في ذلك الاحتفال الصاخب بالحياة. احتفال يمزج الفن بالطبيعة، فترى الطبيعة تحلم من خلال الفن وترى الفن يتلمّس الطريق إلى جمالياته من خلال الطبيعة. مرآتان، كل واحدة منهما تعكس ما في الأخرى فلا تظهر إلا صورتها. لعبة أجاد بن عامر نسج قواعدها ودرّب حواسه عليها.

الأشياء وإيقاعها

“ما يُرى وما لا يُرى هو الشيء نفسه” يقول باطمئنان وهو يعرف أنّ ما يراه من الطبيعة ليس الطبيعة كلها وما لا يراه من الرسم ليس الرسم كله. فهو حين يستعير الزهور من الطبيعة فإنه لا يمنع فرشاته من مطاردة عطر تلك الزهور. لذلك ليس من باب الخيال القول إن مَن ينظر إلى زهور بن عامر في إمكانه أن يشم عطرها.

ولد سامي بن عامر عام 1954 في صفاقس، التي هي بمثابة العاصمة الاقتصادية لتونس. درس الفنون التشكيلية في المعهد التكنولوجي للفنون والهندسة المعمارية والتعمير بتونس العاصمة. أكمل دراسته الفنية بباريس وحصل على شهادة الدكتوراه في الفنون التشكيلية، نظريا وتطبيقيا من جامعة باريس الأولى (بنتيون سوربون).

مارس بعدها تدريس الفن في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، حيث قام بإدارة المعهد بين سنتي 2008 و2011. كان بن عامر ناشطا على مستوى نقابي، وهو ما أهله لكي يُنتخب أمينا عاما لاتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين لثلاث دورات متتالية، بدءا من 1999 وانتهاء بـ2004. لا يكتفي بملاحظات الرسام في ما يكتبه، بل يتخطّى ذلك إلى النظرية الجمالية، وهو ما جعل من كتاباته مرجعا مهما لفهم أصول وبنية ووظيفة الفن بناء على الخبرة العملية، وهو ما ميّزه عن معلّمي الفن القادمين من دراسة الفلسفة، وما أكثرهم في تونس.

لعبة أجاد بن عامر نسج قواعدها ودرّب حواسه عليها

كتابه “الفنون الجميلة: الاصطلاح وموقعه من الفكر الحديث” يقول أشياء كثيرة عن الفن بوضوح في سياق خبرة عملية هي نتاج طريقة حديثة في التفكير في الفن. وهو ما انعكس على تجربته في الرسم. فلا شيء في رسومه هو وليد الصدفة. فعل الرسم لدى هذا الرسام، وإن بدا للبعض كما لو أنه نوع من اللعب، هو في حقيقته فعل واع يسبقه الكثير من التفكير الذي تكون الصورة ثمرته.

ولأن الأمور في الفن ليست ميكانيكية كما ورد في الجملة السابقة فإن تلك الثمرة هي المادة التي يستخرجها الرسام من تقاطع عالمين. وعيه ولاوعيه، يقظته وأحلامه، الواقع وخياله باعتبارهنا مؤثرين يصدران من الشيء نفسه. وفي كل الأحوال فإن رسوم بن عامر تتميز بصرامة مدرسية، يعبّر عنها ذلك الإيقاع الهذياني الذي يعينها على تجاوز الوصف، من غير أن تتخلى عن تأثيره على المتلقي. تصف تلك الرسوم أشياء واقعية كثيرة بعد أن تمررها من خلال شاشة الخيال. مادته الجاهزة الوحيدة، هي الزخرفة، لكنه لا يلجأ إليها إلا من أجل الثناء على خيال هندستها. لذلك تشرق رسومه بالموسيقى. أليست الموسيقى رياضيات.

يقول “أواصل اليوم الإبحار في عناصر الكون لمزيد من الاستماع إلى سمفونيته، بالاعتماد على طاقة الحركة ولمعان الألوان ولاجسمية الفضاءات. أليس الكون كامنا فينا؟ أليست حركاتنا التي تحدث الطاقة وتهب الريح وتبثّ الحرارة، شاهدة على ذلك؟ من العضوي إلى اللاعضوي، من الصلب إلى السائل، من المادي إلى اللامادي، من الطاقة المتراكمة وتحت الأرضية إلى الحركة المتحررة والفضاءات الدينامية، من الداكن إلى المضيء، من المعتم إلى الشفاف، من الانطوائية إلى الانفتاح على الخارج، هكذا تندفع رسوماتي إلى خارج مستقبلي”.

قليلون هم الرسامون الذين يمكن أن يصفوا تجربتهم في الرسم بمثل تلك الدقة وذلك الوضوح. لا مشكلة لدى بن عامر مع اللغة. لغته الجمالية التي تتكون مما لا يُحصى من المفردات تعينه على اختراق عالم الكتابة بجمل ليست غامضة أو ملتبسة المعاني. فعالمه الذي يبدو كما لو أنه يتحرر مباشرة لحظة الرسم من قيوده السابقة هو في حقيقته ليس ابن اللحظة. ما يبدو عفويا كان الرسام قد درسه بإمعان. يمكنني القول إن الطاقة التي تنبعث على شكل انفجارات لونية هي ما يختزنه الرسام من أفكار وذكريات ورؤى وتجارب واقعية وأحلام وصبابات ولحظات نزق مغامر وتوق إلى الذهاب إلى الحافات، حافات الفكر وحافات العاطفة.

يعرف الرسام أن لعبته خطرة، فهي تعبّر عن مسعاه لإزاحة المكان والزمان عن موقعهما واللعب بعين المتلقي، لكي لا أقول تخريبها من خلال الانحراف بها عن بداهة ما كانت رأته في أوقات سابقة. وهو ما يجعله يفيض في شرحه وهو يصف عالمه بما ينطوي عليه من تلاقيات غريبة، هي أساس ذلك الانسجام الذي تشرق به لوحاته.

"ما يبقى يقوله الفن"

ما يبقى يقوله الفن

حفرياته تتبعه أينما حلّ. حفريات معرفية وحفريات مادية على حدّ سواء. الرسام المولع بالتنقيب يقتفي أثرا لينصت إلى إيقاعه. في الأشكال التي صارت عبارة عن مأثورات مادية يجد ضالته التي تمزج عاطفته بالمكان. وقد يكون مشروعه الفني “برج منيف” الذي استطاع أن يختزله في فيلم فيديو قصير أشبه بواحدة من خلاصات عمره.

الحكاية تبدأ بذلك البرج الآيل للسقوط لتخترق سنوات عمر، حاول الرسام أن يجمع موادها التي صارت تختفي، مثلما يفعل رواة الحكايات الشعبية. صرخته من أجل المكان الذي يحيله إلى طفولته فتحت أمامه طريق العودة إلى مملكة سعيدة، خُيّل إليه أنها أغلقت دونه أبوابها. يستعيد الرسام أدوات البيت والعمل في زمن، كانت فيه أبراج صفاقس تغمض عينيه على عظمتها.

ينقل بن عامر فعل الرسم من اللوحة المغلقة على ذاتها إلى المكان العمومي، بمواد مستعارة من ذلك المكان المهدد بالزوال. “ما يبقى يقوله الفن”، تلك هي الخلاصة التي يسعى الرسام إلى أن يقاوم بها زوال الأمكنة. يراهن بن عامر على الفن، على قدرته على المقاومة، على قوته التي تحفظ للجمال هيبته وجلاله.

10