سايكس - بيكو - سازانوف القديمة المتجددة وافتراق مشروعين

الأحد 2014/08/10
اتفاقية سايكس – بيكو غيرت الخارطة السياسية العربية

اللحظة التاريخية التي تعبرها المنطقة وشعوبها، ليست بعيدة كثيراً عن مناخ العام 1916 حين تم توقيع اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، غير أن الوعي التاريخي أصعب دروس التاريخ ذاته، فما يمرّ من أحداث كبرى قد يتكرّر بسهولة، إن لم يكن رصد الحدث وقراءته وتحليله بالقدر الكافي واللازم لإدراك المختلف في تأثيره والتعاطي معه، ولئن كانت الدوائر الدولية الكبرى صاحبة القوة والمصالح قادرة على استخدام مقصاتها أينما شاءت وحيثما شاءت، فإنه يمكن للشعوب والساسة أن يمروا من بين تلك المقصات، مخلّصين أوطانهم من كوارث لن تقتصر على الحدود والجغرافيا بل ستصب حتماً في صميم الإنسان وتكوينه ومستقبله.

"اتفاقية القاهرة السريّة” كان هذا اسم الاتفاقية التي وقّعها كلٌ من ممثلي بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في السادس عشر من أيار ـ مايو من العام 1916، والتي بقيت طي الكتمان ريثما تنضج الظروف المحيطة بها، وتهدأ المنطقة التي كانت تشهد “فوضى خلاقة” مشابهة لما يحدث اليوم في العام منذ العام 2011 وحتى اليوم في العام 2014، وكانت الاتفاقية مبنية على وثائق مطالبات تم تبادلها فيما بين الدول الثلاث.

وكانت فرنسا قد كلّفت بتوقيع الاتفاقية جورج بيكو القنصل السابق في بيروت والمندوب السامي لمتابعة شؤون الشرق الأدنى، بينما مثّل بريطانيا السير مارك سايكس الرحالة والمستشرق والمندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، وكان دور المندوب الروسي سازانوف الإشراف على المفاوضات بين البلدين، تلك المفاوضات دارت في القاهرة وانتقلت بعدها إلى ساحة أخرى أبعد عن الشرق لم تكن سوى مدينة سان بطرسبورغ الروسية.


مناخ الاتفاقية


قدّمت الاتفاقية تصوّراً متكاملاً للمنطقة التي عرفت بالهلال الخصيب وأطراف الخليج العربي وسوريا الكبرى، ومنحت فرنسا مناطق نفوذ وسيطرة مباشرة في الجناح الغربي من الخارطة، الذي مثلته سوريا الحالية ولبنان وصولاً إلى الموصل، بينما حصلت بريطانيا على الأجزاء الجنوبية من بلاد الشام لتمتد منطقة نفوذها شرقاً إلى بغداد والبصرة وكل المناطق التي تقع ما بين الخليج العربي وجنوب منطقة السيطرة الفرنسية، على أن تبقى المنطقة المسماة فلسطين تحت إدارة دولية تتفاهم حولها الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا وروسيا، مع منح بريطانيا حق السيطرة على موانئ فلسطين مثل حيفا وعكا ويمكن لفرنسا أن تستخدم ميناء حيفا دون إذن، مقابل أن تستخدم بريطانيا ميناء الإسكندرونة الذي سيكون تحت سيطرة فرنسا.

تم تقسيم الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق، أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.

كان سازانوف وزير خارجية روسيا القيصرية هو المشرف الضامن لتطبيق ما تم التوقيع عليه ما بين المسيو بيكو والسير سايكس في القاهرة أولا ثم في مدينة سان بطرسبورغ الروسية ولكن انهيار النظام القيصري وصعود الشيوعية في موسكو فضح الاتفاقية السرية وأزاح الروس من اللعبة


يهود وعرب


غادر الوفدان البريطاني والفرنسي سان بطرسبورغ وطويت التفاهمات السرية، وتابع الشريف حسين ثورته، وتابعت الجيوش الفرنسية والبريطانية حربها من عدة محاور ضد العثمانيين، وفي أكتوبر ـ تشرين الأول من العام 1917، سقطت موسكو بيد الثوار الشيوعيين بقيادة لينين والذين عثروا على وثائق سازانوف وسايكس وبيكو، وقاموا بتسريبها كاملة، وبعد أقل من شهر على افتضاح الاتفاقية السرية سارعت الخارجية البريطانية إلى تغيير استراتيجيتها تجاه عنصرين كانا على صلة وثيقة بها وبتطور عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط، العنصر الأول كان اليهود والحركة الصهيونية التي تلقت وعداً صريحاً مكتوباً وملزماً بالتزام بريطانيا بمنح فلسطين لليهود، وهو ما عرف بـ “وعد بلفور” الذي جاء على شكل رسالة وقعها وزير الخارجية البريطاني السير آرثر بلفور بتاريخ الثاني عشر من نوفمبر ـ تشرين الثاني من العام 1917 إلى اللورد روتشيلد وأعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

أما العنصر الثاني فكان حركة التحرر العربية، التي أرادت إنشاء دولة قومية للعرب على أنقاض ما سمّته بالاحتلال العثماني للبلاد العربية، وكان ردّ الفعل البريطاني على افتضاح اتفاقية سايكس بيكو سازانوف تجاه العرب، عزل مكماهون المكلّف بالتنسيق مع الشريف حسين والمضي في تطبيق الاتفاقية السرية دون الالتفات إلى الالتزام الذي ورد في مراسلات حسين مكماهون.

سازانوف ممثل روسيا في اتفاقية تقسيم العالم العربي


محور بغداد دمشق


قبل سقوط موسكو بيد الشيوعيين وافتضاح أمر الاتفاقية، كان الجنرال فريدريك ماود قد أعاد بناء الجيش البريطاني واستخدم تعزيزات من الهند واستراليا والمستعمرات البريطانية، وانطلقت العمليات من البصرة إلى بغداد، لتسقط المدينة العراقية الكبرى بيد اللواء الهندي الثالث في 11 مارس ـ آذار 1917، ولم يبق سوى الغرب كي يتم إكمال رسم خرائط سايكس بيكو سازانوف، وباكتمال الشروط الموضوعية لتطبيق الاتفاقية بدأت الجيوش البريطانية والفرنسية والمشتركة بتطبيق بنودها حرفياً بالتدخل المباشر، دون انتظار أن ينجح العرب في ثورتهم، وفي 9 ديسمبر ـ كانون الأول من العام 1917 دخلت القوات البريطانية بقيادة الليمبي مدينة القدس بعد انتصارها على الجيش العثماني، و قال الليمبي وقتها:” اليوم انتهت الحروب الصليبية، وكان الهدف الأكبر المعلن هو دحر القوات التركية شمالاً و”فتح” دمشق كما جاء أيضاً على لسان الجنرال الليمبي الذي تابع بعد الاستيلاء على القدس طريقه إلى دمشق ليعلن انتهاء الحكم العثماني التركي على أكبر الأجزاء مساحة من خارطة سايكس بيكو في أكتوبر ـ تشرين الأول من العام 1918.


مشروع عربي ومشروع صهيوني


بعد يومين من “فتح” دمشق، تم تعيين الأمير فيصل بن الحسين حاكما على سوريا، وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو، ولكن الجنرال البريطاني أبلغه بأن الاتفاقية تنص على أن يكون لكل منطقة يفتحها جيش إحدى الدولتين حاكمٌ تعينه القيادة العسكرية للأخيرة ومستشارون تعينهم الدولة الأخرى الموقعة على الاتفاقية، وبدأ فيصل يدرك أن الوعد الذي تلقاه هو ووالده عبر لورنس ومجموعة الارتباط البريطانية لن يكون تحقيقه سهلاً.

وأدركت الحركة الصهيونية مبكرةً نذر المصير الذي سوف يحيق بالوعد البريطاني للعرب، واتخذت التدابير اللازمة للحيلولة دون ضياع الوعد بدولة تخص يهود العالم، وكان قد عقد في 14 من آب من العام 1917 المؤتمر الصهيوني الثامن في لاهاي بحضور أربعة مندوبين يمثلون اليهود في فلسطين، واتخذ المؤتمر قراراً يهدف إلى تسريع النشاط الاستيطاني، ولم يمض شهرٌ واحد حتى جاء تاريخ 18 كانون الثاني 1918 حين شكل دافيد بن غوريون ويتسحاق بن تسفي كتيبة ضمت 5000 رجل في الولايات المتحدة، ووصل قسم من المتطوعين إلى فلسطين وشاركوا في الحرب على الجنرال الليمبي، لمنع أي تغييرات قد تطرأ على الاتفاق الموقع من قبل وزير خارجية بريطانيا بلفور، وفي 18 ديسمبر ـ كانون الأول من العام 1918 عقد مؤتمر يافا للمستوطنين اليهود، وحمل حاييم وايزمان مطالب المستوطنين إلى مؤتمر باريس للسلام.

قال ممثل العرب الأمير فيصل في مؤتمر الصلح في باريس: "جئت ممثلا والدي الذي قاد الثورة العربية ضد الأتراك تلبية لرغبة بريطانيا وفرنسا، لأطالب بأن تكون الشعوب الناطقة بالعربية في آسيا من خط الإسكندرونة ـ ديار بكر حتى المحيط الهندي جنوباً، معتَرفا باستقلالها وبسيادتها من عصبة الأمم"


رأي سايكس بالاتفاقية


في تلك الأيام، قال السير سايكس نفسه إنه: “ينبغي إعادة صقل الاتفاقيات السرية المتعلقة بتقسيم مناطق النفوذ، وتعديلها على ضوء الظروف الحاضرة، ولا سيما للإبقاء على سمعة الرئيس ويلسون، ولذلك أرى أن تقحم الولايات المتحدة في نظام الوصاية، وهذا من شأنه أن يحبط أي محاولة يقوم بها الرئيس ويلسون لمعارضة إنشاء مناطق نفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا”، أقام فيصل في إنكلترا حتى السابع من كانون الثاني 1919 م عندما غادرها إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح بعد أن نُصِح بأن يقبل بسيطرة فرنسا على سوريا لأن بريطانيا غير مستعدة لأن تخاصمها حول مشكلة سوريا، وأثناء إقامته في لندن اجتمع حاييم وايزمان اليهودي الصهيوني الذي أصبح فيما بعد أول رئيس لإسرائيل بعد قيامها في العام 1948، وحضر الاجتماع لورانس كمترجم، وقع فيصل اتفاقية مع وايزمان في لندن عرفت باسم “اتفاقية فيصل- وايزمان” كان من بنودها: “أن تسود النوايا الحسنة علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين، وأن يحتفظ بوكالات عربية ويهودية في بلد كل منهما، وأن تحدد الحدود بين الدولتين بعد مؤتمر السلام من قبل لجنة يتفق على تعيينها الطرفان المتعاقدان، احترام الحرية الدينية ووضع الأماكن الإسلامية تحت رقابة المسلمين”، وطالب فيصل أن يقترن تنفيذ الاتفاقية بشرط استقلال البلاد العربية.

افترق وايزمن وفيصل كلٌ إلى طريقه، واستطاعت الحركة الصهيونية الظفر بأهدافها من مؤتمر الصلح ومما بعده، بينما قال فيصل في مؤتمر الصلح ذاته في باريس:” جئتُ ممثلاً والدي الذي قاد الثورة العربية ضد الأتراك تلبية لرغبة بريطانيا وفرنسا، لأطالب بأن تكون الشعوب الناطقة بالعربية في آسيا من خط الإسكندرونة ـ ديار بكر حتى المحيط الهندي جنوباً، معتَرفاً باستقلالها وبسيادتها من عصبة الأمم".


العرب والروس


لم يحسن العرب الدفاع عن قضاياهم في المنعطفات التاريخية، وكان التخبط وانعدام الحكمة والرؤية المستقبلية سماتٍ أساسية في أدائهم السياسي، خرج الروس مغدورين من اتفاقية سايكس بيكو، وكان الشيوعيون هم السبب في ذلك، بسبب التفاتهم إلى التغييرات في الداخل الروسي والهيمنة على الإرث القيصري، وبعد قرابة المئة عام على اتفاق سايكس بيكو سازانوف، يجد العرب والروس أنفسهم من جديد أمام مواجهة مشابهة، تفرض على كليهما التعلّم من درس القرن الماضي، فالبرهة التي خسرها الروس لم يعوّضها الاتحاد السوفييتي بمحاولاته فرض نفوذه على الدول ذات الطابع الاشتراكي، أما العرب فيجدون أنفسهم من جديد في لحظة دفاع عن قضايا استقلالهم، وكما لم تنفع عباءة الدول الداعمة قبل مئة سنة، فهي اليوم رهنٌ باتفاق سري ما يظهر في لحظة ما فيقلب الطاولة والتوقعات جميعها مرة واحدة.

8