سباق تصعيد المواجهة الأميركية الروسية

السبت 2014/07/19

توصلت روسيا أخيرا إلى اتفاق مع كوبا يقضي بإعادة افتتاح قاعدة التجسس التي أُسست سابقاً في عهد الاتحاد السوفيتي، قبل أن يجري إغلاقها مطلع العقد الماضي. هكذا، تتأكد نوايا روسيا في المضي قدماً في المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية وتحدي نفوذها، بل ومحاولة تقويضه.

الخطوة الروسية أتت قبل يوم واحد على إعلان أميركا وأوروبا تصعيد العقوبات الاقتصادية على روسيا بسبب استمرار تدخلها في أوكرانيا ومواصلة دعم الانفصاليين، بما يشبه تصعيد بين الجانبين، وبما ينذر باحتدام المواجهة بوتيرة متسارعة.

هكذا يحاول فلاديمير بوتين انتزاع وجود سياسي عسكري في المحيط القريب جداً من الولايات المتحدة، وهو ما يعتبر بمثابة رد واضح على محاولة أميركا تكثيف نشاطها وتوسيع قواعدها العسكرية في آسيا الوسطى. إذ جرى الحديث مؤخراً عن مفاوضات مكثفة تجريها إدارة باراك أوباما مع دولة أوزباكستان لتكون المركز الرئيسي للوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بعد الانسحاب الذي بات قريباً من أفغانستان.

وإنه لرد قوي بالفعل أن تعيد موسكو افتتاح قاعدة التجسس في كوبا والتي أنشئت في العام 1967 باعتبارها أكبر قاعدة تجسس سوفيتية، عمل فيها نحو 3000 جندي وعنصر استخبارات روسي لالتقاط الاتصالات الهاتفية والإذاعية الأميركية. وتكمن أهميتها في أنها لا تبعد عن السواحل الأميركية أكثر من 155 ميلا. وكان بوتين نفسه قد قرر إغلاق تلك القاعدة في العام 2001، مبدياً في ذلك الحين مجموعة أسباب بدت ذرائعية إلى حد كبير، كالحديث عن ارتفاع تكاليف التشغيل، إذ تدفع روسيا 200 مليون دولار سنويا كإيجار للقاعدة. غير أن السبب الجوهري تمثل في ضغوط الولايات المتحدة على روسيا وطلبها المباشر بإغلاق تلك القاعدة.

يضاف إلى ذلك عدم جاهزية روسيا في ذلك الحين لأي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الأميركية، وتفضيل تحسين العلاقات في فترة استثنائية شهدت تنامي صلف وعدوانية وجنون الولايات المتحدة. وليس أدل على درجة استسلام روسيا وجموح أميركا مطلع العام 2001، سوى التذكير بأن إغلاق القاعدة الروسية ترافق مع نشر أميركا لقواعد عسكرية جديدة في كل من قيرغيزستان وأوزبكستان، ومع اتفاقيات عقدها الجيش الأميركي لتسهيل تحركات الطيران الحربي الأميركي في أجواء طاجيكستان والسماح باستخدام المطارات الطاجيكية للهبوط. واكتمل التوسع الأميركي في محيط روسيا بغزو أفغانستان، دون أن تبدي روسيا أي تحركات مضادة، مكتفية بالتنديد والشجب من خلف فرنسا في مجلس الأمن.

ولكن، ما الذي يدفع كوبا إلى السير قدما في استضافة قاعدة استخباراتية قد تعزز من سخط أميركا على البلد المعزول والمحاصر؟

في المقام الأول، لا تزال كوبا بلدا معاديا للولايات المتحدة، وقد أبدت على الدوام استعدادا للتعاون مع أي عدو محتمل لـ”الامبريالية الأميركية” التي استخدمت كل الوسائل لتقويض الحكم الشيوعي في كوبا. لقد كانت كوبا على الدوام جزءا رئيسيا من محاولات بلدان أميركا اللاتينية الفكاك عن الهيمنة الأميركية، التي وصلت حد تنظيم الانقلابات، ومحاولات الاغتيال للزعماء المنتخبين المخالفين لسياساتها.

أما الدافع الآخر، فينطلق من المصلحة المادية المباشرة. إذ لم تنته زيارة الرئيس الروسي لكوبا إلا بإعلان روسيا عن شطب نحو 90 في المئة من الديون الكوبية، التي كانت قد تراكمت عبر سنين طويلة في عهد الاتحاد السوفيتي والبالغة 32 بليون دولار. ربما يكون ذلك بمثابة الثمن المباشر والمغري لإعادة افتتاح قاعدة التجسس.

ولا تشكل القاعدة الاستخباراتية آخر هموم ومتاعب أميركا والغرب، فخلال زيارة الرئيس الروسي لدول أميركا اللاتينية انعقدت القمة السادسة لدول مجموعة «البريكس»، التي تضم البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا إضافة إلى روسيا. وخلصت القمة إلى إعلان إنشاء “صندوق التنمية الجديد” الذي سيكون مقره في شنغهاي برأسمال قدره 50 بليون دولار.

وإنه لأمر واضح أن قرارات دول مجموعة «البريكس» تلك تأتي في إطار تقويض الهيمنة المالية لأميركا والغرب على العالم. إذ أعرب زعماء القمة في أكثر من مناسبة عن عدم رضاهم على التمثيل المجحف لدولهم في مؤسسات صندوق النقد والبنك الدولي التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها. وفي هذا السياق دعا الرئيس الروسي، المتحفز لتصعيد المواجهة، زعماء «البريكس» أثناء انعقاد القمة إلى “التفكير معا في نظام تدابير يحول دون مضايقة الدول التي تختلف في الرأي مع قرارات الولايات المتحدة وحلفائها”.

كل ذلك يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار جدي لقدراتها على التصعيد، الذي يكاد يكون قد اختفى من قاموسها، فهي استخدمته لمرة واحدة فقط طيلة ولاية أوباما الممتدة لسبع سنوات، وذلك بعد استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي. لكن حجم الخسارة الأميركية المتصاعدة أمام روسيا لا يدع مجالاً إلا لمزيد من التصعيد بين البلدين.


كاتب فلسطيني سوري

9