سباق الأفكار.. قلق غير مبرر يهدر أوقاتنا ويضيع علينا الحاضر

الأربعاء 2016/04/27
الشخص المكتئب لا يرى المستقبل إلا من خلال مرآة الماضي

تترك أحداث الماضي القريب أو البعيد آثارها المؤلمة في ذاكرة البعض وترفض مغادرتها وربما تكون هذه الأفكار جزءا من القلق غير المبرر عما سيحدث في المستقبل المجهول، والمبالغة في تقدير عواقبه والخوف غير الواقعي الذي يهدر أوقاتنا، ويضيّع علينا فرصة عيش الزمن الحاضر.

الباحثة باتريشيا هارتنك؛ اختصاصية علم النفس السريري في جامعة أدلفي الأميركية والاستشارية النفسية في اتحاد الصحة النفسية بنيويورك، ترى أن مدّ هذه الأفكار حين يتمكن من عقولنا فإنه يستنزف طاقتنا ويمنعنا من العيش في اللحظة الحاضرة. وقد تحاصر أدمغتنا بحلقة محكمة يصعب التخلص منها، الأمر الذي يمنعنا من إنجاز المهام اليومية ويضعف ذاكرتنا وربما يمنعنا من النوم.

إلا أن وجود سباق الأفكار المحموم هذا قد يخلق لدينا شعورا مخيفا ومزعجا، ويمنحنا الإحساس بأن الأمور ربما خرجت عن نطاق سيطرتنا، لكن متخصصين يؤكدون على أنه أمر طبيعي إذا ما كان ضمن حدود معينة، وهو مؤشر على قلقنا المتعاظم في بعض الأحيان، إضافة إلى أنه دليل شخصي على أن مستوى توتّرنا قد بلغ درجة أعلى من المعتاد.

تقدم هارتنك بعض النصائح للأشخاص الذين يعانون من سباق الأفكار هذه، لتجنب آثارها السلبية على مجرى الحياة اليومية ولتهدئة المخاوف والقلق غير المبرر؛ ولعل أهمّها يكمن في معالجة المخاوف التي تبدو من وجهة نظرنا حقيقية وأمرا واقعا، وهي ليست كذلك في أغلب الأحوال، وذلك بطرح سيناريو إيجابي بديل عن أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن نتوقعها. وعلى سبيل المثال، فإن الأم التي تتملكها المخاوف بسبب تأخر ابنها الشاب عن العودة إلى المنزل مساء ولا يجيب على هاتفه رغم تكرار المحاولات، عليها أن تضع في حسبانها احتمالات بديلة عن الأوهام التي تحاول السيطرة عليها أول الأمر، فهي تتوقع الأسوأ من مثل تعرض سيارته إلى حادث، لذلك يتوجب فورا معالجة هذا الاحتمال، بخيار أكثر إيجابية وهو في هذا المثال يمكن أن يكون حصول عطل في السيارة وانشغاله بذلك عن الرد على الهاتف.

المبالغة في تصور ما يحدث من ردود أفعال جسدية قد يجعل بتحقيق المحظور ويصاب المريض بنوبات هلع

في حين، يساعد التركيز على الحاضر في قبول الواقع والابتعاد عن كل ما لا يمكن فرض السيطرة عليه من أحداث؛ فما حدث في الماضي لا يمكن تغييره أما المستقبل فلم يحدث بعد، والقلق بشأن الاثنين يعدّ مضيعة للوقت، فإذا توصلنا إلى قناعة تامة بشأن ذلك يمكننا بعد ذلك أن نركن إلى الهدوء ونعالج الأمور بحكمة أكبر.

ويعتقد جيفري نفيد؛ أستاذ علم النفس السريري في جامعة سانت جون الأميركية في نيويورك، بأن أفكارنا هذه هي التي تحدد طبيعة وشكل استجاباتنا العاطفية وما يتعلق بها من مظاهر سلوكية.

وقد حدد متخصصون في العلاج المعرفي/ السلوكي طبيعة هذه العلاقة بين الأفكار والاستجابة العاطفية، ويطرحون على سبيل المثال هنا مشاعر الخوف أو القلق وهي استجابات عاطفية مصدرها أفكار تتعلق بالإحساس بالتهديد أو الخطر مقرونة بعدم الثقة في النفس وعدم القدرة على التعامل مع التهديدات التي تمثلها بيئتنا الخارجية؛ بمعنى أننا نترقب شيئا ما ملموسا على وشك الحدوث مثل الفشل في امتحان أو مجرد شعور غامض من الرهبة على شيء يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، وهو غير معروف لدينا وفي الوقت ذاته هناك شك يراودنا في قدرتنا على إدارة هذا التهديد على نحو فاعل، فينشأ هذا الحوار الداخلي الذي يستدعي خوفا كبيرا من المجهول ” يا إلهي، ماذا سأفعل، لا أعتقد بأنني قادر على تلافي ذلك الأمر!”.

من ناحية أخرى، فإن بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية متعلقة بالقلق؛ مثل اضطراب الهلع، الوسواس القهري، اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب القلق العام، يميلون إلى أن يكونوا حساسين بصورة مفرطة وفي حالة نوبات الهلع مثلا، فإن التغييرات الجسدية التي ترافقها تتمثل في الدوار المفاجئ أو تسارع دقات القلب، وهذه ترجع إلى مجموعة من الأفكار غير المسيطر عليها، حيث يعمل العقل خارج نطاق سيطرة الوعي للمبالغة في تخيّل أسوأ العواقب المحتملة للأحداث التي لا تستدعي ذلك في الغالب.

الأفكار المحبطة تمثل وجها آخر من وجوه القلق، فهي تنطوي على النظر إلى الماضي بكل خيباته وإخفاقاته

وبدلا من التفكير المتزن بأن الأمور ستكون على ما يرام، يلجأ بعض الأشخاص إلى تعزيز نوبة الهلع ذاتها وتداعياتها الخطيرة على الجسد، فإن تسارعت نبضات القلب فإن احتمال الإصابة بنوبة قلبية سيكون هدفا متخيلا، ونتيجة حتمية قد تطيح بكل متاريس المقاومة الذاتية، وتسهم في جعل الأمور تسير من سيء إلى أسوأ.

ويرى الأكاديمي نفيد بأن المبالغة في تصور ما يحدث من ردود أفعال جسدية قد يسارع في تحقيق المحظور ويصاب المريض بالفعل بنوبات هلع تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ويعمل المعالجون النفسيون في هذه الحالة على منع وصول المريض إلى درجة تضخيم الواقع والمبالغة في ردود الأفعال النفسية، ومساعدتهم على تحمل التغيرات الجسدية الطفيفة تجنبا لتهديد الإدراك والوعي.

وتمثل الأفكار المحبطة وجها آخر من وجوه القلق، فهي تنطوي على النظر إلى الماضي بكل خيباته وإخفاقاته بدلا من التطلع إلى الأمام وتلافي ما سيقع بالفعل من تهديدات، وعلى الرغم من أن الشخص المكتئب قد ينظر إلى المستقبل أحيانا، لكنه لا يراه إلا من خلال مرآة الماضي متنبّئا بالمزيد من الفشل والخيبات.

21