"سبات الشتاء" تحفة كان السينمائية خارج حسابات الأوسكار

الثلاثاء 2015/02/24
الفيلم يعكس السبات الطويل الذي يعيشه الكون

غاب الفيلم التركي “سبات الشتاء” الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان الأخير، عن قائمة ترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لهذا العام، وسط ذهول معظم المراقبين والمتابعين لجديد السينما العالمية، خصوصا أن فيلم المخرج نوري بيلج جيلان، صنف من قبل لجنة تحكيم مهرجان كان على أنه “تحفة سينمائية”.

هذا الاحتفاء ليس مفاجئا، فمنذ افتتاح الفيلم في المهرجان، كانت جميع التوقعات في صالحه لنيل السعفة الذهبية.

من قرية جبلية باردة تبدأ الحكاية التركية في فيلم “سبات الشتاء”، فرغم استنادها إلى نص أجنبي، إلاّ أن جيلان صاغ أجواء تركية بامتياز، مستندا إلى التقاطعات الإنسانية المضمنة في القصة، موظفا إياها في بناء فلسفي ظاهر في حوارات الشخصيات، وأسئلة كبرى تصدر عنها، تتعدّى الذاتي والشخصي، لتلامس مفاهيم عامة.

أسئلة مفتوحة بلا إجابات، تدخل المتفرج في الورطة، هذا ما سعى إليه الفيلم من خلال مشاهد طويلة ممسرحة، بنفس واحد، كانت أشبه بجلسات استماع في محكمة، أُعطي فيها الجميع فرصا متساوية للدفاع عن أنفسهم، فكان جيلان منصفا بحق شخصياته، ومجحفا بحق المشاهد الذي أشركه في دوامة الحيرة.

تأخذ المشاهد شكل سجالات متوترة، وردود أفعال متباينة لا يمكن التنبؤ بها، رغم وضوح سياقها، ثم تتحول في لحظة أخرى إلى مناسبات للبوح، تكشف فلسفة كل من هذه الشخصيات وفردانيتها.

المخرج ينصف في الفيلم شخصياته، في حين كان مجحفا بحق المشاهد الذي أشركه في دوامة الحيرة

هذه الكيانات المتقابلة على مسرح القرية الصغيرة، لا تقدم رواية كلاسيكية بسيطة، تبدأ وتنتهي دون أثر، إنما تفتح الباب لروايات جديدة لا متناهية، ضمن منظومة السبات الطويل الذي يعيشه الكون.

الفيلم توأمة أبدعها جيلان بين الثقافتين التركية والروسية، إن كان من خلال السيناريو الذي كتبه بمشاركة زوجته إيبرو جيلان، اقتباسا عن نص تشيخوف “الزوجة”، أو الخيار البصري الذي سلكه ومدير تصويره غوكان ترياكي، مقاربا أسلوب أسطورة السينما الروسية المخرج أندريه تاركوفسكي الذي أولى للقيم الجمالية في أعماله عناية كبيرة.

وهو ما ينتهجه جيلان في أفلامه، وهو المصور الفوتوغرافي الذي يحرّك صورته ليخرج منها الدراما، معتمدا على الإضاءة الطبيعية، والأفق اللامحدود كخلفية لمشاهده، ساعده في هذا خياره المميز لموقع التصوير (كبادوكيا فيالأناضول)، ففي أية لحظة تستقر فيها الكاميرا، نجد أمامنا صورة فوتوغرافية جديدة من صور جيلان.

الفيلم توأمة أبدعها نوري جيلان بين الثقافتين التركية والروسية، من خلال السيناريو المقتبس عن نص «الزوجة» لتشيخوف

لا تتوقف الخيارات المميزة لجيلان هنا، حيث وُفّق أيضا في اختيار الممثلين، باعتبارهم المرتكز الأول للسينما الواقعية، فنجح كل من خلوق بيلجينر وميليسا سوزان في تجسيد العلاقة المنتهية الصلاحية، بين الزوجين اللذين يفصل بينهما الفارق الكبير في السن، والاختلاف العميق حول مفاهيم الحياة.

كذلك أبدعت ديميت آكاباغ، الأخت المطلقة المستسلمة لسباتها. حتى على مستوى الشخصيات الفرعية يدخلنا الممثلون في حالة الإيهام، بأدائهم العفوي، وفهمهم العميق لما يقوله الفيلم، وأبرز معالم هذا التألق، هو الظهور الشرفي لكل من النجمين نيجات إيشلر ومحمد علي نور أوغلو، ومشهد الذروة لنادر صاري باجاك.

الفيلم هو الاقتباس الثاني للمخرج من قصص الروسي أنطون تيشخوف بعد فيلم “حدث ذات مرة في الأناضول”، والذي حصل أيضا على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان 2011، وقبله أفلام “ثلاثة قرود” و”مناخات” و”بعيد”، التي لم يغب فيها نوري عن منصات التتويج بالمهرجان، ما يبرهن انسجاما يبلغ حدّ التطابق، بين إنتاجات نوري والذهنية التي تحكم تقييمات المهرجان.

16