سباق أميركي - أوروبي لتوفير المعادن النادرة بعيدا عن الصين

واشنطن تتحرك لاستخراج المعادن الحرجة والمفوضية الأوروبية تعيد ترتيب الأولويات.
الاثنين 2021/06/14
امتلاك المعادن النفيسة على رأس الأولويات

تتزايد مخاوف الغرب في ظل التوترات الاقتصادية مع الصين من إقدام بكين على منع الولايات المتحدة وأوروبا من الوصول إلى الأتربة النادرة الضرورية لصنع السيارات الكهربائية في ظل زخم التكنولوجيا الخضراء، ما دفع إلى سباق عالمي لتوفير المواد الأولية الإستراتيجية بعيدا عن الصين والتدقيق في نقاط الضعف.

نيويورك - تسود سيناريوهات خطيرة داخل الأوساط الغربية مع التوترات الاقتصادية والجيوسياسية حول إمكانية عمد الصين مستقبلا إلى منع الولايات المتحدة وأوروبا من الوصول إلى معادن أساسية لصنع السيارات الكهربائية والتوربينات الهوائية والطائرات المسيّرة، وهي معادن يتم إنتاجها بغالبيتها الساحقة على أراضيها.

في وقت تكثر نقاط التوتر الاقتصادية والجيوسياسية بين القوى الثلاث، تحرص واشنطن وبروكسل على تفادي مثل هذا السيناريو من خلال إعادة غزو سوق “المعادن الأرضيّة النادرة”، تلك الأتربة المعدنية السبع عشرة التي تتميز بخصائص فريدة والتي يجري حاليا القسم الأكبر من عمليات استخراجها من الأرض وتكريرها في الصين.

وبعض هذه الأتربة النادرة مثل النيوديميون والبراسيوديميوم والديسبروسيوم أساسية في صنع المغناطيسيات المستخدمة في صناعات المستقبل مثل قطاعي طاقة الرياح والسيارات الكهربائية.

كما أن بعضها الآخر لديه استخدامات تقليدية أكثر، مثل السيريوم المستخدم لتلميع الزجاج واللانثام المستخدم في المحولات الحفازة للسيارات والعدسات البصريّة. كما تستخدم الأتربة النادرة في صنع الهواتف الذكية وشاشات الكمبيوترات وعدسات التلسكوب.

واستقدمت الولايات المتحدة 80 في المئة من وارداتها من الأتربة النادرة عام 2019 من الصين، بحسب أرقام هيئة المسح الجيولوجي الأميركي. كما أن الاتحاد الأوروبي يستورد 98 في المئة من حاجاته من الصين، وفق ما جاء في تقرير للمفوضية الأوروبية صدر في سبتمبر 2020.

ديفيد ميريمان: أوروبا لا تملك ثروات من المعادن ومن المتوقع أن تستورد

وهذا ما يعتبر بمثابة إشارة إنذار في ظل عملية التحول في مجال الطاقة الجارية.

وأوضحت الباحثة في المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية في واشنطن جين ناكانو أن “النمو المتزايد المرتقب في الطلب على المعادن التي تمت إلى التكنولوجيا الخضراء يشكل ضغطا عليهم، إذ يتحتم عليهم التدقيق في نقاط ضعفهم والتحرك”، سواء بالنسبة إلى الأتربة النادرة أو غيرها من المواد الأولية الإستراتيجية.

وعلى إثر إصدار الرئيس الأميركي جو بايدن مرسوما في فبراير يدعو إلى مراجعة دقيقة لشبكات التموين بالمواد “الأساسية”، أقر مجلس الشيوخ الثلاثاء نصا يركز على أهمية استخراج المعادن “الحرجة”.

وأكدت المديرة المساعدة للمجلس الوطني الاقتصادي سميرة فاضلي الثلاثاء أن واشنطن تعتزم “زيادة الإنتاج والتكرير”، ذاكرة بصورة خاصة المعادن النادرة والليثيوم.

وتتركز آمال واشنطن على منجم ماونتن باس في ولاية كاليفورنيا. وبعدما كانت الولايات المتحدة من كبار منتجي هذا القطاع في العالم، تراجع موقعها بمواجهة صعود الصين التي خصصت دعما هائلا لصناعتها، وفي ظل التنظيمات البيئية التي فرضت على أنشطة التعدين.

وأعادت شركة “إم.بي ماتيريالز” تنشيط القطاع في 2017 وطموحها أن تجسد الدور الأميركي المتجدد فيه، مسلطة الضوء على نسبة تركيز الأتربة النادرة الأميركية التي تعتبر “من الأعلى في العالم” إذ تبلغ 7 في المئة مقابل 1.0 في المئة إلى 4 في المئة فقط في باقي العالم، بحسب أرقامها.

أما على صعيد التكرير، فهي تعتزم الشروع في عملية “فصل” العناصر، إذ تتألف الصخرة من مجموعة من الأتربة النادرة التي يتعين الفصل بينها بواسطة عملية كيميائية، ثم صنع مغناطيسياتها بنفسها عام 2025، ما يرسخ الانتقال من مرحلة الفصل إلى منتج يمكن استخدامه مباشرة في الصناعة، وهما مرحلتان من الإنتاج تتولاهما الصين حاليا.

كما تظهر مشاريع أخرى، ولاسيما مع مجموعة ليناس الأسترالية التي فازت بعدة عقود في الولايات المتحدة من ضمنها عقد لإقامة مصنع تكرير في تكساس مخصص للصناعات العسكرية، بدعم من البنتاغون.

أما من الجانب الأوروبي، فستعرض “خطة عمل” على المفوضية “في الأيام المقبلة” تحدد أولويات القارة العجوز، وفق ما أفاد بيرند شافر رئيس كونسورسيوم “إي.آي.تي روو ماتيريالز” الذي يعمل على مواكبة مشاريع في هذا القطاع.

وقال اختصاصي البطاريات والسيارات الكهربائية لحساب شركة روسكيل للاستشارات في لندن ديفيد ميريمان “أوروبا لا تملك ثروات من المعادن، ومن المتوقع بالتالي أن تعتمد على واردات المواد الخام أو شبه المكررة، على أن تتحول إلى مركز تكرير أو إعادة تدوير”.

سميرة فاضلي: واشنطن تعتزم زيادة الإنتاج والتكرير خاصة المعادن النادرة

وإن كانت الصين ستحتفظ حتما بموقعها المهيمن لفترة طويلة، إلا أن الطموحات لمنافستها متوافرة. وقال بيرند شافر إن “20 إلى 30 في المئة من الحاجات إلى المغناطيسيات بحلول 2030 يمكن أن يكون مصدرها القارة، مقابل صفر عمليا اليوم” بفضل إعادة التدوير، إذا ما نفذت المشاريع المطروحة حاليا.

ويصادف هذا التصميم على تسريع معالجة هذه الملفات في وقت يواجه العالم نقصا في أشباه الموصلات، العناصر الأساسية لكل منتج يحتوي على مكوّنات إلكترونية، من أجهزة الكمبيوتر إلى السيارات، ومعظمها تصنع في آسيا.

وقال متحدث باسم “إم.بي ماتيريالز” في تصريحات صحافية إن “هذه الأزمة أدت إلى إعادة النظر في سلسلات الإنتاج ونقاط الضعف” لدى الصناعيين، مؤكدا أن عدة مجموعات أوروبية متخصصة في طاقة الرياح والسيارات على تواصل حاليا مع الشركة.

وتابع “في ظرف خمس سنوات، ستكتسب المغناطيسيات الدائمة أهمية مماثلة لأشباه الموصلات، ستكون جزءا من الحياة اليومية لكل منّا”.

وكانت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان قد رفعت خلال العام 2012 شكوى رسمية إلى منظمة التجارة العالمية ضد الصين بسبب القيود التي تفرضها بكين على صادراتها من المعادن النادرة بدافع حماية البيئة.

وقالت الولايات المتحدة حينها إن تقييد الصادرات الصينية من هذه الأتربة قد دفع الأسعار إلى الارتفاع. كما تؤدي أي قيود إضافية تفرضها بكين على صادراتها إلى المزيد من الارتفاع في الأسعار العالمية.

ويقول الغرب إن هذه القيود تعطي للصناعات الصينية أفضلية في الأسواق تمثل انتهاكا لمعايير المنافسة التي وضعتها منظمة التجارة.

10