سام القاضي المخرج السينمائي الذي أبكى أعضاء الكونغرس الأميركي

الأحد 2016/04/10
صاحب أفلام "غاندي الصغير" و"المواطن" و"فيتو"

واشنطن - قام بتغطية الدرج المؤدي إلى النصب التذكاري للرئيس الأميركي أبراهام لينكولن في واشنطن والذي عرف بمحاربته للعبودية، بزجاجات ماء. وضع على كل زجاجة وردة بيضاء، ليأخذنا بهذا المشهد خمس سنوات إلى الوراء. يحكي لنا قصة بدايات حلم شعب قُهر ونُكّل به على مدى أكثر من أربعين عاماً.

تلك الزجاجة والوردة هي ذاتها التي قدمها الناشط السلمي غياث مطر لقاتله قائلا له آنذاك “لا تقتلني وأنا أخوك وابن جلدتك، نحن الماضي والحاضر والمستقبل على هذه الأرض، أرض سوريا”. بين تلك الزجاجات وتلك الورود البيضاء، سجّي علم طويل دفع كل من حمله ثمناً كبيراً إما اعتقالاً أو موتاً أو تغييباً قسرياً. علم الثورة هذا، كان وكأنه مرج أخضر، في داخله قبور شباب سوريا. قبر غياث مطر، وقبور شهداء الحرية. هواء بارد وربيع بدأ بالظهور، صمت عالمي ثقيل يكسره صوت العصافير، كأنها تقولنا لنا “هنا داريا، داريا المحاصرة لسنوات، هنا سوريا التي تموت لأكثر من خمسة أعوام أمام أعين الساسة، لتحيا يوماً ما من جديد”.

مرايا حلب

شاب في مقتبل العمر يمشي هنا وهناك، يعمل تارة بيده وتارة أخرى يعطي التعليمات. منهمك بالعرض الذي سيقدم أمام جمهور لأهم عاصمة قرار سياسي آثرت الصمت عما يحصل، إنه المخرج السينمائي سام قاضي، ابن حلب الشهباء الذي قال المتنبي فيها يوماً مستقرئاً الحاضر الذي نعيشه “أﺗﻴﺖ ﺃﺭﻯ ﺍﻟﺸﻬﺒﺎﺀ ﻟﻜﻦَّ ﺧﻴﺒﺔ/ﺃﻃﺎﺣﺖ ﺑﺄﺣﻼﻣﻲ ﻭﺃﺩﻣﺖ ﺻﺒﺎﺣﻴﺎ/ ﻓﺤﻄﺖ ﺳﺤﺎﺑﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﻓﻲ ﺩﻣﻲ/ ﻛﺄﻧِّﻲ ﺃﺭﻯ ﻣﺎ ﻻ ﻳُﺮﻯ ﻓﻲ ﺩﻣﺎﺋﻴﺎ/ ﻟﻘﺪ ﺑﺎﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻞُّ ﺷﻲﺀ ﻣﺸﻮّﻫﺎ/ ﻓﻘﺪ ﺿﻴﻌﻮﻫﺎ ﻭﺍﺳﺘﺒﺎﺣﻮﺍ ﺗﺮﺍﺛﻴﺎ”.

سام القاضي مخرج أفلام سينمائية يعيش في هوليوود، أميركي من أصل سوري، هاجر إلى الولايات المتحدة منذ ستة عشر عاماً، ودرس الاخراج في ولاية ميشيغن. ورغم أنه حاصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة حلب، إلا أنه كان شغوفاً بالفن والأدب والتمثيل منذ صغره.

تأثر القاضي في صباه بالفن العربي وأفلام الأبيض و الأسود وفرقة ثلاثي أضواء المسرح. كان حينها رياضيا، لعب كرة السلة لمدة عشر سنوات أخذته فيها بعيداً عن الفن. ثم ما لبث وأن عاد إليه مرة أخرى. لتكون انطلاقته من مسرح جامعة حلب الشهير. مثّل وكتب العديد من النصوص، وأخرج عددا من المسرحيات وقام بتأسيس فرقة مسرحية أسماها آنذاك “مرايا حلب”.

كان أول أعماله المهنية مسرحية “الخير لقدام” والتي عرضت على مسرح الجمعية الأرمنية في حلب. ذاع صيته فدعي الى أميركا لعرض أحد النصوص التي كتبها، لكنه قرر البقاء ودراسة الإخراج السينمائي.

أعد الكثير من النصوص وأخرج عدداً من الأفلام القصيرة، كان أهمها “نشأ وحيداً”. وهي قصة تحكي عن طفل يعشق الكمان، حيث تبرز العلاقة الخاصة التي تربط هذا الطفل العاشق للفن بأبيه. حصل عمله هذا على ثمانية جوائز في أميركا وخارجها وتمّ عرضه في مهرجان دمشق السينمائي في العام 2009.

في لقائه مع “العرب”، قال سام القاضي إنه لا يدّعي الحياد حيال الانتفاضة السورية، بل على العكس، هو فنان منحاز إلى صف شعبه الثائر. يفاخر بأنه، كمخرج سينمائي، صاحب وجهة نظر قوية حول قضية الشعب السوري، وأن من مهمّاته إيصال وجهة نظره تلك إلى العالم. ومن أجل هذا قام بإخراج عدد من الأفلام القصيرة، التي لم تتجاوز مدة الواحد منها 15 دقيقة، منها “إس أو إس″ و”فيتو”. أما أحدث أفلامه فهي الفيلم الوثائقي الطويل “غاندي الصغير”.

فيلم سام القاضي (المواطن) تدور أحداثه حول مهاجر عربي فاز بالإقامة الأميركية عبر اليانصيب. اختار له حظه أن يصل إلى مدينة نيويورك في يوم 10 سبتمبر 2001، أي قبل يوم واحد من الهجمات الإرهابية على المدينة. وهو من بطولة الفنان المصري خالد النبوي الذي لعب دور إبراهيم المتهم بالإرهاب

داريا وغاندي وكينغ

فيلم “غاندي الصغير” يروي قصة الناشط السلمي الحالم غياث مطر الذي قتل تحت التعذيب. فيلم يحكي بداية الحراك السلمي في سوريا، الحراك الشبابي الذي نادى بالحرية والكرامة. شهادات الفيلم التي جاءت من رفاق مطر تجعلك تعجر عن الكلام بعد سماعها. رفاق دربه إلى الحرية. منهم من كان تحت الحصار ونيران نظام الأسد في داريا، ومنهم من اعتقل وعذّب، ومنهم من هرب إلى دول مجاورة لكي ينجو من بطش المخابرات.

حرفية القاضي لم تقتصر على سرد قصة مطر بل جعلت من إنسان وبرفقته أصدقاؤه، أبطالا وأصحاب بعد سياسي، متأثرين بتجارب وثورات كبيرة وشخصيات عالمية كالمهاتما غاندي و سلميّته، ومارتن لوثر كينغ وما يحمله من فكر المساواة و العدالة الاجتماعية. أبطال داريا هؤلاء جعلوا من معارضة المنصات والمكرفونات أضحوكة تفتح سؤالاً عن السبب الذي غيّب لأجله هؤلاء الشباب عن الساحات السياسية والإعلامية.

ضم فيلم “غاندي الصغير” شهادة للسفير الأميركي في دمشق آنذاك روبرت فورد، والذي تحدث فيه عن السياسة الأميركية في ما يتعلق بالملف السوري، وانعكاس الحراك في داريا عليه وعلى عمله بعد ذلك.

أظهر الفيلم شباب داريا وقد استطاعوا تعرية المجتمع الدولي، وما يسمّى بالقانون الدولي، في خطاب سينمائي مقنع للمشاهد الغربي الذي بات مؤمناً بأن العالم يواجه مشكلة أخلاقية أمام هذه القضية. وهذ ما فشلت المعارضة السياسية السورية المنظمة بطرحه عبر القنوات السياسية الرسمية.

الإخراج عبر الإنترنت

واجه فيلم “غاندي الصغير” صعوبات جمة، منها سرد حكاية بطله ذاته والذي قام النظام السوري بإخفاء كل الوثائق وكل ما يتعلق به، كما أوضح قاضي لـ”العرب”، واستغرق إنتاجه أكثر من ستة أشهر. وكانت أصعب مراحل الإخراج هي تصوير الأحداث في مدينة داريا المحاصرة منذ سنوات، تحت وابل قذائف وبراميل الأسد ليل نهار. استطاع القاضي إخراج الجزء المتعلق بداريا عبر الإنترنت، من خلال برنامج الاتصال “سكايب” في حالة فريدة من نوعها لم تعرف في عالم صناعة السينما من قبل.

يقول القاضي إنه كان من المستحيل الدخول إلى المدينة والتصوير فيها. لذلك فقد عمل جاهداً على تدريب ناشط من داخل داريا على التصوير والإضاءة، وفي وقت قصير وعبر الإنترنت والسكايب، رافق القاضي وفريقه الأميركي الناشط في كل المراحل عبر العالم الافتراضي.

لم تقتصر المصاعب على التقنيات، بل واجه الفيلم أخطاراً كبيرة منها خطر استهداف النظام للنشطاء. حيث كان النظام يراقب عبر أجهزة الرصد والتجسس كل حركة في داريا. قال القاضي إنه أوقف التصوير عدة مرات، خوفا من استهداف النظام لمواقع النشطاء عبر الطيران.

وفي إحدى المرات تبرّع شاب من داريا بتهريب المواد عبر عدد من فلاش المموري إلى لبنان ومن ثمّة إلى تركيا وبعدها إلى هوليوود، ليكتشف فريق الإخراج أن الصوت كان في التسجيل كان مشوشا، بعد كل هذا العناء. حيث يعتقد أن النظام كان يقوم ببث تشويش كامل على المدينة كي يعزلها تماماً عن العالم الخارجي.

الشخصية العربية إنسان مثابر يبحث عن فرصة لتحقيق الذات

عرض فيلم “غاندي الصغير” أمام الكونغرس الأميركي في عرض خاص في الذكرى الخامسة للثورة السورية. وبكى عدد من السيناتورات تأثراً بما رأوه من أحداث وما سمعوه من شهادات. وتمّ عرضه في الإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر وغيرها من الدول. وتم تنظيم عروض خاصة لرجال السياسة، الهدف منها نشر الوعي حول الانتفاضة السورية التي وصفت بأنها حرب طائفية وأهلية.

عربي في هوليوود

تبقى صناعة السينما من أصعب المجالات في الولايات المتحدة بشكل عام. ولكن سام القاضي يعتقد أن هذه المهنة بالنسبة إلى العربي، ستواجه بالعديد من التحديات، تضاف إليها تحديات النظرة النمطية للعربي والمسلم ممّا يعقّد الأمور أكثر. ولكن من وجهة نظر القاضي، فإن هذا الصعوبات تستطيع أن تحوّل النمطية إلى مساحة واسعة من التعاطي مع قضايا قد تعجز السينما الأميركية عن تقديمها. مضيفاً أن التحديات التي يواجهها المخرج هي خيارات في النص والتمويل والتسويق.

يسبح القاضي عكس التيار المتعارف عليه في الصناعة السينمائية الأميركية محفوفاً بالأخطار الكبيرة، كونه يتعامل مع قضايا ذات حساسية خاصة في هوليوود. وقد تؤثر على تسويق أعماله. حاليا يعمل القاضي على إخراج فيلم دارمي جديد سيناقش فيه الانتخابات الرئاسية الأميركية وما يدور في ظلالها.

الإرهاب والسينما

“المواطن” فيلم للقاضي أخرجه في العام 2013 تدور أحداثه حول مهاجر عربي فاز بالإقامة الأميركية عبر اليانصيب. و اختار له حظه أن يصل إلى مدينة نيويورك في يوم 10 سبتمبر 2001، أي قبل يوم واحد من الهجمات الإرهابية على المدينة. وقد قام بدور البطولة الفنان المـصري خالد النبوي.

قصة الفيلم تدمج بين العديد من القصص الحقيقية التي واجهت أشخاصاً حقيقيين في المجتمع الأميركي إبّان أحداث سبتمبر، تتمثل فيها الصعوبات التي تواجه العرب الأميركيين في الولايات المتحدة. رصد القاضي تطور هذه الشخصية ضمن أحداث صعبة واجهت أميركا والمجتمع العربي الأميركي حينها.

نسج القاضي شخصية إبراهيم الجراح على أنها شخصية عاشت الحرب الأهلية في لبنان، وتنقلت في عدد من الدول العربية، قبل أن ينتهى المطاف بها ليلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية. جاء هذا الشاب البسيط الصادق والذي لم يكن طبيبا ولا مهندسا، بل مجرد شاب عمل في مجال السيارات يبحث عن الحلم الأميركي. يبحث عن موطن يحترم حقوق المواطنة والمساواة. لينتهي به الحال متهما بالإرهاب، ويسجن لفترة طويلة.

صوّر “المواطن” الشخصية العربية على أنها إنسان مثابر يبحث عن فرصة لتحقيق الذات والكرامة والعيش الكريم. الأصدقاء الذين ساعدهم إبراهيم الجراح من قبل، سواء كانوا من المسيحيين أو اليهود، استطاعوا أن يقفوا معه وأن يحاربوا إلى جواره، ضمن الدستور الذي يكفل الحقوق للمواطن. وأخيراً ينتصر هؤلاء على العنصرية.

يقول القاضي لـ”العرب” إن الهدف من هذا الفيلم هو كسر النمطية التي تشكّلت حول العربي في أميركا. فقد تم إخراجه بعيداً عن الأنا العربية. فبالنسبة إلى القاضي فيلم “المواطن” هو رحلة في البحث عن الوجود من خلال الحلم الأميركي، والذي أصبح صعب التحقيق، ولكنه مازال يؤمن بتحقيقه رغم كل التحديات والصعوبات.

9