سباقات التسلح تقسم المجتمع العلمي وتعرقل التعاون التكنولوجي

يذهب عدد من المحللين والخبراء إلى أنّ مظاهر الانكفاء والتكتم العلمي التي نتجت عن سباق التسلح النووي غداة الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة، ودعمتها فيما بعد قواعد الملكية الفكرية الصارمة ومشاريع التسلح الوطني المنغلقة وقوانين حماية براءات الاختراع والاكتشافات، مازالت قائمة إلى حد اليوم، وهي كعادتها تحول دون قيام تعاون وثيق وتشارك علمي مثمر وبنّاء بين دول العالم ينهض بالمعرفة الإنسانية عموما.
السبت 2015/08/15
التكنولوجيات الحديثة تعيد طرح جدل أخلاقي أثارته الصناعات النووية

واشنطن- اصطدمت النقاشات العلمية، منذ انتهاء الحرب الباردة وفترة المأزق النووي الذي اتسمت به سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحقيقة مفادها أنّ البرامج النووية المتطورة للولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول العالم الأخرى، وخاصة روسيا، لا تزال صالحة ويتم تطويرها بشكل مطّرد، رغم ما خلفته تلك الفترة من رعب في نفوس البشرية، خاصة بعد أن شهد العالم كارثة القنبلتين الأميركيتين اللتين استهدفتا مدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين.

وطرح تواصل الأبحاث النووية بشكل سري، مسألة معقدة للنقاش بين صفوف الخبراء والمحللين تتعلق بماهيّة المعلومات التي يجب أن تكون مشتركة بين الدول بغاية تحقيق المعرفة الشاملة، فضلا عن الآثار الأخلاقية والمعنوية التي يمكن أن تترتب عن البحث العلمي.

ومع تطور التكنولوجيات الجديدة، ازدادت حاجة المجتمع العلمي إلحاحا للإجابة على هذا السؤال الحارق، حيث باتت مسألة الإعلان عنها ومشاركتها مع الآخرين في ظلّ ارتباطها بمجالات تطوير الأسلحة وتطور الحروب، تمثّل شاغلا مُزدوجا، خاصة أنّها تطرح معها مُعادلة صعبة التّحقق تصبّ في سياق ضبط أخلاقيات التكنولوجيات المتطورة ووُجوب القدرة على حماية حياة الإنسان.

ويعتبر التعاون لتطوير التكنولوجيات الجديدة أمرا حاسما، حيث أنّ جميع المشاريع بغض النظر عن الغاية منها تتطلب قدرا من تبادل المعلومات والتشاركية العلمية. وهو بالتأكيد ما حصل مع مشروع مانهاتن الأميركي، الذي أدى إلى اخترع القنبلة الذرية في منتصف القرن الماضي وكان وراء كارثة هيروشيما.

ظهور القومية ومفهوم الأمن القومي الحديث أسهما في احتكار العلم وحولاه إلى أولوية خاصة في أوقات الحرب

وغالبا ما يوصف نظام الخطاب المفتوح ومرور المعلومات من دون موانع تحول دون تشاركها وتداولها بين العلماء والدول، بأنه أمر مرغوب فيه ويمكن أن يؤدي إلى حالة مثالية في العلم ويساعد على تحقق المعرفة العامة.

ويقول الخبراء أنه من السهل تحقيق ذلك عندما يكون الهدف الوحيد هو النهوض بالعلم والمعرفة. لكن في كثير من الحالات والأحيان، وخاصة في الوقت الراهن، تتداخل العديد من العوامل لتحول دون تحقيق هذا الهدف، ومن أبرزها الإستراتيجيات العسكرية المختلفة ومفهوم الأمن القومي الحديث وقواعد التسويق التجاري الاحتكارية التي فرضتها كبرى شركات صناعة التكنولوجيا والأسلحة، بالإضافة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية، وجميعها عوامل أضحت تعيق التبادل الحر الأمثل.

بداية القطيعة

يعدّ الانقسام بين الدول القومية، اليوم، إحدى أبرز العقبات الرئيسية التي تحول دول التّوصل إلى تعاون ناجع ومتكامل في المجالات العلمية. وتعتبر القومية، في الواقع، جزءا من فكرة حديثة، لم يكن لها تأثير على هذا المجال في السابق لأنها كانت لاتزال في المهد (بين القرنين 18 و19)، ففي تلك الفترة تصرف المجتمع العلمي في الغالب، مع بداية الاكتشافات الصناعية والتي شملت جوانب عديدة من حياة الإنسان، على أساس الأخوة الدولية بحيث يشارك المبدعون نتائج بحوثهم بشكل علني.

وقد كانت الاكتشافات، خاصة في مجال النظريات العلمية، قادرة على أن تبنى على أساسات بعضها البعض بشكل حر وبنّاء، لأنّ الحدود الوطنية كانت أقل أهمية من السعي لتحقيق قدر أكبر من المعرفة.

وعلى الرغم من أنّ التعاون الدولي بين الأكاديميين وكذلك في مجال الصناعة قد بقي محافظا على بعض من سماته، إلاّ أنّ التعقيدات في المجالات الأخرى نشأت عندما ظهر العلم النظري نفسه في التطبيقات والتكنولوجيات المتعلقة بصناعة الأسلحة وأدوات الردع. وقد أدّى هذا النّوع من الابتكارات، وهو مفتاح لتحقيق الأرباح أو لحماية ما بات يسمى بالأمن القومي، إلى اتخاذ تدابير وقائية في شكل برامج حكومية مقيدة أو براءات اختراع تجارية صارمة.

براءات الاختراع وصرامة القوانين التجارية تعمقان القطيعة

وزادت القومية في أهمية احتكار العلم وحولت هذه العملية إلى أولوية خاصة في أوقات الحرب، فخلال الحرب العالمية الثانية، تمّ حشد السكان في بلدان الحلفاء والمحور حول حب أوطانهم وشعوبهم، ولم يشكل المجتمع العلمي استثناء حينها. وعلى الرغم من أنّ التعاون الدولي السابق للحرب كان قد وضع أساس العمل لإنتاج سلاح نووي من حيث الفيزياء والكيمياء والهندسة، إلاّ أنّ بيئة التعاون الحرّ كانت غائبة زمن الحرب أو لنقل منقسمة، سعت كلّ من ألمانيا وروسيا والولايات المتحدة إلى تسخير الطاقة النووية لأول مرة، بشكل مستقل عن باقية بلدان العالم.

ولكن حتى بعد أن تسببت البرامج الوطنية في انقسام المجتمع العلمي الذي كان كتلة واحدة، واصلت الولايات المتحدة الاستفادة من أولئك الذين تم تدريبهم على الصعيد الدولي، خاصة بعد أن أدّت الحكومات الفاشية التي ظهرت في أوروبا إلى فرار العديد من اللاجئين إلى الولايات المتحدة، ولعب العديد منهم أدوارا حيوية في مشروع مانهاتن.

من جهة أخرى أسهم قرار واشنطن بتعقب إحدى القنابل النووية في ذلك الوقت، في جزء منه في تبادل المعلومات بين العلماء، حيث كان عالم الفيزياء الدنماركي نيلز بور، هو الذي وضع الاكتشافات التأسيسية حول التركيب النووي، وهو الشخص الذي قدم أخبار الانشطار النووي للولايات المتحدة.

كما أرسل العالم الألماني ألبرت أينشتاين، رسالة إلى الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، حول التقدم في سلسلة التفاعلات النووية التي زادت من إمكانية استخدام الطاقة النووية في مجال التسليح. وكتب آينشتاين الرسالة بعد مناقشات مع علماء الفيزياء المجريين يوجين فيغنر وإدوارد تيلر. وكانت هذه الرسالة هي الدافع لتشكيل “اللجنة الاستشارية للأورانيوم”، والتي مهدت لمشروع مانهاتن، وهو بمثابة جهد متعدد التخصصات يديره الجيش وتموله الحكومة وينطوي على كثير من أعظم العلماء في ذلك الوقت.

معضلات البحث

تمت إحاطة مشروع مانهاتن الأميركي بمسائل أخلاقية وكذلك علمية بحتة حول طبيعة البحوث المغلقة والسلاح الذي أنتجه. ودعا كل من زيلارد وبور، وهما إثنان من أعلى الأصوات في الأوساط العلمية المرتبطة بالمشروع، إلى فرض رقابة دولية على الأسلحة النووية. وبقي بور عالما مثاليا ملتزما بذلك النهج إلى غاية النهاية، وقد اعترف أنه من محتمل أن هذه التكنولوجيا الجديدة قد تغيّر طبيعة الحرب واعترض على عدم الاتصال المفتوح بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، وتحديدا روسيا. غير أنّ زيلارد، وهو رائد سلسلة التفاعل النووي، شكك في الحاجة إلى استخدام الأسلحة النووية إطلاقا.

المعرفة المنفتحة والمتاحة للجميع تظلّ هي الغاية الأسمى بالنسبة للعلم رغم أنها تعتبر أمرا رومانسيا بالنسبة للكثيرين

وأثار كلا الرجلين المخاوف بشأن احتمال حصول تسابق دولي للتفوق النووي، ما إن تمّ هزم قوات المحور، وقد أثبتت فترة الحرب الباردة التي شهدت سباقا محموما حول التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقا مخاوفهم تلك. وعلى الرغم من انتهاء الحرب العالمية الثانية منذ أكثر من 70 عاما، والحرب الباردة منذ أكثر من 20 عاما، إلاّ أنّ إرث مشروع مانهاتن لا يزال قائما؛ حيث أنّ المختبرات الوطنية لا تزال تعمل في العديد من المواقع الأصلية للمشروع، بما في ذلك “أوك ريدج” في ولاية تينيسي ولوس ألاموس في نيو مكسيكو.

وقد كان مشروع مانهاتن يقدّر بالذهب في مستوى التّعاون، بالإضافة إلى أنّ الدعم المالي الحكومي حينها أسهم إلى تسريع التكنولوجيا النووية والعلوم لسنوات، إن لم يكن لعقود.

وربما لن تتكرر تلك الظروف للعلماء والمهندسين في الوقت الحالي، حيث باتوا يُواجهون مُعضلات عديدة تتعلق بحدود التعاون ومعوقاته، وبكيفية الكشف عن الكثير من المعلومات حول التكنولوجيا في المجال العلمي أو مشاركتها في الخارج. وفي الولايات المتحدة وأماكن أخرى على سبيل المثال، ارتفعت طلبات براءات الاختراع التي تُغطي حقوق الملكية الفكرية المتّصلة بالاكتشافات العلمية.

وفي ظل المناخ الاقتصادي الحالي، يزداد الضغط من أجل الحماية والتنظيم، وقد بدأت الشركات في تشغيل حزمة من البحوث الأكاديمية لتوليد الدخل، وأصبح الخط الفاصل بين العلوم الأساسية والتكنولوجيا التجارية واضحا.

وبالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أهمية الإمكانيات التجارية للعلم، ممّا يجعل تأمين الحقوق التجارية لاكتشاف التكنولوجيا الجديدة أمرا أساسيا، ويعقد بالتالي سهولة التعاون في المجالات العلمية.

وقد خلقت هذه الإجراءات معها مشكلا من نوع آخر مفاده أنّ براءات الاختراع يُمكن أن تُبطئ الابتكار. ونتيجة لذلك، شكّلت بعض الشركات حركة صغيرة للتبادل العلني لتلك البراءات حتى تكون بمثابة قوة دافعة للاختراع، وتم انتهاج ذلك في مجال قطاع السيارات الكهربائية. لكن ذلك بقي حكرا على المجالات الأكاديمية والصناعية، في حين بقيت برامج البحوث العسكرية والأمنية الوطنية، تتميز بقدر كبير من التكتّم والسرية.

ومن بين المعضلات الكبرى في مشروع مانهاتن، النقاش الأخلاقي على كيفية استخدام القنبلة النووية. وقد نقل روبرت أوبنهايمر، زعيم علماء مشروع مانهاتن، الملحمة الهندوسية الشهيرة بهاغافاد غيتا، بناء على شهادة لأول اختبار للقنبلة النووية قائلا “لقد أصبحت الموت، أنا المدمر للعالم”.

وكذلك ادعى رئيس البرنامج النووي النازي فيرنر هايزنبرغ، في عام 1965 أن التكنولوجيا “خلقت وضعا رهيبا لجميع الفيزيائيين، وخاصة بالنسبة للألمان … لأن فكرة وضع قنبلة نووية تحت تصرف هتلر كانت أمرا مروعا”.

وفي الوقت الذي تبقى فيه نوايا وتصرفات هايزنبرغ خلال الحرب العالمية الثانية محل نزاع، إلا أن المعضلة الأخلاقية التي يشير إليها موجودة لدى جميع الأطراف. لقد وقع القرار في نهاية المطاف لدى الولايات المتحدة وكانت التكلفة البشرية لقصف هيروشيما وناغازاكي رهيبة وغير قابلة للجدال.

ورأى بعض العلماء المشاركين في البحث والتطوير أن تلك التكلفة كانت مرتفعة جدا. وجاء التهديد المتبادل بالدمار المؤكد عندما أطلقوا العنان من أجل تحديد حقبة الحرب الباردة.

الأبعاد الأخلاقية

قد لا يواجه العالم معضلة علمية وأخلاقية أخرى على قدم المساواة مع امتلاك واستخدام الأسلحة النووية. غير أنّ التطور التكنولوجي المطرد، قد يطرح معه جملة من التطورات من شأنها أن تسبب حتما نقاشا أخلاقيا، فمعظم الاكتشافات العلمية يمكن تكييفها لاستخدامات متعددة، سواء كانت حميدة أو غير ذلك.

ولكن الكثير من العلماء يقولون إن احتمالية وقوع ضرر لا ينبغي أن تحول دون مواصلة تطوير التقنيات التكنولوجية، فقد أدّى البحث عن تطوير الأسلحة النووية مثلا إلى توليد الطاقة النووية، لكنهم مازالوا يمانعون بالمقابل المشاركة في البحوث، حيث أنه قبل بضع سنوات، تمّ تأجيل نشر دراسات حول فيروس إنفلونزا الطيور لأنّ العديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية كانت تخشى أن يتم استخدام تلك المعلومات لتطوير أسلحة بيولوجية.

ومن وجهة نظر عسكرية، تكتسب التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي عسكريا والحرب المستقلة القدرة على تغيير الإستراتيجية العسكرية. ويثير السعي وراء الذكاء الاصطناعي كذلك مسألة تتعلق بترسيم الضّوابط الأخلاقية في ساحة المعركة. واليوم، تمثل تكنولوجيا الطائرات من دون طيار موضوع نقاش حاد، كما هو الحال بالنسبة للأسلحة النووية، ومسألة الرقابة هي في طليعة التفكير.

إجراءات الملكية الفكرية وقوانين براءة الاختراع أضحت تعرقل الابتكار كما عرقلت من قبله التعاون العلمي المشترك

فالانتشار النووي يخضع في النهاية إلى القانون الدولي، وهناك جهود يتم بذلها لمتابعة اتفاقات مماثلة على الذكاء الاصطناعي والحروب المستقلة، ولكن الطائرات دون طيار تطرح مشكلا آخر أساسه أنّ بعد المسافة بين المشغل البشري والهدف يجعل إنهاء حياة الإنسان أسهل، وهي معضلة أخلاقية كبرى.

خلاصة القول، على الرغم من وجود العديد من المخاوف الأخلاقية عند التفكير في شكل نهاية اللعبة بالنسبة لبعض التكنولوجيات الناشئة، إلاّ أنّ البحوث نفسها لا يمكن أن تتوقف، على غرار البحوث في مجال الطاقة النووية.

ولذلك يبقى من الأساسي أن يتم التركيز بالإضافة إلى المنحى الأخلاقي، على مسألة التعاون والتشارك. ولئن بقيت عملية الشد والجذب التي أدت إلى تمزيق المجتمع العلمي خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها قائمة الأثر، فإنّ المعرفة المنفتحة والمتاحة للجميع تظلّ هي الغاية الأسمى بالنسبة للعلم، رغم أنها مازالت تعتبر أمرا في غاية الرومانسية بالنسبة للكثيرين.

6