سباق الأقمار الصناعية يفتح جبهات حروب في الفضاء

التكنولوجيا المضادة للأقمار الصناعية تهدد بإشعال صراعات جديدة بين القوى العظمى في غمرة اشتداد المنافسة على عسكرة الفضاء.
الأحد 2019/05/05
انقلاب المنافسة من تطوير الأقمار الصناعية إلى تقنيات تعطل أقمار الخصوم

تزايدت المؤشرات على انقلاب كبير في الصناعات الفضائية ليتحول السباق من تطوير الأقمار الصناعية إلى تقنيات تعطل أقمار الخصوم، الأمر الذي يضع تحديات كبيرة أمام الاستخدام المستدام للفضاء بعد ازدحامه بعدد كبير من اللاعبين.

يبدو الفضاء اليوم في صدارة الساحات التي يمكن أن تندلع فيها الحروب بين القوى العظمى بعد أن أصبحت المواجهة بينها على الأرض مستبعدة بسبب ترسانات الردع التي يمكن أن تدمر الجميع.

ومثل إعلان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل أسابيع عن إسقاط قمر صناعي من الفضاء، نقطة تحول تنذر بدخول العالم في مرحلة جديدة وخطيرة من استخدام الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.

هكذا انضمت دولة أخرى إلى العدد المتزايد من الدول التي تتسابق للتسلح في الفضاء، الذي بدأ يزدحم بالأقمار الصناعية وحطامها بعد خروجها من الخدمة، وخاصة في المدارات القريبة من الأرض.

في 27 مارس من هذا العام، أصبحت الهند أحدث دولة تجري اختبارا مضادا للأقمار الصناعية، ليرتفع عدد الأطراف المتبارية في التسلح الفضائي 4 دول إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين.

ويبدو من المؤكد أن اشتداد المنافسة بين تلك الدول على عسكرة الفضاء سوف يستقطب دولا أخرى لتطوير وتصنيع الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.

وفي إطار إدراك نيودلهي لحساسية الخطوة، حاولت تأطير الاختبار على أنه دليل على براعتها في تكنولوجيا الفضاء، حيث قال مودي بفخر إن “الهند حققت إنجازا غير مسبوق، وسجلت اسمها كقوة فضائية”.

أما على المستوى العالمي، فإن ذلك الاختراق يعد تذكيرا مهما حول مخاطر التكنولوجيا المرتبطة بعسكرة الفضاء.

دونالد كيسلر: ازدحام الفضاء بالأقمار الصناعية يزيد احتمال تصادمها وستؤدي غيوم الشظايا بدورها لمزيد من التصادمات
دونالد كيسلر: ازدحام الفضاء بالأقمار الصناعية يزيد احتمال تصادمها وستؤدي غيوم الشظايا بدورها لمزيد من التصادمات

أصبح الفضاء مكانا تنشب فيه النزاعات الجيوسياسية، التي تبدأ السيطرة الاستراتيجية على مختلف مواقعه وقد تصل إلى الصراع المسلح في وقت يدفع فيه اشتداد المنافسة إلى تطوير التقنيات تعرض وصول البشر إلى الفضاء أو استخدامه للخطر.

ويتزايد يوما بعد يوم عدد الدول التي تلتحق بركب اللاعبين الكبار في الساحة الفضائية، الأمر الذي يزيد من خطر ازدحام الفضاء القريب من الأرض بحطام خطير قد يصطدم بالأقمار الصناعية المهمة، إما عن طريق الخطأ أو أثناء نزاعات.

ويمكن لوتيرة السباق المتوتر بين البلدان التي تمتلك تكنولوجيا الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية أن تعطل محاولات تطوير قواعد أو معاهدات دولية لتقليل تلك المخاطر وضمان الاستخدام المستدام للفضاء.

ورغم أن تنفيذ تجربة الهند جرى في مدار منخفض يصل ارتفاعه إلى نحو 300 كيلومتر فقط، إلا أن تلك الخطوة خلفت حطاما في الفضاء.

خطر الحطام الفضائي

وحاولت وزارة الخارجية الهندية التقليل من شأن مخاطر الحطام، بالقول إنه سوف يحترق ويسقط على الأرض في غضون أسابيع.

لكن الخبراء يقولون إن تحلل وتبدد بعض شظايا الحطام قد يستغرقان عدة سنوات.

كما أن ذلك الحطام الفضائي يمكن أن يتصادم مع الأقمار الصناعية ويدمرها، مما سيخلق تأثيرا مضاعفا يعرف باسم “متلازمة كيسلر” نسبة لدونالد كيسلر، الذي عمل في مركز الفضاء التابع لناسا.

وأطلق كيسلر نظريته في عام 1978، التي تقول إنه مع تزايد أعداد الأقمار الصناعية في الفضاء، سيزداد احتمال اصطدامها ببعضها البعض، مما يؤدي إلى تكون غيوم من الشظايا التي تؤدي بدورها إلى مزيد من التصادمات.

وبذلك يصبح الحزام المحيط بالغلاف الجوي مزدحما بالحطام، مما يؤدي إلى تضييق آفاق الرحلات الفضائية في المستقبل.

يعتمد الأفراد والشركات والدول على الأقمار الصناعية للملاحة والاتصالات والبحوث والأمن. وسيؤدي تعطيل بعضها بشكل غير متوقع، إلى عواقب وخيمة على المجتمع والاقتصاد.

أسباب تزايد الحطام

في حالة نشوب حرب كبيرة بين القوى العالمية، يمكن للخصوم أن يستهدفوا بعضهم البعض من خلال إتلاف الأقمار الصناعية. وسيشكل ذلك حقولا كبيرة من الحطام الذي يعطل جهود الخصم في سباق غزو الفضاء. ومن المرجح أن تختار دولة خاسرة هذا الطريق، خاصة إذا كانت قد تعرضت لضربة فضائية من ذلك الخصم.

ويمكن أن يكون انتشار الحطام الفضائي غير مقصود كذلك. مثلما يمكن أن تتدهور ضربة نووية محدودة إلى حرب نووية حرارية كاملة عبر سلسلة من الانتقام والتصعيد، قد تحدث عملية مماثلة في الفضاء.

كما أن أي ضربة أولى محدودة توجهها قوة واحدة نحو أقمار عدوها سوف تؤدي إلى رد انتقامي أكبر، وقد يساء فهمها على أنها إنذار قبل شن هجوم أكبر. ويمكن أن تتحول بعد ذلك إلى معركة شاملة لتدمير الأقمار الصناعية.

حتى بدون تصعيد، يمكن أن يتسبب التدمير الأولي لعدد صغير من الأقمار الصناعية في أضرار جسيمة للحياة اليومية على الأرض.

وسوف تتضرر النشاطات الاقتصادية لدول كثيرة ليست طرفا في القتال الدائر في الفضاء بسبب ذلك الحطام الذي قد يعطل أقمارها ذات الأغراض الاقتصادية. وينطبق هذا بشكل خاص على الاختبارات التي تحدث على ارتفاع كبير، مثل اختبار الصين لأسلحتها سنة 2007.

وتشير آراء الخبراء إلى أن اختبار الأسلحة الهندية المنخفض قد يتسبب بنشوء حطام كبير بعد أن وصلت بعض الشظايا إلى ارتفاع يتجاوز 1000 كيلومتر.

وقد أعلنت وكالة الفضاء الأميركية، ناسا، أن التجربة الهندية أنتجت 400 شظية تدور حول الأرض.

وقال مدير ناسا جيم بريدنشتاين إن أطوال 60 شظية منها تصل إلى 10 سنتيمترات أو أكثر، وأن 24 قطعة منها وصلت إلى أعلى نقطة في مدار محطة الفضاء الدولية.

وأكد زيادة احتمالات خطر اصطدام المخلفات بمحطة الفضاء الدولية بنسبة 44 بالمئة خلال العشرة أيام التي تلت التجربة الهندية.

التعامل مع التهديد المتصاعد

توتر العلاقات بين القوى الكبرى يكرس غياب المعاهدات اللازمة لتنظيم استثمار الفضاء ويعرقل إمكانية التوصل إليها
توتر العلاقات بين القوى الكبرى يكرس غياب المعاهدات اللازمة لتنظيم استثمار الفضاء ويعرقل إمكانية التوصل إليها

ويجمع خبراء الفضاء على أن وجود الملايين من قطع الحطام في المدار أصبح يشكل خطرا كبيرا على سلامة الأقمار الصناعية المهمة.

ومع تزايد قلق العديد من الدول ووكالات الفضاء من إمكانية تدمير أقمارها الصناعية، أصبحت تحذر من زيادة الحطام الفضائي وتعتبرها مسألة خطيرة مرتبطة بالأمن القومي.  وتعمل أطراف مختلفة على تطوير وسائل لجمع ذلك الحطام.

وتشمل التقنيات التي يمكن أن تساعد على تحقيق ذلك الهدف استخدام أشعة الليزر والأسلحة القادرة على مناورة الأقمار الصناعية.

كما اختبرت شركة بريطانية في العام الماضي مركبة تزن 100 كيلوغرام مجهزة بشبكة لجمع النفايات الفضائية.

وحتى دون تصعيد عسكري، يمكن أن يتسبب التدمير الأولي لعدد صغير من الأقمار الصناعية في أضرار جسيمة للأنشطة اليومية على الأرض.

ويمكن استخدام التقنيات التي يمكنها تنظيف الحطام الفضائي في تدمير أقمار العدو، ما يعني أن الدول الأكثر قدرة على التخلص من الحطام في المستقبل سوف تتمتع بقدر أكبر من الكفاءة التي تمكنها من تدمير أقمار العدو الصناعية.

إذا اندلع نزاع حقيقي يمتد إلى الفضاء، يمكن أن تصبح هذه التقنيات جزءا أكبر من المشكلة.

وسيكون من الأسهل العثور على الأقمار الصناعية وتدميرها بدلا من تنظيف الحطام الفضائي الذي تنتجه الأقمار الصناعية المنهارة أثناء النزاع.

ورغم منافسة روسيا والصعود السريع للدور الصيني، لا تزال الولايات المتحدة هي القوة الأولى المهيمنة في ميدان غزو الفضاء وهي الأكثر اندفاعا في توسيع استثماراتها الفضائية وهي تمتلك اليوم نحو نصف جميع الأقمار الصناعية الموجودة على المدار.

لكن الجيش الأميركي يدرك مخاطر الحرب في الفضاء. ولذلك تركز استراتيجية واشنطن الفضائية على امتلاك القدرة على ردع الآخرين، رغم أنها مستعدة للدفاع عن أقمارها الصناعية وشن هجمات مضادة إذا لزم الأمر.

قد لا يكون الردع لوحده كافيا في ظل السباقات السرية بين عدد متزايد من الدول لتطوير قدرات أسلحتها المضادة للأقمار الصناعية. ولذلك لم يعد مستبعدا أن تمتد النزاعات من الأرض إلى الفضاء عبر هجمات مباشرة على أقمار العدو.

مستقبل غامض

الجنرال جون هيتن:  الخسائر والأضرار الجانبية اللاحقة لأي نزاع فضائي سوف تكون أكبر من خسائر الحرب العالمية الثانية
الجنرال جون هيتن: الخسائر والأضرار الجانبية اللاحقة لأي نزاع فضائي سوف تكون أكبر من خسائر الحرب العالمية الثانية

حتى الآن لا توجد معاهدات تنظّم تطوير الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية أو اختبارها أو إطلاقها.

ورغم التحذيرات والمعارضة التي تواجه اختبارات الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، إلا أنها لم تمنع دولا مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند من إجراء اختبارات لأسلحتها الخاصة.

وكان للولايات المتحدة الدور الأكبر في شيوع تطوير واستخدام تقنيات الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.

في سبتمبر عام 1985، أطلقت الولايات المتحدة الصاروخ المضاد للأقمار الصناعية “آي.أس.أم 135 أسات” من طائرة مقاتلة من طراز “أف 15” ودمرت قمرها الصناعي “سولوفيند” الذي كان على ارتفاع 555 كيلومترا.

وفي فبراير 2008 دمرت القمر الصناعي العسكري “يو.أس.أي 193” بنجاح عبر صاروخ “أس.أم 3”. وهي تقول إن آخر قطعة باقية من ذلك القمر الصناعي احترقت في الجو في 9 أكتوبر عام 2008.

اليوم تتزايد دعوات شخصيات في أنحاء العالم وخاصة في الولايات المتحدة لوضع معايير تهدف لمنع انتشار المزيد من الحطام الفضائي. يشمل ذلك قائد القيادة الاستراتيجية الأميركية الجنرال جون هيتن، الذي ناقش مخاطر الحطام الفضائي في 9 أبريل في أعقاب الاختبار الهندي.

وقال إن الخسائر والأضرار الجانبية اللاحقة لأي نزاع فضائي ستكون أكبر من الحروب السابقة من الحرب العالمية الثانية إلى الحروب اللاحقة في فيتنام وكوريا.

ومع ذلك تواصل المنافسة الشرسة بين القوى العظمى تقويض جميع الجهود لدرء مخاطر حروب الفضاء. وقد كان لواشنطن دور كبير في عرقلة التوصل لاتفاقيات تهدف إلى الحد من سباق التسلح في الفضاء خلال العامين الماضيين.

ويشير انهيار “معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى” الوشيك إلى تضاؤل احتمال وضع قواعد متماسكة لاستخدام الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية في المستقبل القريب في وقت تندفع فيه الصين، التي لم توقع على المعاهدة، نحو تطوير قدرات صاروخية تعتبرها واشنطن تهديدا لقواتها في المحيط الهادي.

كل ذلك يعرض الاستخدام السلمي للفضاء إلى تهديد جدي في ظل استمرار التجارب الخارجة عن نطاق السيطرة.

في أحسن الأحوال سيتواصل التنافس بين القوى العظمى في تطوير تكنولوجيا الفضاء وزيادة الحطام الفضائي، الذي يهدد بتعطيل الأقمار الصناعية ذات الدور الأساسي في الاقتصاد العالمي سواء عن قصد أو عن طريق الخطأ.

وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تندلع حرب فضائية لا يمكن لنا تخيل عواقبها على حياتنا.

17