سباق الدبلوماسية الشعبية في مصر

الاثنين 2013/11/11

البعد الخارجي أصبح رقما مهما في كثير من الأزمات السياسية. وكل طرف من الأطراف المحلية في أي صراع يحرص الآن على أن يحظى بتأييد أو بمباركة لموقفه من بعض الجهات الخارجية المؤثرة، والتي تحولت إلى عنصر سياسي فاصل في النتيجة النهائية لبعض الصراعات. وأضحت الأحزاب المتنافسة أو المتصارعة تضع عينا على متابعة الشأن المحلي وأخرى لتوصيل صوتها إلى قوى خارجية مهمومة بالتعرف على تفاصيل التطورات الداخلية. وقد منحت الأزمة الراهنة في مصر ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية فرصة لرواجها، حيث قامت السلطات الحاكمة بإرسال وفود إلى دول مختلفة، منها الإمارات وروسيا وبريطانيا، لتوضيح موقفها السياسي. ولم تتوان جماعة الإخوان عن القيام بالتصرف نفسه، فأرسلت وفدا زار مؤخرا عددا من الدول الأوروبية، منها بلجيكا والنمسا، للغرض ذاته.

ربما تكون الأزمة في مصر مختلفة عن أزمات مشتعلة في دول أخرى، من حيث التوصيف والتداعيات. فهناك من يعتقد أن ما حدث في الثلاثين من يونيو- حزيران الماضي ثورة شعبية بامتياز، وهناك من رأى أنه بمثابة «انقلاب عسكري». كما أن البعض يجزم أن السلطات الحالية تمسك جيدا بزمام الأمور وتقف خلف خارطة الطريق أغلبية شعبية كاسحة، بينما توجد فئة صغيرة تشكك في هذا التقدير، وترى أن الإخوان لا تزال لهم اليد الطولى في الشارع، وأن مظاهراتهم تقض مضاجع السلطات الحاكمة، وفرصتهم في العودة للحكم ممكنة. وقد انتقل صراع التقديرات من الداخل إلى الخارج، ووجدنا تباينا لافتا على مستوى التوصيف والتداعيات أيضا.

لكن النقطة المهمة في التفاوت أنها تعود، إما إلى طبيعة المصالح الحاكمة التي أجبرت بعض القوى على تبني وجهة نظر أو توصيف معين، أو سوء فهم والتباس وارتباك في الحالة المصرية، جراء التضارب الحاصل في التقديرات. والجزء الأول ينطلق بالطبع من رؤية ثابتة، محكومة بحسابات سياسية راسخة، كأن تدعم روسيا والصين الموقف الرسمي، وتقف الولايات المتحدة وتركيا وقطر وماليزيا وراء الإخوان. والجزء الثاني (الالتباس) يضم قائمة طويلة من شعوب دول، غربية وآسيوية وأفريقية، وهو ما تحاول الدبلوماسية الشعبية العزف على أوتاره وكسب رهاناته.إذا كان التصنيف الأول، يخضع لحسابات المصالح السياسية والإيديولوجية فإن فرص التأثير فيه تبدو ضعيفة، ما لم تلجأ هذه الدولة أو تلك إلى تغيير جذري أو هامشي في تكتيكاتها، يفرضه حجم الخسائر ونوعها. وقد رأينا تبديلا واضحا في التكتيك الأميركي مؤخرا، من دعم الإخوان بلا حدود إلى الاقتناع النسبي بوجهة النظر الرسمية، بصورة دفعت واشنطن إلى محاولة التفاهم مع القاهرة حول الملفات الشائكة. لكن التصنيف الثاني الذى يقف في منطقة تتسم بدرجة عالية من السيولة يحتاج إلى جهود مقنعة لتغيير رؤية أصحابه. ولأن الأوضاع في مصر مربكة حتى لنخبها والمقيمين فيها، فإن الناظرين إليها من الخارج أشد احتياجا لرفع الغطاء عن مناطق الالتباس والارتباك والتخبط.

لدى كل من طرفي الصراع في مصر ركائز قوة وعناصر ضعف. فالسلطات الرسمية تملك مقومات الاستفادة من القيمة الاستراتيجية للدولة، والتي تعد مهمة لمصالح دول كثيرة في العالم، تراجع نفسها (الولايات المتحدة) أو تخطب ودها الآن (روسيا والصين). لكن في المقابل تقوم دبلوماسيتها الشعبية على تعريف المعرّف، بمعنى أن القاهرة لديها علاقات وثيقة مثلا مع كل من الإمارات وروسيا وإلى حد ما بريطانيا، ومع ذلك قصدت وفودها عواصم هذه الدول، وتجاهلت دولا أخرى أشد احتياجا للتوضيح وتوثيق العلاقات. كما أن أعضاء هذه الوفود لم يتم انتقاؤها بشكل جيد، وضم معظمها عناصر خدمت في كل الأنظمة التي حكمت سابقا، فافتقرت إلى روح الثورة المصرية، ولم يساندها الإعلام بالطريقة الكافية. وعلى العكس أدى التضخيم الإعلامي لوفود الإخوان لتعظيم دورهم، والغطاء الدبلوماسي الذى وفرته دولة مثل قطر أو تركيا إلى منحهم ديناميكية في التحرك والوصول لقطاعات عريضة، لكن يظل ارتباك خطابهم وابتعاده عن الواقع عنصرا سلبيا في الوصول للطموحات.

الفريقان يجتهدان في سباق مجهول الخطوط، وعند كل طرف مفردات للقوة وأخرى للضعف. ويبدو أن فريق الإخوان قد كسب بعض الجولات حتى الآن، ليس لشطارة وفوده وضعف الوفود الرسمية، بل لأن الأخير لم يحسن استخدام أوراق قوته جيدا. فالبعثات الدبلوماسية الرسمية لم تقدم لهم دعما كافيا، ولم تقم أصلا بدورها منذ الأيام الأولى لثورة يونيو- حزيران الماضي، ما جعل الرأي العام في الخارج يبدو أحيانا أقرب للاقتناع برؤية الإخوان. ناهيك عن المبادرات الشخصية والتحركات الواسعة التي يقوم بها أتباع الجماعة في دول أوروبية مختلفة، أفضت إلى التعاطف نسبيا معهم. وظهرت معالم ذلك في بعض التجمعات الفنية والثقافية والرياضية. نعم اتخذت بعض التصرفات أنماط همجية، مثل الهجوم على الأديب علاء الأسواني في فرنسا، غير أنها كشفت عن ارتفاع درجة التنظيم والتخطيط لديهم، التي يشرف عليها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ويتخذ من بعض الدول الأوروبية قواعد لتحركاته.

بالتالي فالحضور والتواجد ساهما في توصيل الفكرة والرؤية، في حين بدت وجهة النظر الرسمية غائبة عن الساحة في أوقات كثيرة. أضف إلى ذلك التواصل مع الإعلام، سواء كان مدفوعا أو متطوعا. فقد تمكن التنظيم الدولي من دفع مبالغ طائلة لنشر إعلانات بالأجر لتوضيح رؤية الإخوان. وخلال زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية لندن مؤخرا، تمكن التنظيم من نشر إعلانين على صفحة كاملة في كل من الجارديان البريطانية وفرانكفورتر تسايتونغ الألمانية، بينما رفضت الفاينانشيال تايمز البريطانية نشر إعلان الإخوان. وفي جميع الأحوال وظفت الجماعة سلاح الإعلام لصالحها. ونجحت في تحريك أنصارها المتطوعين، حيث نجدهم الآن يتولون الرد على الاتهامات التي تلاحق الإخوان في وسائل الإعلام المختلفة، حتى يتصور الواحد منا أن هناك مايسترو يرسم ويخطط أدوار هؤلاء. لذلك فجهود الدبلوماسية الشعبية وحدها لن تكفي لتحقيق المكاسب، فلابد من عوامل مساندة، خاصة أن جزءا من مقاطع الأزمة في مصر تدور رحاها في الخارج.

كاتب مصري

8