"سبارتا الصغيرة" ملحمة سينمائية إماراتية تنحاز إلى الحق والسلام

"حروب السلام قد تطول.. لكن تحالف الخير لا يهزم" هذا ما أراد المخرج الإماراتي منصور اليبهوني الظاهري تسليط الضوء عليه من خلال فيلمه الوثائقي الجديد “سبارتا الصغيرة”، وهو قصة وإخراج الظاهري نفسه وتولى عملية معالجة السيناريو هريشران سكمار ومونتاج جامب دياس.
الجمعة 2016/08/05
فيلم وثائقي لكنه مشوق

أبوظبي - استمد الكاتب والمخرج الإماراتي منصور اليبهوني الظاهري عنوان الفيلم الوثائقي الطويل الجديد له “سبارتا الصغيرة” من مقولة أطلقها كبار جنرالات التحالف الدولي على دولة الإمارات العربية المتحدة، كناية عمّا تمثله القوات المسلحة في هذه الدولة (صغيرة المساحة) من قوة فاعلة ومؤثرة في مجريات العمليات العسكرية في الحرب على “داعش”، حيث أن دولة سبارتا أو “أسبرطة” في اليونان القديمة امتازت بقوة جيشها رغم قلة عدده، وواجه عناصر جيشها الفرس أثناء دخولهم أوروبا، وانتصروا عليهم بطريقة كشفت بسالتهم وشجاعتهم وحسن تدريبهم.

ومن هذا المنطلق يبدأ الظاهري طرح رؤيته من قراءة تاريخية عميقة للمنطقة، فوثقها بحرفية عالية استخدم فيها أحدث تقنيات وأدوات الإخراج السينمائي الحديث، إضافة إلى تميز كتابة السيناريو التوثيقي وكأنك تتصفح كتابا مشوقا حيث قسم الفيلم إلى 9 فصول، وجعل له مقدمة وعنوانا لكل فصل وخاتمة للفيلم فيها هدف ورسالة هذه الوثيقة.

تناغم وتعايش

الفيلم الوثائقي والملحمي “سبارتا الصغيرة” ينطلق من فكرة أن الدول ليست بحجمها ومساحتها، بل بعزيمة أبنائها وبإيمانهم العميق بأنه بالمثابرة والاجتهاد تعلو الأمم.

ولشرح هذه الفكرة يوثق الفيلم حقائق عديدة نجدها واضحة في سيناريو مكتوب بحرفية عالية وجمالية واضحة، ليبدأ خلق الكون وسعي الإنسان للبقاء على قيد الحياة في مقابل الطبيعة القاسية آنذاك، فلا يجد بدا من اختراع أدوات لحماية نفسه، وهنا تكمن الخطيئة.

ويتنقل فيلم “سبارتا الصغيرة” في أبوابه (فصوله) التسعة من حقبة تاريخية إلى أخرى، موضحا بالصور والوثائق لصراع أزلي بين قوى الخير والشر بدءا من قصة مدينة سبارتا أو “أسبرطة” في اليونان القديمة وانتصار حاميتها قليلة العدد على إمبراطورية الفرس بفضل تدريبهم وعزيمتهم، مرورا بحدث تاريخي ومفصلي في المنطقة، حيث ظهور وولادة الدين الإسلامي وإلهامه لمئات الألوف من البشر وانتشاره في المنطقة وجوارها.

منصور اليبهوني الظاهري: الفيلم يتضمن طرحا تاريخيا من 7 آلاف سنة مضت من عمر الإمارات

وكما هو معروف فإن قوى الشر كانت ومازالت تتربص بجيرانها وتتصيد أخطاءهم وهفواتهم وتسعى للانقضاض عليهم، لينتقل بنا الزمن إلى مملكة هرمز ومرة أخرى تسعى تلك القوى الشريرة إلى السيطرة عليها من خلال اللعب على تناقضات واختلافات الإمبراطوريات الحاكمة في تلك الحقبة، وانتصار جديد للخير نتيجة تنبه وتحالف دول الجوار العربية مع الحق، حيث استطاعوا قهر هذا العدوان.

يلي كل ما تقدّم انتقال جديد إلى عصرنا الحالي، وذكر موجز لتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة وتطورها بالصوت والصورة، مسلطا فيها الضوء على أحد أهم عوامل الازدهار فيها نتيجة التناغم والتعايش بين أفراد المجتمع ومدى التسامح الذي أرسى دعائمه حكامها الشيوخ وشعبها مع المقيمين، حيث تم توفير سبل العيش الكريم لهم.

وسبق هذا المشهد تنويه عن ظهور بعض الجماعات التكفيرية المتشددة في العالم والمنطقة، والتي تدعي تمثيل الإسلام وهي بعيدة عنه.

معاناة الإنسانية وانتصارها على الشر منذ العصر الحجري إلى يومنا هذا، هي ملخص فيلم “سبارتا الصغيرة”، حيث أكد مخرجه الظاهري في حوار سابق له أن الفيلم بمثابة رحلة على خطى الأجداد، والثروة والازدهار اللذين رافقهما الطمع والتعطش للسيطرة، حتى ترعرع الشر، إلى أن ارتطم بموجة من الأبطال ألهمت وحدتهم وقوتهم المتمثلة في الإمارات.

ويوضح الظاهري أن الفيلم بصيغته النهائية التي أتت في شكل أرشيفي تشويقي، مثل تحديا كبيرا بالنسبة إليه، خصوصا أن من المتعارف عن الأفلام الوثائقية أنها جامدة، ولديها شريحة معينة من الناس المتابعة لها، لكنه أراد من خلال “سبارتا الصغيرة” أن يغير هذه الفكرة، وينفذ عملا تشويقيا بتصوير مختلف، يحصد نسب مشاهدة عالية، خصوصا أنه يتضمن طرحا تاريخيا من 7000 سنة، وإظهار آثار قديمة ومقابر لم يعرف أحد عنها، إلى جانب بداية صنع الإنسان للسلاح، وأسباب تفكيره في صنعه، إضافة إلى مقابلات مع باحثين ومتخصصين في مجالات عدة.

الفيلم يسرد تاريخ مشاركات الإمارات في عمليات حفظ السلام والدفاع عن الأمن والسلم العالميين والإغاثة الإنسانية

عاصفة الحزم

في ظل هذين المشهدين المتناقضين يوضح لنا الفيلم سبب إطلاق اسم سبارتا الصغيرة من قبل قادة التحالف الدولي للحرب على داعش، كناية عن بسالة جنود وضباط القوات المسلحة الإماراتية وفاعليتهم المؤثرة في هذه الحرب، رغم محدودية مساحة الإمارات.

كما يتخلل الفيلم سرد لتاريخ مشاركات الإمارات في عمليات حفظ السلام والدفاع عن الأمن والسلم العالميين وعمليات الإغاثة الإنسانية، موثقة بالحدث والصورة والدور المحوري والرائد الذي كان يؤديه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في دعم ورعاية المؤسسة العسكرية في الدولة خلال 30 عاما من مسيرته العملية، حيث كان له الفضل في تطويرها وتقدمها على كافة الأصعدة.

وامتدادا لهذه المشاركات يوثق الفيلم في فصل خاص مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في عمليات “عاصفة الحزم”، لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية.

ولم يغفل السيناريو أيضا عن تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والوطنية في هذه الحرب، من خلال عرض لحظات معبرة عن زيارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وإخوانه الشيوخ لمجالس عزاء شهداء الإمارات، والتي أكدت مدى تلاحم الشعب مع قيادته، كذلك زيارتهم للجرحى والمصابين من أفراد القوات المسلحة والذين أبدوا بسالة وحبا لوطنهم وقادتهم، وليختتم الفيلم أبوابه التسعة بسرد حقائق آمنت بها دولة الإمارات منذ التأسيس على يد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وحتى مرحلة التمكين برئاسة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.

16