سانتياغو برنابيو الأب الروحي لأمجاد النادي الملكي

السبت 2015/11/07
رياضي أطلقت عليه الصحافة لقب "مخترع كرة القدم"

ميونيخ - قد يجهل الكثيرون اسم القصر الملكي في أسبانيا، والذي يدعى بـ”قصر الشرق” لكن القلائل من يجهلون معقل النادي الملكي ملعب سانتياغو برنابيو، وقد لا يعلم الكثيرون أيضاً اسم الملك الأول لأسبانيا الإمبراطورية الموحدة كارلوس الأول، لكن القلائل من لم يسمعوا باسم سانتياغو برنابيو الملك الأسباني غير المتوج الذي صنع أمجاد الفريق الملكي ريال مدريد، وبنى قلعة كروية جذبت قلوب عشاق الكرة المستديرة في كل أرجاء المعمورة.

سانتياغو عامل البناء واللاعب الوفي

في الثامن من يونيو عام 1895، ولد الأسباني سانتياغو برنابيويستي في بلدة المنسي التابعة لمقاطعة الباسيتي، لم يكن يعلم الأسبان أن الطفل الذي ولد قبل خمسة أعوام من انطلاقة القرن الأخير للألفية الثانية، سيكتب تاريخاً كروياً لأسبانيا التي لم تعتد الاستقرار أبداً وكانت مصارعة الثيران تحظى بكل اهتماماتها، لم يكن سانتياغو دوقاً ليحمل أعباء السياسة ولم يكن ثرياً ليمتهن التجارة، فهو ينتمي إلى عائلة متواضعة يعمل رب الأسرة خوسيه برنابيو كمحام في ذات المقاطعة ووالدته الكوبية الأًصل أنتونيا أنجبت خمسة أولاد من بينهم مارسيلو الشقيق الأكبر الذي أقنع سانتياغو بأن يصبح لاعب كرة قدم وزرع حب الرياضة في قلبه، وبعد خمسة أعوام انتقلت عائلة سانتياغو للعمل في مدريد، وهناك بدأ ممارسة كرة القدم مع زملائه في المدرسة.

كان يهوى حراسة المرمى إلا أن شقيقه الأكبر مارسيلو أقنعه أن يصبح مهاجماً، بيد أن حلمه بأن يصبح لاعباً كان يصطدم دوماً برغبة عائلته في إكمال دراسته، وبعد وفاة والدته لم يعد التقليد السنوي للعائلة بالعودة إلى مقاطعة الباسيتي خلال العطلة الصيفية رائجاً، وبذلك وجد سانتياغو الفرصة ليمارس كرة القدم باستمرار، وفي عام 1909 أسس سانتياغو مع مجموعة من رفاقه في المدرسة فريقاً لكرة القدم أطلقوا عليه اسم “جوفينال” ظهرت حينها موهبته الكروية وعشقه اللامحدود لهذه اللعبة، ليتم استدعاؤه وهو في الرابعة عشرة من عمره إلى صفوف ناشئي النادي الملكي ثم انتقل إلى فئة الشباب بسرعة مستفيداً من قوته البدنية الكبيرة ومهاراته التي أظهرت تفوقاً على عمره.

تخطى سانتياغو الكثير من المراحل ليصبح في الموسم 1913-1914 قائداً للفريق ولعب إلى جانب شقيقه مارسيلو معلمه الأول، وظهر لأول مرة بقميص الريال في الثالث والعشرين من شهر مارس عام 1912 في مباراة ودية أقيمت في ساحة بارديرا ديل كوريجيدور على أطراف نهر مانزينيراس في مدريد أمام مجموعة من اللاعبين الإنكليز.

يوم الثاني من يونيو من كل عام يعتبر يوماً كارثياً على أنصار الريال وهو اليوم المصادف لرحيل سنتياغو بنابيو، حين غاب فيه اللون الأبيض الملكي عن شوارع مدريد وانتشرت الشارات السوداء، وأصدر يومها الاتحاد الدولي لكرة القدم قراراً بالحداد ثلاثة أيام تقديراً لما قدمه برنابيو للرياضة

سانتياغو المنقذ

التلميذ سانتياغو غلب معلّمه وخطف منه الأضواء وأصبح الهداف الأبرز للنادي الملكي مع خوضه موسمه الأول فقط، وفي العام ذاته استأجر النادي الملكي قطعة أرض ليقيم عليها ملعبه الخاص، وتبرع السيد بيدرو باراجيس، وهو أسباني عاشق للريال أصبح فيما بعد رئيساً له، بثمن السياج الخشبي الذي سيحيط بأرض الملعب، وكان سانتياغو في ذلك الحين يقسّم وقته بين مشاركة زملائه في الفريق التمارين، وبعد ذلك يخصص ما تبقى من الوقت لمساعدة العمال في بناء السياج الخشبي وطلاء أرض الميدان، لقد كان الريال الشغل الشاغل لسانتياغو وكان يحمل أحلاماً بعيدة جداً لذلك نذر حياته كلها لأجله، وبقي يلعب في صفوف الريال حتى نهاية العام 1927، ليعتزل كرة القدم بعد أن سجل للمدريديستا أكثر من 1200 هدف في كل المسابقات التي خاضها معه، وعاد بعدها إلى مقاعد الدراسة ليحقق حلم والدته بأن يصبح محامياً بعد أن حصل على إجازة في القانون.

تولى سانتياغو بعد اعتزاله اللعب مهمة تدريب الفريق الملكي على فترات متقطعة، عام 1928 استلم التدريب لمدة ثلاثة أشهر مكان المدرب خوسيه أنخيل بيراوندو، وحل عام 1932 مدرباً مؤقتاً للنادي الملكي بسبب مغادرة المدرب ليبو هرتزكا، كما استمر بمنصبه عضواً في إدارة النادي حتى العام 1935.

منذ أن منح الملك ألفونسو الثالث عشر عام 1920 لقب “ريال” أي ملكي لنادي مدريد ليصبح اسمه نادي ريال مدريد أو “نادي مدريد الملكي” وألحق التاج بشعاره، تحمّل النادي عبئاً كبيراً وأصبحت الأنظار تتجه إليه على أنه ناد يمثل وجهة نظر السلطة الحاكمة، لذلك كان المدريديستا في ورطة كلما تعرضت البلاد لأزمة سياسية، وتعرض النادي أثناء الحرب الأهلية إلى عمليات نهب وسلب وتدمير لمعظم منشآته على يد مناهضي حكومة مدريد المركزية خاصة وأن الجنرال فرانكو جعل النادي الملكي اليد التي يظهر فيها عظمته على الساحة الرياضية.

صحيفة التايمز البريطانية تصف نادي ريال مدريد في عهد سانتياغو برنانبيو بالقول "الريال يجول في أوروبا مثل الفايكنغ"

بعد انتهاء الحرب الأهلية كان الجميع يراهن على أن ظاهرة النادي الملكي بدأت تتلاشى بعد أن ابتعد عنه مناصروه وكبار الشخصيات الداعمة له نتيجة الظروف السياسية التي تلت الحرب الأهلية، هنا جاء دور سانتياغو برنابيو ليفعل ما لم يفعل عندما كان لاعباً.

انتخب سانتياغو عام 1943 رئيساً للنادي الملكي خلفاً للرئيس السابق أنتونيو سانتو سبيرالبا، وأعاد هيكلة النادي من جديد وأنشأ إدارات متخصصة بما يشبه المؤسساتية الحديثة فكان سابقاً لعهده وجعله نادياً نموذجياً يحتذى به، وشكّل الهيئات الفنية ودعّم روابط المشجعين، وكان عليه أن يتابع تشييد ملعب تشارمارتن العملاق ليستوعب الجماهير الكبيرة التي عادت لتلتف حول النادي الملكي رغم تنامي دور نادي أتلتيكو مدريد في تلك الفترة كناد يمثل العاصمة ويحظى بالدعم الرسمي.

استقدم سانتياغو اللاعبين القدامى وأعاد العلاقات مع كبار الشخصيات الداعمة للرياضة في العاصمة مدريد، وكان من بينها رايموندو سابورتا الرجل الذي وضع فيه كل ثقته وجعله المنفّذ لكل خططه نحو فريق الأحلام.

وهكذا انتهى من الخطوة الأولى في طريقه البعيدة نحو صناعة الأمجاد بعد أن اقترض مبلغاً كبيراً من بنك ماركانتي ليبني صرحاً ضخماً ألا وهو ملعب تشارمارتن العملاق والذي تمّت توسعته في التاسع عشر من شهر يونيو عام 1954 ليستوعب 120 ألف متفرج وبات الملعب الأكبر في أوروبا وصنفه الاتحاد الأوروبي ملعب خمس نجوم، استدعى سانتياغو خيرة المهندسين لتصميم الملعب كان أبرزهم المهندس مانويل مونوز والمهندس لويس أليمانى، ليكسب النادي الملكي بهذه الخطوة دخلاً مالياً ضخماً من عائدات الجماهير، وفي الرابع عشر من شهر ديسمبر عام 1947 أقيمت أول مباراة على الملعب العملاق جمعت ريال مدريد بنادي بلينينسيش البرتغالي وانتهت لصالح الريال بثلاثة أهداف لهدف، كل الأنظار كانت تتجه إلى سانتياغو في تلك المباراة وألقت الجماهير عليه التحية ونادت باسمه كما لو كان بطلا قومياً، ولمَ لاَ وهو الذي أنقذ تاريخ النادي الملكي من الانهيار في الوقت الذي تخلى عنه الجميع، حتى الحكومة لم تقدم عوناً له رغم أنه يحسب على السلطة الحاكمة، وتابع بعدها سانتياغو سلسلة مشاريعه في ملعب الأحلام وبنى عدة مرافق رياضية أخرى لألعاب كرة السلة والطائرة وكرة اليد والجمبار والبيسبول والتنس، لقد أذهل الجميع بأفكاره وحنكته الإدارية وتدبيره الاقتصادي.

سانتياغو برنابيو يخطو الخطوة الأولى في طريقه البعيدة نحو صناعة الأمجاد باقتراض مبلغ كبير من بنك ماركانتي ليبني صرحا ضخما ألا وهو ملعب تشارمارتن العملاق والذي تمت توسعته في التاسع عشر من شهر يونيو عام 1954 ليستوعب 120 ألف متفرج وبات الملعب الأكبر في أوروبا وصنفه الاتحاد الأوروبي ملعب "خمس نجوم"

فريق الأحلام

انتهى تشييد الملعب العملاق وأعيدت هيكلة النادي الملكي على أسس مؤسساتية، ثم جاءت الخطوة التالية “كسب الألقاب”، وكان لا بد من الاستعانة بمجموعة من اللاعبين المتميزين ليوقف ماكينة برشلونة وأتلتيكو مدريد الناديين الأبرز آنذاك، واللذين تناوبا على حصد الألقاب.

بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس النادي الملكي، التقى ناديا الريال ويلوناريو سبوغوتا الكولومبي وظهر حينها نجم لفت أنظار سانتياغو بعد أن سجل هدفين من أهداف فريقه في المباراة التي انتهت بنتيجة 4-2 لصالح النادي الكولومبي، لقد كان يملك مهارات أبهرت جميع الحاضرين، التفت سانتياغو لرايموندو سابارتا

وقال له “أريد هذا اللاعب يجب أن يلعب في مدريد بأي ثمن”، من هنا بدأت ملامح فريق الأحلام الذي ضم أبرز نجوم كرة القدم في أوروبا والعالم، ألفريد دي ستيفانو، بوشكاش، خينتو، مولوني، سانتاماريا، ميجيلمونوز، كوبا، جوسينتو، كيبينغ، هيكتور، وآخرين.

وبدأت ثمار ما زرعه سانتياغو تنضج، فتمكّن دي ستيفانو ورفافه من إعادة لقب الدوري الأسباني إلى خزائن الملكي موسم 1953-1945، بعد أن غاب لسبعة عشر موسماً.

كتيبة تسطو على البطولات

اقترح سانتياغو على الصحفي الفرنسي في صحيفة ليكيب جابرييل هانوت إقامة بطولة تجمع أبطال الدوري في القارة الأوروبية، الاقتراح الذي لاقى قبولاً وتبنياً من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ، لكن الريال كان أنانياً عندما حصد الألقاب الخمسة الأولى لهذه البطولة في عهد سانتياغو، حتى بات شبحاً يهدد كل ملعب تطؤه أقدام لاعبيه، وبات برنابيو كقائد عسكري بارع لكتيبة من أبرز اللاعبين ملّت أقدامهم منصات التتويج، فكتبت صحيفة التايمز البريطانية “الريال يجول في أوروبا مثل الفايكنغ”، وكتبت صحيفة ليكيب الفرنسية “إنه الفريق الذي أعاد اختراع كرة القدم”، لقد حصل سانتياغو على براءة اختراع ليست في العلوم ولا التكنولوجيا ولا الرياضيات، بل في كرة القدم.

استمر الريال في حصد الألقاب وحقق أرقاماً قياسية بعد أن فاز بلقب الدوري الأسباني ست عشرة مرة في عهد برنابيو من ضمنها خمسة ألقاب متتالية، وستة كؤوس أسبانية، وكأس الإنتركونتيننتال والعديد من الألقاب التي جعلته النادي الأبرز في العالم بفضل براعة سانتياغو الإدارية، ولذلك صادقت الجمعية العامة لريال مدريد عام 1955 على تغيير اسم ملعب تشامارتن الجديد الى “سانتياغو برنابيو” تكريما له.

15