ساندريلا شامية تخرج في منتصف الليل لتعلق الملصقات

الخميس 2014/10/02
على المثقف أن يشارك في بناء ثقافة جديدة

القاهرة- مصطفى تاج الدين الموسى، قاص وكاتب مسرحي سوري استطاع أن يبرز اسمه ساطعا في السنوات الأخيرة، درس في كلية الإعلام جامعة دمشق، وأصدر مجموعته القصصية الأولى بعنوان “قبو رطب لثلاثة رسامين”، والتي حازت على المركز الثاني في جائزة الشارقة للإبداع الأدبي 2012، وقد حصد العديد من الجوائز في مجال القصة القصيرة على الصعيدين السوري والعربي. ترجمت قصصه إلى لغات أخرى، وصدرت له مؤخرا المجموعة القصصية الثانية بعنوان “مزهرية من مجزرة”.

عن مجموعته القصصية الجديدة “مزهرية من مجزرة” يقول الموسى “صدرت المجموعة مؤخرا عن دار بيت المواطن للنشر والتوزيع، الرابطة السوريّة للمواطنة -بيروت- ضمن السلسلة الأدبيّة الشهريّة “شهادات سوريّة” العدد السابع، وتضم 80 عملا؛ ما بين قصة قصيرة جدا، وقصة قصيرة، ونص قصصيّ، وقد كتب أغلبها خلال السنوات الثلاث السابقة.


مزهرية من مجزرة


في قصته القصيرة جدا “مزهرية من مجزرة”، والتي يقول فيها موسى “لم يعثر والده بين الجثث التي ذابت ملامح وجوه بعضها على والدته، أحد الجرحى طمأنه بأنه قد لمحها عن كثب تغادر الحفلة قبل القذائف ببضع دقائق، الطفل كان -وبسعادة- يلهو بالتقاط الأيدي المقطوعة من بين الأشلاء البشرية، وهو يظنها دمى، فجمع عدة أيدي، صرخ عليه والده وهو يأمره بالرجوع حالا للبيت، ثم وعده بأنه سيرجع إلى البيت بعد قليل، وأمه معه، ركض الطفل وهو يحضن إلى صدره الأيدي المقطوعة".

في البيت داخل غرفة الجلوس، التقط المزهرية عن الطاولة ورمى عليها الورود، ليدسّ بها تلك الأيدي، ثم وضعها جانبه على الأريكة، وهو يتأملها ويبتسم ببلاهة، تأخر والده ووالدته.. شعر بالنعاس.. تثاءب، ثم غفا جانب المزهرية. بعد أن نام.. ثمة يد من الأيدي في المزهرية، مالت إليه بهدوء لتمسح بحنان على شعره الناعم”.

الشعب السوري هو "سندريلا" التي لا تزال تظهر ليلا لتلصق ملصقا معارضا على جدار أحد الأزقة

وردّا على سؤالنا له هل ثمة “زهور” حصل عليها الشعب السوري من “مزهرية المجزرة”، يقول مصطفى تاج الدين الموسى: “لم يعثر الشعب السوري في هذه المزهرية على ورود.. وإنما على أيدي مقطوعة من المجازر التي تعرض إليها، وهو الوضع المؤسف الذي أردنا التعبير عنه”.

لايخفي الموسى تأثره بما آلات إليه الأحداث في سوريا بعد قيام الثورة السورية، سواء في مجموعته القصصية الأولى أو الثانية، معتبرا أن المبدع لا يستطيع أن يعيش في جزيرة نائية، وأنه بلا شك يعتبر جزءا من الحدث ومعبرا عنه، وهو ما أدّى إلى إطلاق البعض عليه لقب “قاص الثورة”، خاصة بعد أن استطاع أن يسطر بقلمه قصصا ممثلة للواقع المؤلم، مثل “عندما توقف الزمن في هذا القبو”، “مشهد سينمائي من الحرب”، “كم هم لطفاء”.

وفي قصته القصيرة جدا “سندريلا” التي أوردها ضمن مجموعته القصصية “مزهرية من مجزرة”، يقول الموسى: “على عجل وتحت ستار الليل، وبوشاح يغطي كل وجهها باستثناء عينيها، كانت سندريلا تلصق على جدار زقاق عتيق ملصقات معارضة، من بعيد لمحها جنود الملك، فطاردوها بحنق بين الأزقة، لكنها اختفت فجأة، ولم يعثروا سوى على فردة حذائها، الخبر وصل للملك فاستشاط غضبا.

ثم أمر جيشه بالتوجه إلى كل مدن المملكة، وإجبار الناس على دسّ أرجلهم في الحذاء.. وقتل كل من يتطابق حجم رجله مع حجم الحذاء، خلال شهور قليلة اقتحم جنود الملك كل المدن والقرى، وارتكبوا بها الكثير من المجازر، لأن أرجل كل الناس.. رجالا ونساء.. أطفالا وشيوخا.

"مزهرية من مجزرة" تطابق الواقع السوري

كان حجمها يتطابق مع حجم هذا الحذاء، عندما انتهى الشعب رجع الجنود إلى ملكهم، فقلدهم بغبطة أوسمة النصر، رغم هذا.. ظلت سندريلا تظهر ليلا في زقاق ما، كل بضعة أيام.. لتلصق على جداره ملصقا معارضا، ثم تهرب، تاركة خلفها في كل مرة.. فردة حذاء”.

وعن مدى تشابه هذه القصة مع الواقع السوري، يؤكد الكاتب مصطفى تاج الدين الموسى أن ثمة تشابها كبيرا بين هذه القصة وكل قصص المجموعة والواقع السوري، لأنها أساسا مستوحاة منه، وكما في القصة، رغم قيام الملك بقتل كل الناس في مجازر مريعة، إلا أن سندريلا لا تزال تظهر ليلا لتلصق ملصقا معارضا على جدار أحد الأزقة، ثم تهرب تاركة خلفها كل مرة فردة حذائها للعسس.


النظر إلى الخلف


ويلفت الموسى إلى أن الوضع الثقافي الراهن في سوريا لا يدعو كثيرا إلى التفاؤل، لأنه في الأصل خاضع وتابع للنظام ضمن مؤسسات ثقافية مترهلة، لكن الشيء الجيد أنه في سنوات الحرب هذه، ثمة أسماء جديدة بدأت تبرز بكتابات جميلة مستوحاة من الواقع السوري المؤلم، وسيكون لها مستقبل جيد.

ويبيّن أنه لا يمكن الحكم على ثقافة أيّ بلد في العالم من خلال النظر إلى نتاجاته الأدبية خلال ثلاث سنوات، الأمر يحتاج إلى فترات زمنية طويلة.

أدبيا، ما كتب حول الحرب في سوريا (قصة، شعر، نصوص، مسرح، رواية) ما زال قليلا، وخصوصا أن الكثير من الكتاب يعيشون إلى الآن في مناطق يسيطر عليها النظام، ومن استطاع الخروج، لم يتأقلم بعد مع الواقع الجديد، الأعمال الأدبية العالمية المهمة التي تناولت الحروب، أغلبها كتب بعد انتهائها، يمكن أن نشبه الأمر هنا برجل يخرج من مرحلة مهمة، ثم ينظر إلى الخلف.. ويبدأ بهدوء في إعادة صياغة لما قد حدث.

وعن مدى تأثره بوالده الكاتب تاج الدين الموسى (الأديب السوري البارز) في كتاباته يقول القاص: “يمكن أن يكون هنالك أثر في مراحل مبكرة من قصصي، لكن مع مرور الوقت وتكاثر القصص، ذهبت باتجاهات قصصية غير تلك التي سلكها الراحل والدي، ومن يقرأ قصص تاج الدين الموسى وقصصي سوف ينتبه إلى هذا الأمر”.

ويشير الموسى إلى أن الجوائز الأدبية وخصوصا تلك التي على المستوى العربي، تساهم في تسليط الضوء على الأسماء الفائزة بها من الناحية الإعلامية، وكذلك طباعة نصوص الفائزين وتوزيعها، فهي تساهم أيضا في وصول الإبداعات الجديدة إلى القراء.

زمن الرواية

إن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا مهما في دعم وانتشار الفن القصصي والشعري أيضا

وعن رؤيته لمقولة “زمن الرواية”، ومدى إيمانه بصدقها يقول الموسى “فعلا زمننا هذا هو زمن الرواية، لكن هذا الأمر لم ينقص أبدا من مقروئية الفنون الأدبية الأخرى، إن وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر..) لعبت دورا مهما في دعم وانتشار الفن القصصي والشعري أيضا، على عكس النص المسرحي والرواية لصعوبة الأمر”.

ويشدّد الموسى على أن للمثقف السوري حاليا دورا مهما للغاية، فثقافة اللون الواحد تنهار يوما بعد يوم، ولهذا فعليه أن يشارك في بناء ثقافة جديدة متنوعة ومنفتحة تخدم قيام جمهورية جديدة، مشيرا إلى وجود الكثير من الإبداعات الأدبية الجميلة التي عبرت عن الواقع السوري الحالي، لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن نقول أن هنالك أدب حرب أو أدب ثورة في سوريا أو المنطقة، لأن الأمر يحتاج إلى سنوات والكثير من الإبداعات والأسماء وأيضا إلى دراسات أدبية حتى يتبلور المصطلح وأمثلته بشكل جيّد، ليشكل ما يمكن أن نسميه: أدبا شاهدا على عصره.

ويؤكد الموسى أن الوضع السياسي الراهن في سوريا سيّئ جدا، فما تزال لعبة التوازنات والمصالح مستمرّة بين النظام السوري وإيران والغرب وأوروبا وأميركا ودول الخليج وإسرائيل، والخاسر الوحيد حتى الآن هو الشعب السوري، بعد أن أجهضت كل أحلامه.

15