ساندرا نشأت الوحيدة التي نقلت للسيسي همسات حواري مصر

المخرجة المصرية ساندرا نشأت تبقى مميزة وصاحبة جاذبية وتعد نواة لظهور جيل جيد من المخرجات.
السبت 2018/03/31
سينمائية تترك بصماتها بقليل من الكلام وكثير من الإصغاء

الكلمات الأخيرة التي أراد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن يقولها قبل توجهه إلى الانتخابات الرئاسية التي اجتازها بيسر، كانت في حواره مع المخرجة المصرية ساندرا نشأت، عبر فيلمها “شعب ورئيس”. لكن الكلمات القليلة التي أرادت هي أن تقولها اختارت لها أن تكون نقلاً أميناً لصوت الناس من الشوارع والحارات. خرجت بذلك من ثياب المحاورة العادية، لتعيد تقديم نفسها من جديد كمخرجة وفنانة وصاحبة رؤية خاصة.

قليل من المشاهير يتخذون من مدرسة الصمت شعارا لحياتهم، يختفون عن أعين الإعلام والجمهور في رحلة البحث عن تقديم الأفضل لمفاجأة الجميع. نشأت واحدة من هؤلاء. مع أن رحلتها الفنية بدأت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، وهي في بداية العشرينات من عمرها، لكنّ أعمالها لا تتخطى العشرة أفلام روائية طويلة، حاولت من خلالها صناعة سينما متميّزة تعتمد على الفكرة والقدرة على طرح قضايا مسكوت عنها.

لم تكن مدرسة الصمت، هي الوحيدة التي اتخذت منها نشأت شعارا لحياتها التي غلّفتها بسرية شديدة، جعلت من الصعوبة معرفة الكثير من تفاصيلها، بل كان يوازيها منهج آخر عنوانه الرئيسي التحدّي الذي وصفها به بعض النقاد، لأنها درجت على تخطي كثير من الصعاب.

توقيت حرج

توقيت حرج ذاك الذي كانت تمرّ به السينما المصرية حين بدأت نشأت مشوارها، كانت السينما تعيش حالة انهيار تام، حيث انتشار سينما المقاولات وسيطرتها على المشهد، مع تضخّم مجتمع أندية الفيديو التي أبعدت قطاعا كبيرا من الجمهور عن قاعات السينما.

خرجت نشأت في أولى تجاربها بفيلم “مبروك وبلبل” عام 1996 الذي حقق نجاحا كبيرا وحمل معه ملامح عديدة من التحديات، فكانت محظوظة بموافقة الفنان يحيى الفخراني على العمل مع مخرجة شابة.

ولم يكن مطروحا على الساحة في ذلك الظرف خلاف أنها “امرأة” تضع بصماتها على الساحة في وقت لم نسمع فيه سابقا عن وجود سيدة صاحبة بصمة في مجال الإخراج السينمائي في مصر تقريبا، باستثناء إيناس الدغيدي، ولها خلطة سينمائية لا تحبّذها فئة كبيرة من الجمهور، لأنها تعتمد على إثارة الغرائز أكثر من الحرص على الفكرة والمضمون.

التوقيت الدقيق الذي عرض فيه الفيلم، قبل أيام قليلة من انطلاق الانتخابات الرئاسية، لم يمنع نشأت من التخلص من مأزق تصنيفها بالتأييد والدعم لشخص السيسي، وذلك عبر تقديم آراء معارضة لمواطنين بسطاء، منهم من انتقدوا سياسات الحكومة والرئيس نفسه

علاوة على جرأة المخرجة الناشئة في تقديم شخصية “مبروك” المتأخر عقليا، في أول عمل سينمائي لها متحدية به السينما السائدة على الساحة وقدرتها كأنثى على توظيف ممثل كبير مثل الفخراني في دور لم يعتده الجمهور من قبل، ما جعله يحظى بكثير من إشادة النقاد، ويطوف عددا من المهرجانات الدولية.

التحدّي الكبير الذي بدأته نشأت في بداية مشوارها، كان مع عائلتها التي لم تقبل بفكرة التحاقها بمعهد السينما، لكن لم تستسلم أو تتراجع عن حلمها، والتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بالتوازي مع دراستها في معهد السينما، بعد موافقة والدتها التي كانت تلازمها خلال ذهابها وإيابها للمعهد خوفامن والدها لمدة عام.

المدارس في حياة المخرجة المثقفة لا تنتهي. هناك مدرسة التمرّد التي خاضتها الفتاة ذات الملامح الهادئة شديدة البراءة والرقة، من خلال العمل في مجال “سينما الأكشن” لتكون أول مخرجة تصنع بصمة واضحة وتثير غيرة أبناء جيلها من الجنس الآخر للعمل في هذا النوع السينمائي شديد الاحترافية، وهو ما ظهر في فيلمها “ملاكي إسكندرية” عام 2005، الذي لعب بطولته الفنان أحمد عز والفنانة غادة عادل.

توالت أعمال ساندرا في مجال الأكشن وقدّمت مجموعة من الأفلام المتميزة في صناعة سينما المطاردات، مثل “الرهينة” و“مسجون ترانزيت”، وأخيرا “المصلحة” عام 2012.

الرهينة

لم يكن تمرّدها مقتصرا على صناعة مشاهد مثيرة، فكما تمرّدت على وسامة وجهها الهادئ، خاضت التحدّي ببطل أفلامها أحمد عز الذي انحصر في بداية عمله في أدوار “الفتى الوسيم” وصنعت منه نجمًا في سينما الأكشن، وأصبح بطلا لسلسلة من الأفلام في هذا المجال.

مع أن المخرجة صاحبة الشعبية الأكبر بين بنات جيلها فتحت المجال لعدد كبير من المخرجين في صناعة سينما الأكشن، إلا أنها تبقى الأيقونة الأبرز لأنها اهتمت بصناعة حبكة درامية تتوازى مع مشاهد المطاردات التي قدّمتها بما تحمله من موضوع جادّ، في حين أن آخرين اهتموا بصناعة الصورة فقط، وأغفلوا وجود مغزى درامي جادّ ما جعل مجموعة الأفلام التي قدّمتها تتصدر صفحتها الرسمية على قاعدة بيانات السينما العالمية “آي إم دي بي”.

فيلم "حلم" تفتش فيه ساندرا نشأت عن معنى الديمقراطية التي اعتبرها الكثير من المسؤولين في مصر "رفاهية"، وأن المصريين غير مؤهلين لها.
فيلم "حلم" تفتش فيه ساندرا نشأت عن معنى الديمقراطية التي اعتبرها الكثير من المسؤولين في مصر "رفاهية"، وأن المصريين غير مؤهلين لها

أبرز ما قدّمته نشأت في سينما الأكشن كان في فيلمي “الرهينة” و”المصلحة”، وفي الأخير ناقشت موضوعًا شديد الحساسية لم تتطرّق إليه الدراما كثيرا، حيث الصراع بين رجال الشرطة وتجار المخدرات، لكن هذه المرة قدّمت نشأت الخلطة الفنية بشكل أكثر عمقا، لأنها اختارت سيناء كمكان للأحداث، في وقت لم تلتفت الدراما المصرية لسكان هذه المنطقة الحيوية.

وقدّمت في فيلم “الرهينة” موضوعا حساسا آخر تخطّى الحدود المحلية، وبدت أبعاده الدولية واضحة وبجرأة كبيرة، عبر اختطاف عالم نووي مصري مسيحي لعب دوره الفنان صلاح عبدالله، لصالح جهة دولية تريد تصفيته جسديا والاستحواذ على بحث علمي مهمّ، وتعاملت مع هذا الفيلم بطريقة تحمل معاني دينية معيّنة لكنها لم تكن مباشرة.

على الرغم من أنها مسيحية الديانة، لم تتطرّق لذلك في أي عمل سابق لها، باستثناء هذا العمل الذي جعلت بطله يحمل الديانة المسيحية عن قصد، والبطل الذي يحاول إنقاذه مسلم، الفنان أحمد عز، وهي إشارة أرادت ساندرا من ورائها التأكيد على الوحدة الوطنية في مصر وعدم الانسياق وراء دعوات التيار الإسلامي الذي كان يحرّض ضد الأقباط في ذلك الوقت.

في بيوت المصريين

عندما فكرت في قرار الهجرة في أعقاب حكم جماعة الإخوان المسلمين من يونيو 2012 وحتى يونيو 2013، لم يتجاوز الأمر كونه خاطرا طاف بعقلها لمدة 48 ساعة فقط، ثم تراجعت عن الفكرة، وبدأت مرحلة جديدة من النضج والوعي الفني والفكري الجاد، واختارت أن تواجه المتشددين وألاّ تهرب منهم.

بدأت نشأت المرحلة الجديدة منذ عام 2014، وهنا تجاوزت كونها مخرجة تبحث عن فكرة ناجحة تستقطب الجمهور لشبّاك التذاكر أمام دور العرض، وذهبت هذه المرة لمنازل المشاهدين عبر تقديم سلسلة من الأفلام الواقعية – التسجيلية التي تتحدث فيها مع المواطنين بتلقائية وبساطة تسألهم فيها عن أوضاع المرحلة والظرف السياسي الذي يمرون به.

تجاوزت بهذه الأفلام أقلام الكثير من الكتّاب والمثقفين وأصحاب المقاعد الإعلامية الذين لم يحرّكوا ساكنًا في قلب أو عقل المواطن وظلوا يخطبون وينظرون من مقاعدهم الشخصية.

"الرهينة" و"المصلحة" فيلما ساندرا نشأت يعتبران أبرز ما قدمته في سينما الأكشن، وناقشت في الأخير موضوعا شديد الحساسية حيث الصراع بين رجال الشرطة وتجار المخدرات، واختارت سيناء كمكان للأحداث، في وقت لم تلتفت الدراما المصرية لسكان هذه المنطقة الحيوية

نزلت إلى المواطنين في الشوارع وطافت معهم محافظات مختلفة، من أبسطهم إلى أعلاهم، واختارت نخبة مجتمعية متنوعة وسألتهم تارة عن أحلامهم كما في فيلم “حلم”. فتشت عن معنى الديمقراطية التي اعتبرها الكثير من المسؤولين في مصر “رفاهية”، وأن المصريين غير مؤهلين لها، لكن نشأت أرادت التأكيد على أن الشعب واع بطبيعة التحديات والديمقراطية ليست لها مجتمعات صالحة وأخرى غير صالحة، المهمّ هو توفير المناخ المناسب لممارسة الحرية بلا قيود، وهنا سوف يعبر الناس عن أمانيهم بمسؤولية.

بحثت عبر هذه النوعية من الأفلام عن مناطق أخرى لدى المواطن الذي أصبح لا يجد ضالّته في المنابر الإعلامية التي تجاهلته، وتحدثت نيابة عنه ما جعلها أقرب لهم من هؤلاء الذين يسجلون برامجهم في جزر منعزلة.

وزادت الجمالية الفنية بربط المشاهد بهذه الأفلام من خلال صناعة صورة سينمائية بسيطة استعرضت فيها جمال مصر، وتعمّدت أحيانا أن تبرز أهم الرموز الفنية في كثير من محافظات مصر.

نجحت في تضفير هذه الأفلام مع موسيقى وأغان تعبّر عن الأصالة والحضارة، وأعادت للأذهان ما كان مخبوءا من تراث قديم مثل أغنية “مصر جميلة” للراحل محمد طه وقدمتها بإبداع فني جديد في فيلم “شارك” قبل الاستفتاء على الدستور المصري عام 2014.

لغة سينمائية

خاضت نشأت مؤخرا تحديّا جديدا وضعت مسألة تجاوزه على كاهلها، ويحمل شعار “عمل فني لصالح المواطن وليس من أجل الربح”. وكان هذا التحدي من خلال فيلمها “شعب ورئيس” الذي عرض مؤخراً وحاورت خلاله الرئيس السيسي.

هنا استخدمت المخرجة لغتها السينمائية بمحاولة تقريب الرمز السيادي للمواطن البسيط، وظهر ذلك في التفاصيل التي راعتها في مشاهد الفيلم، في التصوير بمكان يبتعد عن القصر الرئاسي وارتداء الرئيس ملابس غير رسمية ومحاولة البحث بعمق في الجوانب الشخصية.

رغم التوقيت الدقيق الذي عرض فيه الفيلم، قبل أيام قليلة من انطلاق الانتخابات الرئاسية، إلا أنّ نشأت خرجت من مأزق تصنيفها بالتأييد والدعم لشخص السيسي عبر تقديم آراء معارضة لمواطنين بسطاء، منهم من انتقدوا سياسات الحكومة والرئيس نفسه، وهو ما حظي بإشادات كثيرة.

مع ذلك عاب البعض عليها عدم قدرتها على أن تستخرج من الحوار مع الرئيس خططا مستقبلية أو تتحدث عن سر عدم تقديمه لبرنامج انتخابي.

مع كل عمل روائي واقعي كانت تقدّمه ساندرا للمواطن البسيط على مدار الأربع سنوات الماضية، كانت تخرج بعده في بعض اللقاءات التلفزيونية تتحدث عن فكرتها، لكن في فيلمها مع الرئيس السيسي التزمت الصمت، واعتبرت أنها ليست بحاجة للكلام.

رأت أنها قدّمت شيئا حقق متعة للجمهور وقرّبهم أكثر من رمز الدولة، وهنا يكمن ذكاء ساندرا التي خرجت من منطقة التأويل لفكرتها الرئيسية التي حملت مغزى سياسيا ناعما.

الإخفاقات في حياة نشأت قليلة. أبرزها الغياب لفترات عن العمل السينمائي، بعد القاعدة الجماهيرية الكبيرة التي حققتها. وإخفاقها في فيلم “ليه خلتني أحبك” الذي لعب بطولته الفنان كريم عبدالعزيز والفنانة منى زكي، وحمل مضمونا وصورة ضعيفين لا يتوازيان مع البداية القوية التي صنعتها في فيلم “مبروك وبلبل”.

لكنها، مع ذلك، بقيت حريصة في تجربتها على تقديم كافة الأشكال السينمائية، فقدمت أفلامًا كوميدية مثل “حرامية في كي جي تو” و”حرامية في تايلاند” بخلاف الأعمال التي تجمع بين الدراما والأكشن المذكورة سابقا.

تبقى رحلة ساندرا نشأت مميزة وصاحبة جاذبية خاصة لبنات جيلها من المصريات، بل كانت نواة لظهور جيل جديد من المخرجات، لتصبح بعد ذلك رمزًا ونموذجًا للمخرجة الواعية والتي تجيد اختيار الموضوعات، حتى وإن كان ذلك يكلفها الغياب لسنوات عن الجمهور الذي تسعى دوما لترتضيه حتى ولو كان من خلال حوار تلفزيوني مختلف مع رئيس الجمهورية.

12