"سايس" السيارات مهنة من لا مهنة له في مصر

منادي السيارات أو “السايس” كما يطلقون عليه في مصر، رجل أو امرأة، يساعد الناس في ركن سياراتهم والمحافظة عليها فترة غيابهم مقابل مبلغ من المال، وتسود حاليا حالة من النفور والغضب في الشارع المصري نظرا إلى تحول هذا العمل إلى مهنة من لا مهنة له ومصدر رزق دون بذل أي جهد أو الحصول على شهادة تعليمية، كما يثير هؤلاء السيّاس الكثير من الأرق للمواطنين.
الخميس 2017/06/15
زحمة السيارات توفر مواطن شغل كثيرة

القاهرة- “السايس” مهنة خرجت من رحم الازدحام اليومي لشوارع القاهرة وانتقلت تدريجيا إلى المحافظات، فمالكو السيارات ينتظرون بفارغ الصبر أي بقعة شاغرة لركن سيارتهم، يجوبون الشوارع طويلا أملا في العثور عليها، لكن النقص الكبير في أماكن الانتظار يحول دون ذلك، وهنا يتدخل السايس ليكون هو “المنقذ” ويوفر مكانا للركن أو “الباركينغ” كما يطلق عليه البعض.

هذا المنقذ يختفي أثره تماما عندما لا يكون بمقدوره توفير مكان للركن لكنك تفاجأ به وأنت مغادر بسيارتك يقفز أمامك يريد مكافأة لا يستحقها ولم يبذل في سبيلها أي جهد.

وباتت من المألوف مباغتة السايس لصاحب السيارة، الذي بدوره لا يعرف من أين جاء، فيفتح عليه الباب صارخا في وجهه “كل سنة وأنت طيب يا باشا.. حمدا لله على السلامة يا هانم.. هتنزل سيادتك متأخر؟ الركنة هنا بـ10 جنيه (نصف دولار تقريبا) في الساعة يا أستاذ”.

حصل السايس على مهنته بالفهلوة وفرض سياسة الأمر الواقع على أصحاب السيارات، بل وحتى أدواته لم يطورها، فهي على الدوام فوطة صفراء “قذرة” مبللة بالزيت والكيروسين وجردل (دلو عميق) وصافرة تشبه تلك التي يستخدمها الحكم في المباريات، ليوجه بها صاحب السيارة إلى المكان الذي احتكره.

سايس لكل مواطن

أصحاب المركبات بين ناري دفع الإتاوة أو تخريب السيارة

حتى السنوات الأولى من خمسينات القرن الماضي لم يكن السايس يجرؤ على ممارسة عمله في مصر إلا بعد موافقة المحافظة وامتثاله لكافة الإجراءات لتفعيل دوره في الشارع، أما الآن فقد ذهب كل هذا أدراج الرياح.

محمد جابر موظف بحي المطرية بمحافظة القاهرة، أكد أنه في الماضي كان من الأساسيات الكشف عن هوية السايس وفحص صحيفته الجنائية للتأكد من سلامتها، فإذا انطبقت عليه الشروط يتم قبوله وتسجيله في بلدية المحافظة التابع لها، وبعد ذلك يحصل على رخصة مزاولة المهنة على أن يتم تجديدها سنويا أو كل 3 سنوات.

وكان، حتى يمكن تمييزه عن الآخرين، توضع له شارة (علامة مميزة) فوق ذراعيه، وتحدد المحافظة تعريفة موحدة (رسوما) يحصل عليها السايس من أصحاب السيارات المستفيدين من الخدمة مقابل الحصول على إيصال بذلك، كما أن الدولة تأخذ نسبة من حصيلة الإيرادات.

وأضاف جابر لـ “العرب” أن تواجد السايس كان محصورا في الساحات وكراجات البنايات، وتحت الكباري والشركات والمصانع والأماكن العامة، وكان هناك من يتعاقد مع المجلس المحلي أو إدارة الحي من أجل استغلال الأراضي أو الأرصفة في الشوارع مقابل إيجار نصف سنوي.

تغير الأمر بعد ثورة 25 يناير 2011 وانتشر نوع آخر من السياس وتحول من مهنة فرد إلى جماعات تسيطر على مناطق بأكملها، مستغلة نقص الأماكن الخاصة بركن السيارات بالشوارع الرئيسية والفرعية، وراحت تطالب المواطنين بأموال مقابل السماح لهم بوضع سياراتهم على جانبي الطريق بجوار الرصيفين دون أي رقيب من الحكومة.

تفرع من تلك الجماعات السايس البلطجي الذي يفرض إتاوات على السائقين، والسايس “السوابق”، أي الذي لديه سابقة جنائية وتم سجنه، وهو شخص وقح الأسلوب يستغل خشونة ملامحه لإخضاع قائدي المركبات لما يفرضه عليهم من رسوم مقابل الركن.

أصبح السياس على كل شكل ونوع، حتى ليخيل أن عددهم بات يفوق عدد السيارات، ما جعل البعض يتندر بأن في مصر الآن “سايس لكل مواطن” لانتشارهم في الحارات والأزقة وأمام الأكشاك ونصّبوا من أنفسهم “حامي حمى السيارات” .

مي سمير، وهي مهندسة معمارية، فاض بها الكيل ممن أسمتهم “إمبراطورية السُيّاس” وقالت بلهجة حادة، “ليس من الضروري أن كل من لديه سيارة هو شخص قادر ماديا، فهناك من اشتراها بالتقسيط، أو دخل في جمعيات متعددة (مجموعة من الأصدقاء يتشاركون في تقسيط المال بينهم كل شهر) للحصول عليها، أو حصل على قرض من البنك لتمويلها، وبالتالي فهو يكون بين نارين؛ الأولى الخوف عليها إذا تركها في الشارع دون رقيب، والثانية أنه لا يستطيع أن يعطي هؤلاء السيّاس ما يطلبونه من نقود يوميا لأن هذا يتطلب ميزانية شهرية”.

وأوضحت لـ”العرب” أنها تقابل في يومها خمسة أنواع من السياس، فهناك سايس تراه صباحا ومساء تحت منزلها فإن لم تدفع له فإنها تتوقع أن تنزل لتجد إطارات سياراتها فارغة من الهواء انتقاما منها.

مافيا وبلطجة تستوليان على الشارع بالقوة

وهناك سايس أمام محل عملها وله شهرية مخصصة بالاتفاق معه، وإن لم يأخذ ما يطلبه سيكون مصيرها الخصم من الراتب لتأخرها عن مواعيد العمل الرسمية بسبب بحثها الدائم عن مكان تركن فيه.

أما السايس المودرن فتجده دائما أنيقا ومهندما أمام المولات (المراكز التجارية الكبرى) ودور السينما والمطاعم، ولأن تلك الأماكن لا يتردد عليها إلا الأغنياء فهو يتوقع منهم إكرامية كبيرة.

عندما تقرر مي الذهاب لشراء احتياجاتها اليومية يظهر لها من تحت الأرض نوع رابع، وهو السايس “النصاب” ليطلب منها ثمن الركن ثم يختفي تماما بعد ذلك. ومؤخرا ظهر نوع جديد منهم بعد أن استولى أصحاب الأكشاك والمحلات على المساحات الممتدة أمامهم ويضعون على رأسها سايسا يمنع أصحاب السيارات من الركن إلا بعد دفع مبلغ من المال بذريعة أن هذا مكان تابع لهم.

فوق رقابة القانون

اكتسب السايس من عمله بعض المهارات، فبعد أن كان يساعد السائق في إيقاف سيارته وحراستها إلى حين عودته، تعلم القيادة وبات يتسلم مفتاح السيارة من صاحبها ويتولى هو ركنها.

وخطوة تلو الأخرى تحولت المهنة إلى ما يشبه “المافيا” ويرعاها أباطرة كبار يعملون دون تراخيص ليعلنوا قانونا موازيا لقانون الدولة، ومن ثمة يحتكرون مناطق بأكملها، يفرضون نفوذهم عليها ولا يسمحون لآخرين بمشاركتهم.

في مصر 8.6 مليون سيارة وفقا لآخر إحصائيات رسمية أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2015، تقع أغلبية أصحابها تحت مطرقة استغلال “أباطرة السياس” في غياب تام من الرقابة والقانون.

محمود عزام، وهو مستشار قانوني، لاحظ من خلال تردده على أماكن مختلفة، نظرا إلى طبيعة عمله، أن هناك فئات متفاوتة، وأوضح أن السايس الذي يحتكر الأرصفة المواجهة لجامعة خاصة أو لمركز تجاري شهير أو لسفارة دولة أجنبية هو الأعلى شأنا وأجرا من صديقه الذي يمارس دوره أمام إحدى الأبنية الحكومية.

هؤلاء يتعاملون وفقا لنوع السيارة وسعرها، فأصحاب السيارات المرسيدس لهم معاملة خاصة تختلف عن سائقي السيارات صينية الصنع، سواء في الرسوم التي يفرضونها على الانتظار أو طريقة الاستقبال لأصحابها.

وأشار عزام لـ”العرب” إلى أنه مع مرور الوقت اعتاد السياس على “البلطجة” بالسماح لزبائن بعينهم بالركن ومنع الآخرين الذين يعترضون على الرسوم المفروضة والمبالغ فيها، وقال إنه يدفع 40 جنيها (ما يعادل 2 دولار) يوميا مقابل الركن في أماكن مختلفة.

ذات مرة حاول عزام أن يعترض على الرسوم كونها “إتاوة” مقننة، فكان نصيبه إتلاف وتكسير الزجاج الأمامي لسيارته ما تكلف إصلاحه 40 دولارا، وهو ما اعتبره عودة إلى نظام “الفتوة وفرض العضلات”، فالسايس لا يخاف أحدا لأنه غالبا ما يعمل تحت رعاية بعض أمناء الشرطة، لأن هناك اتفاقا بينهم من الباطن بحمايته مقابل جزء من الدخل.

وحذر المستشار من أن بعض السياس تحولوا مع الوقت إلى مرشدين للعصابات، فهم يرصدون كافة تحركات زبائنهم ويعرفون مواعيدهم وتحركاتهم ويبلغونها للعصابات التي تستغلها لسرقة المنازل أو السيارات.

أوضح محمد مختار المحامي لـ”العرب” أنه يلجأ إلى السايس رغم أنه يعمل في المحاكم، لأنه على اقتناع بأنه يعرف كيف يفاوض شرطة المرور ويمنع كلبشة السيارة (أي وضع القيود بها) إذا كانت السيارة مركونة في الممنوع، وله تأثير عليهم فيمنعهم من رفع السيارات المركونة صفا ثانيا أو ثالثا.

وأشار مختار إلى أنه في السنوات الأخيرة كثرت القضايا التي وصلته من سياس تم القبض عليهم بتهمة فرض الإتاوات أو تعاطي المخدرات أو ممارسة أعمال البلطجة والتحرش بالفتيات.

سايس يرصدون تحركات زبائنهم ويبلغونها للعصابات التي تستغلها للسرقة

وخصصت غرف المرور بمديريات الأمن رقما ساخنا لتلقي شكاوى المواطنين من السايس، وانتشر الرقم على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية، وتم عن طريقه تقديم بلاغات وشكاوى ضدهم من قبل المواطنين وإلقاء القبض على المئات منهم.

أم شريف سيدة خمسينية أجبرتها الظروف على مهنة السايس لتنفق على أسرتها، وبالفعل استطاعت بعد معاناة الاستيلاء على ساحة انتظار بشارع شبرا (وسط القاهرة) وأبدت خوفها من الحملات التي تشنها وزارة الداخلية حاليا، فهي لا تعرف مهنة غيرها، خاصة أنها أخرجتها من دوامة العوز والاحتياج.

وأكدت لـ”العرب” أنها تكسب مالها من عرق جبينها، فقد دفنت أنوثتها وعملت بمهنة هي أقرب للرجال من النساء لتنفق غلى بناتها الست وتزوجهن. واستنكرت الاتهامات التي يطلقها عليها المواطنون، فهي على اقتناع تام بأنها تمارس مهنة شريفة وليس بها ما يعيبها وتعمل في الشارع أمام الجميع وليس في بيوت الدعارة.

فقراء الملبس أغنياء الجيب

سياس كثيرون لا يشير مظهرهم إلى ما يمتلكون، فهم يخدعون المواطنين بمظهرهم وملابسهم الرثة وادعاءاتهم المتواصلة بأنهم ليس لديهم قوت يومهم، وأن “الذي رماهم على المر هو الأكثر مرارة”.

وأكدوا أنهم لا يفرضون على المواطنين سياسة الأمر الواقع، بل إنهم هم من يعانون منها، فقد لجأوا إلى هذه المهنة نظرا لضيق الحال وكانت هي الطريق الوحيد للرزق الحلال وتوفير متطلبات الحياة.

لكن الحقيقة تنافي ذلك، فقد رصدت “العرب” أن كبار السياس (المعلمين) يمتلكون أبنية وسيارات فارهة، واستمرارهم بالمهنة ليس من جراء الفقر ولكن لأنها كانت سببا في ثراء سريع وفاحش، فالمهنة تدر عليهم دخلا سريعا دون مجهود، ما أغراهم على التوسع فيها وفرض سيطرتهم على مناطق بأكملها وليس شوارع فقط.

وأوضح محمود علي، وهو أحد سياس منطقة فيصل بالهرم بمحافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، أنه وزملاؤه يكسبون يوميا ما يقرب من 1800 جنيه (100 دولار) لكنها لا تدخل جيوب صغار السياس، بل إن هناك شخصا مسؤولا (المعلم) عن مواقف السيارات عن أكثر من منطقة يتم منحه ما حصلوا عليه وهو بدوره يعطي “يومية” للسياس، وإن لم يستجب لأوامره يتم طرده من المنطقة أو تلفيق تهمة له.

الفهلوة في كسب الرزق

محمود وزملاؤه من حملة المؤهلات المتوسطة، قبلوا بتلك المهنة بعد أن فشلت كل مساعيهم للحصول على وظيفة تناسب مؤهلاتهم، لكي لا يلجأوا إلى السرقة أو ينضموا إلى تنظيمات إرهابية كثيرا ما عرضت عليهم ذلك.

محمد أو “بندق” كما يسميه البعض، شاب عشريني نحيل الجسد، متوسط القامة يعمل سايسا هو وشقيقه بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، أوضح أنه يتخذ من ركن السيارات لقمة عيش بالحلال بسبب البطالة التي عانى منها طيلة السنوات الماضية.

وأكد لـ”العرب” أنها مهنة ربحها عال وعائدها اليومي يصل إلى 600 جنيه (ما يعادل 35 دولارا)، لكنه لا يفرض على قائدي السيارات إتاوة، فهو يرضى بالقليل الذي يجود به صاحب السيارة، وإذا لم يعطه مقابل مجهوده في الوقوف بجانب السيارة وحمايتها يفوض أمره لله، لكنه لا يتعرض له أو لسيارته.

العميد محمد السيد بجهاز الشرطة المصرية، أوضح أنه سيتم تقنين أوضاعهم باعتبارهم فئة موجودة في المجتمع بشروط، أهمها استخراج سجل أمني والحصول على تراخيص من الأحياء بمزاولة المهنة، وتحديد منطقة وموقع لكل سايس يكون مسؤولا عن سياراته. وفي المقابل يتسلم السايس دفاتر مختومة يحدد بها تعريفة الانتظار وعدد الساعات على أن تدخل تلك الحصيلة إلى خزينة الدولة ويتم وضع مرتبات خاصة بالسايس.

وأضاف لـ”العرب” أن هناك قانونا جديدا سيتم تفعيله في القريب العاجل ويواجه بلطجة هؤلاء بمجرد التبليغ عنهم من قبل المواطنين وستكون عقوبة ذلك غرامة تصل إلى 500 جنيه ( 28 دولارا تقريبا)، أو الحبس لمدة لا تقل عن عام، مشددا على أن الدولة ستكشف عن سلوك السايس بعد ذلك واستبعاد البلطجية منهم والتعامل بحزم مع من يفرض سيطرته أو سطوته على المواطنين.

20