سباق الطائرات من دون طيار يبدأ الإقلاع

تنطلق الطائرات من دون طيار في محاولة للحاق بالدراجات والسيارات في سباقات معترف بها عالميا، وتدرّ أرباحا هائلة في الولايات المتحدة كمقدمة لانتشارها التدريجي في جميع المدن الكبرى حول العالم.
الثلاثاء 2016/09/27
تحول ألعاب الفيديو إلى واقع!

لندن – في أحد أيام الأحد أمام حشد صغير من المتفرجين في مركز تسوق مهجور بجنوب وسط لوس أنجلس، ارتدى الشبان الأربعة نظارات واقية، واستعدوا لسباق الطائرات من دون طيار الموجودة بحوزتهم. أثناء جلوسهم أمام لافتة ترويجية للدوري الجديد لسباق الطائرات من دون طيار، يضع الرجال إبهامات أيديهم على كبسات وحدات التحكم، في انتظار جرس البدء.

ومن وراء كواليس التكنولوجيا العالية والسرعة العالية للمسابقات الجديدة للطائرات من دون طيار، خرجنا بهذه الحصيلة. تم تنصيب الطائرات من دون طيار على منصات مرفوعة على بعد أمتار قليلة.

واتباعا للمنطق الكلاسيكي لعتلة التحكم، كانت الطائرات قد جردت من كل شيء إلا من العناصر الأساسية التي تحتاج إليها وذلك لتقليل الوزن: بطاريات صغيرة مستطيلة ثابتة مع أربع مراوح، وكاميرا أمامية مصغرة، واثنين من الهوائيات. وفي رحلة الطيران، استكملت مظهرها، الشبيه بالحشرات، بطنين مزعج غامض، صوت يقع في مكان ما بين طنين النحلة وحفر طبيب الأسنان للضرس.

البيئة المحيطة كانت تنبؤية مسرحيا. الموقع الذي كان ذات مرة مركزا تجاريا مهما، “هوثورن بلازا” الذي تم التخلي عنه في عام 1999، ومنذ فترة تم تسليمه لعدد من المتشردين الذين لا بيوت لهم. لكنه الآن كان مثل الكهف المهجور المغبر، والمغطى بالكتابة على الجدران. ورغم ذلك، توجد هنا وهناك، لمبات نيون كبيرة تتخلل الكآبة. وكانت هذه بوابات السباق التي رسمت حدود المسار.

لدى الكثير من الطيارين خلفية في سباق الدراجات أو التزلج على الماء، والبعض لديه خبرة في سيارات التحكم عن بعد، والجميع يبدون محترفين في ألعاب الفيديو

يقول مراسل صحيفة “فاينانشيال تايمز″ ستيفن وايت الذي كان يرقب السباق من بعيد “انطلق جرس الإنذار، وكانت الطائرات من دون طيار تنطلق مصدرة طنينا، ارتفعت بلطف، ثم مالت إلى الأمام، مكتسبة السرعة، احتضنت المصعد الصدئ في طريقها إلى نقطة تفتيش الطابق الثاني، ثم تدنت مفعمة بالحيوية والنشاط من خلال منعطف عمودي، لتهبط مسافة 15 قدما وتدور 180 درجة لتعود إلى السباق متجاوزة الأشخاص الذين يتحكمون فيها، من وراء ستار شباك السلامة، صفق الحشد أثناء مرورها، لكن الطيارين، المجمدين في كراسيهم، لا يمكنهم رؤيتها”.

وأثناء انعطافها أسفل الممر المباشر للمركز التجاري كان قد تم تعقبها من قبل كاميرا علقت على الكابلات، وتحول انتباه الجمهور من ميدان السباق إلى المراقبين. وأثناء الالتفاف في الدوران النهائي، اصطدمت طائرتان، وتدحرجتا على الأرض بعد سلسلة من النقرات التي تردد صداها. روى المذيع مندهشا ما حدث عبر نظام داخلي لمخاطبة جمهور الحضور، في حين أن الزوج الناجي من الطيارين دفعا طائراتهما باتجاه البوابة النهائية. عبر المنتصر خط النهاية مباشرة قبل منافسه. وكان قد قطع مسافة كيلومتر كامل في أقل من دقيقة. وفي الوقت الذي بلغت فيه طائرته الشباك الموجودة وراءها، صفق أنصاره الموجودون بين الجمهور وهتفوا باسمه. وقف وضرب بقبضته في الهواء احتفالا بالنصر، لكنه فعل ذلك بحذر شديد، وكأنه رجل أعمى لا يرى العالم حوله؛ وعيه عالق في روبوت صغير على الأرض بطول 20 مترا إلى يساره…

ويقول ستيفن وايت، الذي كان واقفا على مقربة من موقع السباق “قبل ذلك بساعة، كنت أمشي في المحيط مع نيكولاس هورباكزيوسكي، الرئيس التنفيذي لسباق دوري الطائرات من دون طيار. وهو حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد ويستشهد بعبارات من ساوث بارك، هورباكزيوسكي يضفي على دوره الإداري استعلاء منضبطا، وإن كان يشي بنوع من الهوس التكنولوجي”.

استشعر هورباكزيوسكي أول مرة الإمكانيات التجارية للطائرات من دون طيار بينما كان يعمل لدى موزع عسكري لبيع طائرات الدرون الرباعية التكتيكية للجيش الأميركي. بعد فترة قضاها في الإدارة بشركة “تاف مادر” التي تختص في حجز مسارات السباق الربحية التي توضع فيها المعيقات، أنشأ شركة لنفسه.

هورباكزيوسكي له ذوق في إعداد المشاهد المذهلة. فقد تم تزيين مسار “آل إيه” بدعائم لا تحمد عقباها -علامات مرور متحللة وأكوام مصطنعة من المعادن الصدئة- وكان قد زوّر النتيجة من أجل مكافأة النزعة العدوانية. وكانت المسابقة قد جلبت عشر طائرات من دون طيار لكل مشارك، وحث طياريه على دفع الطائرة إلى الحد الأقصى. وقال “أقول لهم إذا لم تتعرض لحادث بالطائرة، فإنك لا تتسابق بما فيه الكفاية”.

بدء مسابقة رياضية أمر صعب بشكل معروف، وهو أمر يعرفه مشجعو “كرة السلة التي تُلعب على الترامبولين”. لكن النجاح المتزايد للرياضات الإلكترونية يوحي باحتمال وجود نوع جديد من محبي السباقات. لعبة الفيديو التنافسية الأكثر شعبية في هذه اللحظة هيDefence of the Ancients 2 المقاتلة متعددة اللاعبين على الإنترنت، حيث يتنافس كبار اللاعبين للحصول على جوائز نقدية. نهائيات دورة العام الماضي لفتت انتباه 20 مليون مشاهد.

شركة “دي أر آل” تسعى إلى إدارة هذه السوق نفسها: الحدث الأول لها الذي عقد في ملعب شاغر في ميامي في يناير، اجتذب حتى الآن 11 مليون مشاهدة على الإنترنت. الحداثة تعتبر جزءا من هذا الجذب، بطبيعة الحال، لكن اللاعبين -الذين يبدو أن لديهم الكثير من وقت الفراغ- لديهم عادة البقاء حول ذلك.

السباق في حاجة إلى الوقت للحاق بسباق السيارات والدراجات

مع حلول الوقت يأمل هورباكزيوسكي في جذب المشجعين من رياضة السيارات التقليدية، إذ يعتزم القيام بجولة في جميع أنحاء العالم، ويبحث عن مواقع مثيرة للاهتمام، مشيرا إلى نظام مترو الأنفاق المهجور تحت ستوكهولم ومدينة ملاهي مفككة في اليابان. وقال “نحن نقوم بتنشئة جيل من الطيارين”.

شرح هورباكزيوسكي ثلاث طرق يمكن للدوري من خلالها كسب المال: بيع التذاكر، وجذب رعاة للمشروع، وتجارة التجزئة لسلع ذات علامات تجارية. وكان أكثر حماسا للأخيرة، وأعرب عن أمله القريب في دفع طائرة الدرون الرباعية لديه لعامة الناس، مشيدا بسرعتها وخفة وزنها التي تدعم قدرتها على المناورة. إنها سوق مزدهرة. وسيتم بيع أكثر من مليون طائرة بدون طيار للمستهلكين في الولايات المتحدة في عام 2016.

ويقول وايت “عندما اقترحت إمكانية حصول مرتادي الحديقة يوم الأحد، على العلامات التجارية لطائرات من دون طيار سباق من نوع DRL تتنقل لمسافة 70 مترا في الساعة، شعر هورباكزيوسكي بالتوتر، ثم تحول إلى لغة متأنية محدودة المسؤولية”. وقال هورباكزيوسكي “بالطبع، ينبغي أن تكون هناك قوانين تنظيمية”.

من الضروري أن تكون هناك قوانين تنظيمية. قبل يومين، على بعد بضعة أميال إلى الشرق من اجتماع لوس أنجلس، قام طيار هاو بتوجيه طائراته إلى ممر الملاحة الجوية واقترب على مسافة 100 متر من طائرة ركاب لوفتهانزا كانت تهبط على المدرج. أطلق مديرو شرطة لوس أنجلس حملة مطاردة للمشغل، لكن لم يتمكنوا من تحديد مكانه في التلال المحيطة بها. على الرغم من أن ذلك يمكن اعتباره حادثا، إلا أن هذه الواقعة احتلت عناوين الصحف، وسلطات الطيران اعتبرته “شبه مفقود”؛ الطيارون ارتكبوا حوادث في الطائرات من دون طيار مثل الارتطام بالمباني وخطوط الكهرباء وبالمارة، وحتى في ما بينهم. في العامين الماضيين، كانت هناك 200 من هذه الحوادث في ولاية كاليفورنيا وحدها.

ووراء ستار أسود اللون يقود إلى داخل صالة الطيارين للطائرات بلا طيار، تتراجع كثيرا الصورة النمطية الذكورية، من الخليط الذي يجمع بين رائحتي العرق ووقود الطائرات في فيلم Top Gun والرائحة الثقيلة التي عادة ما تحيط بالمكان أثناء ألعاب الطاولة.

كان الطيارون الحاضرون الذين بلغ عددهم 12 شخصا من الذكور فقط وكانوا يرتدون قمصانا بنصف كم ذات مقابض للسباق مطبوعة بخطوط ملونة على المقدمة. لم يتلقوا أي أجر، لكن تمت تغطية تكاليف سفرهم وإقامتهم. أثناء الحدث، كانوا يتجولون ويتحدثون ويراقبون قائمة المتصدرين.

وكان ستيف زوماس قد فاز في السباق الأول الذي أقيم في ميامي. زوماس، مقاول البناء من لونغ آيلاند ذو الذقن الحليق والأسلوب اللطيف، نسب نجاحه إلى قدرته على ضبط أعصابه، وشرح كيف أنه شحذ تركيزه من خلال أنفاس عميقة قبل كل سباق.

يقول زوماس “هناك الكثير من الأشخاص على يوتيوب ممن هم أفضل مني أداء كطيارين، لكنهم لا يستطيعون التعامل مع الضغوط”.

كانت استراتيجية زوماس تكمن في الانتزاع المبكر لمركز الصدارة ومن ثم المضي قدما. وكعداء، مارس عملية الإقلاع كثيرا، وفي دورة التدريب النموذجية، ربما كان يستهلك 30 أو 40 مجموعة بطاريات، مع التركيز على الحصول على بداية جيدة منذ لحظة الانطلاق. قال “أبدأ في المقدمة لأفرض ضغطا على اللاعبين الآخرين. ومن ثم لا يمكنهم فعل أي شيء سوى الشعور بالقلق من تقدمي عليهم”.

أما مالتي لينين من دوسلدورف في ألمانيا فقد كان يتبع نهجا علميا أكثر. كلاعب في سباق السيارات، اتخذ سباق الطائرات من دون طيار بعد مشاهدته لفيديو مثير عبر “يوتيوب”. والآن، يسعى إلى الإتقان والكمال، ويشعر بأن المفتاح لتحقيق ذلك هو الدراسة الجادة.

أمضى لينين ساعات في منتديات السباق، يقرأ عن عدد من التقنيات التي لا تزال آخذة في التطور.

ستيف دول: من الصعب مراقبة هذا الحدث كرياضة تستحق المشاهدة، أنت بحاجة إلى مرحلة ما بعد الإنتاج لجعله حدثا ناجحا

يمتلك الكثير من الطيارين خلفية في سباق الدراجات، أو التزلج على الماء. والبعض لديه خبرة في سيارات التحكم عن بعد. والجميع يبدو أنه كان يستمتع بألعاب الفيديو.

ويقول وايت “في الوقت الذي توقعت فيه بكل سذاجة أن يتكلموا حول خبرتهم مع تلك الآلات، بدا العكس هو الصحيح: فقد كانت الميزة الرئيسية للطيار هي القدرة على الحفاظ على مسافة بعيدا عن النظرات المسلطة على الفيديو”. وكانت الخدعة في ذلك لفهم أن الطائرة هي عبارة عن كيان منفصل عن غيرها، وبالتالي ليست خاضعة لنفس القواعد المادية التي يخضع لها الإنسان. وقدم كونراد فورادي ميلر، الميكانيكي السابق في سلاح الجو من بويس آيداهو، تفصيلا لذلك. قال “إن الشعور بالطيران يجعلك تشعر بالخوف. يجب علي أن أبقى جالسا في مقعدي أثناء التمرين، وإلا فإني سأنسى أين أنا”.

كان السباق الثاني أقل إثارة. فقد دامت كفاءة بطاريات الطائرات لبضع دقائق فقط، وكان يتعين استبدالها كل فترة. وكانت آليات تحقيق الأهداف معقدة، وكان من الصعب تحديد الفائز. مع نهاية السباق الثالث، ساد شعور من الملل. بعد فترة من الوقت، حتى عمليات التحطم أصبحت مملة، مجرد ألعاب ترتطم بالأرض. بدا سباق الطائرات من دون طيار عالقا في مكان غريب ما بين سباق السيارات “فورميولا وان” ولعبة السباق على الفيديو “ماريو كارت”.

ويتفق مع ذلك ستيف دول، وهو مصنع لطائرات من دون طيار كان يرعى أحد الطيارين. ودول الذي كان يقف في منطقة الطيارين، كان على وشك تحويل هوايته إلى مهنة مشروعة، لكنه بدا وكأنه محبطا من هذا الحدث. وقال دول “إنه من الصعب مراقبة هذا الحدث كرياضة تستحق المشاهدة. أنت بحاجة إلى مرحلة ما بعد الإنتاج لجعله حدثا ناجحا”.

بالتأكيد يتحسن سباق الطائرات من دون طيار من خلال التعديل. حيث إن تصميم مسار السباق ذكي، بوجود شرائط سحب في أجزاء أكثر تشديدا تتطلب إجراء مناورات فنية من قبل مختصين.

ولا يستطيع المشاهدون أن يروا ما في داخل تلك الممرات المضللة، وهو المكان الذي يحصل فيه الحدث الأكثر إثارة. لذلك في الوقت الذي يحدد فيه الفائز في مثل هذا النوع من السباقات في أقل من دقيقة، يتم شمول ما تلتقطه الكاميرات في الطائرات مرة واحدة فقط، بحيث يتم فصله من خلال إعادة بالحركة البطيئة، ومن ثم ترتيبه بالتسلسل مع مسار صوتي معين، وبهذه الطريقة يتم بالفعل تنفيذ السباق.

13