سباقات الهجن تراث متجدد يميز هوية الإمارات

لا تستطيع الدول أن تكتب اسمها في التاريخ إلا بما تتميز به، فالتراث هو جهد شعب ما عبر التاريخ تفخر به الأجيال المتعاقبة وتراكمه وتحافظ عليه حتى لا تضعه الحياة المعاصرة المتشابهة في رف النسيان. فالإمارات التي تهتم بتراثها لتعزيز هويتها تعتني بتربية الإبل لتوثق تاريخ سفينة الصحراء التي كانت وسيلة النقل التي تحتمل عناء الرمال وعطش الحر لتثبت عراقة الشعب الإماراتي في كتاب الحضارة الإنسانية.
الاثنين 2016/10/17
السباق بضوابط وقوانين

أبوظبي- تنظم هيئة أبوظبي للثقافة والتراث فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان الظفرة، وذلك خلال الفترة من 17 وإلى غاية 28 ديسمبر 2016 في مدينة زايد بالمنطقة الغربية بإمارة أبوظبي.

وأوضحت اللجنة المنظمة أنّ المهرجان يضم العديد من الفعاليات التراثية في طليعتها مسابقة مزاينة الإبل، مزاد الإبل، سباق الهجن التراثي، مسابقة السلوقي (كلب الصيد العربي)، مسابقة الصقور، ونشاطات أخرى مختلفة. وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول التي تهتم بموروثاتها الحضارية والثقافية وتسعى جاهدة للحفاظ عليها وصونها وتعريف الشعوب بمدى أهميتها لدى أبنائها باعتبارها جزءا من حياتهم وخصوصية هويتهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة.

وتمثل الجمال أحد أهم الموروثات الحضارية والثقافية البدوية المحلية التي أولتها الدولة اهتمامها الخاص وذلك لارتباطها تاريخيا بحياة الشعب الإماراتي. وقد ارتبط أبناء الإمارات وأهل الخليج عموما منذ القدم بتراثهم إلى درجة أنه شكل جزءا من شخصيتهم، ويتجلى ذلك من خلال اهتمامهم البالغ بإبلهم لما تربطهم بها من علاقة حميمة ولاعتمادهم الشديد عليها في حياتهم حتى أصبحت محل مباهاة بينهم.

تركيز وشموخ

ومن حيث الشكل يقسم الجمل العربي أو ما يطلق عليه لقب “سفينة الصحراء” -لما يمتاز به من خصائص تجعله من أكثر الحيوانات تكيفا مع بيئة الصحراء وتحملا للعطش الشديد- إلى نوعين؛ “أحادي السنام وذي السنامين”. وتمتاز الجمال في الإمارات بشكلها الجميل وقدرتها على العدو لمسافات طويلة وتحملها للحرارة العالية والرطوبة، ومن أشهرها “ظبيان وصوغان والورى ومصيحان وهملول والأصيفر”. وبفضل التهجين ظهرت سلالات أخرى أكثر أصالة منها “الوارية والمرية وتوق والعالية والغزيلة والطيارة والمسك والزعفرانة والطفرة ودبيس والشعلة”.

وتجلّى الاهتمام بالإبل ومكانتها في مجتمع الإمارات من خلال الندوة الدولية الأولى لرعاية الجمال التي عقدت عام 1992، كما تم خلال عام 1990 إنشاء مركز بيطري للهجن أطلق عليه اسم “مركز الأبحاث البيطري” في منطقة الحيلية بالقرب من مدينة سويحان، ويتألف من قسمين أحدهما “لتوليد وتربية الجمال” والآخر “للمختبرات البيطرية السريرية” مزودين بكادر ميداني مسؤول عن علاج الإبل الموجودة لديه وعن إدارة سباقات الهجن. ويركز قسم التوليد على تهجين إبل جيدة من نسل محلي أصيل لأغراض السباق إضافة إلى الحليب واللحوم وذلك باستخدام تقنية نقل الأجنة. وكانت أول تجربة ناجحة في هذا المجال عام 1992 عندما أنتج المركز أول قعود بعملية نقل الأجنة ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 2013 أنتج المركز أكثر من 5 آلاف بعير بهذه التقنية، وهذه عمليات غير مسبوقة في أي مكان آخر في العالم.

وعادة تلد الجمال مرة واحدة خلال عامين بعد فترة حمل تربو على الإثني عشر شهرا ونصف الشهر ولكن باستخدام تقنية نقل الأجنة فإن الناقة تستطيع أن تلد خمس مرات على الأقل في السنة الواحدة ويمكن أن يصل العدد إلى 25 مرة في العام. وتم عام 1989 تشييد “مركز إكثار الإبل” في إمارة دبي بهدف تطوير التقنيات الحديثة لنقل الأجنة والتلقيح الاصطناعي ودراسة علم وظائف الأعضاء التناسلية للجمال من أجل تعزيز إنتاجيتها والمحافظة على الجينات القيمة لنخبة من هجن السباق وإنتاج الحليب. وقد تم إنتاج أول ناقة مستنسخة في العالم من خلايا المبيض وسميت “إنجاز” وقد ولدت بعد فترة حمل استمرت 378 يوما.

وأصبحت سباقات الهجن من السباقات الدورية السنوية ومعلما تراثيا وثقافيا مهما للدولة فاحتلت مكانا مرموقا بين الرياضات التراثية حيث تعمل الإمارات على توفير الدعم المادي لشراء الهجن وتدريبها. وتم إنشاء ميادين السباقات المجهزة وفقا لأعلى مستويات التجهيز وتشييد مرافق تدريبها وإقامة المستشفيات البيطرية إضافة إلى مدرجات تتسع للآلاف من المتفرجين. كما تم الاهتمام بتحسين نسل الهجن من خلال برامج التربية العملية والاهتمام الدقيق بالسلالة ونسب الإبل خاصة وأن الكفاءة التناسلية بين الإبل في ظل الظروف الرعوية الطبيعية منخفضة بسبب قصر موسم التكاثر وتأخر سن البلوغ وطول فترة الحمل الطبيعي التي عادة ما تستغرق نحو 13 شهرا.

صفات إبل السباقات

رياضة تجذب السياح الأجانب والمقيمين

وتتميز إبل السباق بصفات عدة مهمة تمنحها الأفضلية في السرعة منها رشاقة القوام وطول القامة ونحافة الجسم وطول الأرجل -خاصة الأرجل الخلفية- وصغر الخف والرقبة الطويلة. وتختلف أسماء الهجن تبعا لأعمارها منها “اللقية ” التي يتراوح عمرها ما بين ثلاث وأربع سنوات، و”الجذعة” التي يتراوح عمرها ما بين أربع وخمس سنوات، و“الثنايا” التي يمتد عمرها من خمس إلى ست سنوات حيث يبدأ ظهور سنيّن، و“الزمول والحيل” التي يبلغ سنها أكثر من سبع سنوات مع ظهور أربعة أسنان جديدة.

كما تختلف الإبل في ألوانها من الأحمر والأصفر والأشقر إضافة إلى اللون الشمعي الممزوج باللونين الأحمر والأصفر. وهناك عدد من الميزات التي تجعل الإبل ذات قدرة على السباق من أهمها أن الإبل تعد من أكثر الحيوانات صبرا على العطش لفترات طويلة وتستهلك من المياه يوميا أقل مما تستهلكه الخيول التي تحتاج إلى ثمانية أضعاف ما يحتاج إليه الجمل من المياه، وتستطيع الإبل أن تقطع من المسافات ما يتراوح ما بين 20 و30 ميلا يوميا.

وتقارن سرعة الإبل المدربة بسرعة الحصان حيث سجلت قدرة الإبل على السير مسافة 200 كيلومتر في 12 ساعة وهي مسافة تحمل لا يستطيع الحصان قطعها في هذه الفترة الزمنية، كما أن الإبل تستطيع أن تركض بسرعة 40 كيلومترا لمدة ساعة واحدة متواصلة ويستطيع الفرد أن يقطع مسافة 650 كيلومترا على إبل واحد في مدة أربعة أيام. وتعد الإمارات أول دولة في التاريخ الحديث تقيم سباقا للهجن العربية الأصيلة رصدت له جوائز مالية وعينية دفعت الناس إلى المزيد من الاهتمام بالهجن من خلال اختيار أفضل السلالات الأصيلة والاهتمام بما تحتاجه من غذاء وصحة وتدريب ومتابعة.

اتحاد سباقات الهجن

أنشأت دولة الإمارات “اتحاد سباقات الهجن”، وتم إشهاره رسميا عام 1992، ويقوم بالتنظيم والإشراف على فعاليات سباق الهجن وتطوير القواعد الخاصة بها مثل منع استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة أو الذين يقل وزنهم عن 45 كيلوغراما واستبدالهم براكب آلي يتم التحكم به عن بعد.. فضلا عن الترويج لهذه الرياضة في الخارج.

وقد انتشرت ميادين سباقات الهجن المنظمة والمعدة إعدادا جيدا لهذا الغرض في معظم إمارات الدولة وتعدتها إلى القرى الصغيرة والمناطق ذات الطبيعة الصحراوية التي تتواجد بها القبائل البدوية التي تمارس وتعتني بالهجن العربية الأصيلة حيث تقام سباقات الهجن في إمارة أبوظبي حسب البرنامج السنوي والمعد من قبل اتحاد سباقات الهجن في دولة الإمارات خلال الفترة من منتصف سبتمبر حتى نهاية شهر أبريل وشهر مارس تقريبا من كل عام.

ويمر إعداد الإبل للسباق بأربع مراحل متتالية وهي : أولا “الاختيار” وهو اختيار الهجن من حيث النوعية والأصالة والعمر.. “ثانيا” التضمير وهو إعداد الهجن للسباق وذلك بالتخلص من الشحم الزائد في الجسم وبذلك تخضع لتغذية معينة ومحددة مع تدريب مستمر.. “ثالثا” التدريب حيث تخضع الهجن الأصيلة لعملية تدريب مستمر كي تأنس إلى ميادين السباق وتألف تجمع الناس حولها وتكون عملية التدريب يوميا في موسم السباق وعادة ما تكون في فصلي الشتاء والربيع.. “رابعا” القلص وهو عبارة عن محاذاتها ببكرة أو قعود ليبدأ معها الانطلاق ومن ثم ينحرف عنها فتستمر هي في الانطلاق في السباق.

سريعة كالخيل

وهناك عدد من الخطوات يتم تنفيذها في موسم السباق وهي “تغطية فم الحيوان بالكمامة بين الوجبات حتى لا يأكل شيئا لا يراد له أكله” و“تغطية جسم الحيوان ليلا بما يناسبه حفاظا عليه من البرد” بجانب “عدم تعريض الهجن لتيارات هواء شديدة أو للحرارة” إضافة إلى “الاهتمام الصحي المميز بهجن السباق والاهتمام بتغذيتها”. وما يتّبع مع هجن السباق أنها تمنع عن الأكل لفترة 17 ساعة قبل السباق وتمنع عن الشرب لمدة يوم أو أكثر وغير ذلك من الإجراءات حتى تدخل السباق في حالة نفسية جيدة وهذا ما يسمى “التحفيز”.

وتقام سنويا السباقات والمهرجانات التي تهدف إلى إحياء التراث الثقافي الغني للدولة في أبوظبي في ميدان الوثبة الذي تم تشييده بطول 10 كيلومترات وبشكل دائري ومجهز بمنصة رئيسية حديثة تقع عند نهاية نقطة السباق في الميدان. كما تقام فعاليات مهرجان الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان للإبل في ميدان سباق الهجن في منطقة سويحان، ويتضمن المهرجان مجموعة متنوعة من الفعاليات والبرامج أبرزها سباقات الإبل التراثية إضافة إلى سباقات الهجن التي تقام في دبي ورأس الخيمة.

وتبلغ الجوائز العينية التي تقدم سنويا المئات من السيارات التي تساهم بها الحكومة والمؤسسات والشركات والبنوك والتجار من القطاع الخاص مساهمة منهم في هذه المناسبة وتشجيعا لإخوانهم من المواطنين من ملاك ومضمري الهجن العربية الأصيلة. وقد أخذت هذه الرياضة تجذب أعدادا كبيرة من السياح الأجانب والمقيمين على أرض الدولة حبا في التعرف على أنواعها والطريقة التي يتم التعامل بها مع الجمل الذي يستهوي الكثير من السياح.

كما بدأت هذه الرياضة تحظى باهتمام كبير في عدد من الدول الأوروبية حيث تم وبرعاية اتحاد سباقات الهجن في الإمارات تنظيم ثلاثة سباقات ناجحة في أستراليا في ميدان “والد ويك الملكي للخيول خلال الأعوام 1998 و1999 و2000، كما أقيم في ألمانيا سباق عام 1997 وساهم اتحاد سباقات الهجن بإنشاء مضمار لسباقات الهجن العربية الأصيلة في المملكة الأردنية الهاشمية عام 2008.

20