سباق دبلوماسي بين مصر وإثيوبيا

شعور بالمؤامرة في أزمة سد النهضة يطغى على تفكير الإدارة المصرية الأمر الذي فرض اللجوء إلى تفعيل الخيار الدبلوماسي لأن طرح سيناريوهات عسكرية له عواقب وخيمة من غير تهيئة الأجواء السياسية.
الجمعة 2021/04/23
معركة دبلوماسية لإبراء الذمة

هدأت نبرة التجاذبات الفنية بين مصر وإثيوبيا وبدأ كل طرف في خوض معركة دبلوماسية ظاهرها توضيح المواقف وباطنها إبراء الذمة من عواقب استمرار الانسداد في المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق، حيث يسعى كل جانب لشرح رؤيته وتحميل الجانب الآخر مسؤولية عدم التوصل إلى نتيجة إيجابية حتى الآن.

شرعت مصر في تحركات دبلوماسية واسعة داخل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقدمت مذكرة تفصيلية حول التطورات تضمنت كشف التعقيدات التي تسبب فيها التعنت الإثيوبي والتنصل من الالتزامات التي أقرتها قوانين الأنهار الدولية، واتفاق المبادئ الموقع بين الدولتين ومعهما السودان في مارس 2015 بالخرطوم.

تستعد وزارة الخارجية المصرية للقيام بجولات أوروبية وأميركية وآسيوية وأفريقية للغرض نفسه، لأن إثيوبيا تعتزم القيام بالملء الثاني للسد في يوليو المقبل، وبعدها لن تجدي التحركات السياسية في الضغط عليها، كما أن أيّ عمل عسكري قد يحمل مخاطر كبيرة على السودان، إذا وصل مخزون المياه إلى نحو 20 مليار متر مكعب كحصيلة تقريبية مجتمعة للملء الأول والثاني.

بدأ وزير الخارجية سامح شكري بجولة تشمل كينيا وجزر القمر والكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا والسنغال وتونس لتنويرهم بطبيعة الموقف المصري، وحثّهم على بذل جهود لإنقاذ المفاوضات، وسواء بقي الملف في جعبة الاتحاد الأفريقي، حيث تترأس الكونغو دورته الحالية، أو جرى تصعيده داخل مجلس الأمن، مع عضوية كينيا وتونس حاليا، يمكن أن تحقق القاهرة فائدة، أو تعرف حدود تصرفاتها في الفترة المقبلة.

بادلت أديس أبابا الخطوات المصرية بأخرى مضادة داخل مجلس الأمن نفسه، وقدمت مذكرة قبل أيام شرحت فيها وجهة نظرها، ودافعت عن موقفها بحجة أن المشروع يرمي لتحقيق أعلى استفادة للمياه من دون المساس بمصالح دولتي المصب، وحوت الكثير من التفاصيل لإجهاض المسعى المصري للعودة إلى المجلس، وحصر المفاوضات في النطاق الأفريقي الذي لم يحقق تقدما ملموسا.

أخذت إثيوبيا على عاتقها التنسيق مع بعض الدول الأفريقية للقبول بمقترح قدمته، الأربعاء، دعت فيه جمعية الاتحاد الأفريقي للمشاركة في المفاوضات لتبتعد عن شبح التدويل، وتتجنّب فرض الصيغة الرباعية التي اقترحها السودان وأيدتها مصر، ودعت لمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي.

ينطوي السباق الدبلوماسي الراهن على ما هو أكبر من شرح الرؤى وتحديد المواقف ووضع النقاط أعلى الحروف وأسفلها، لأن كل دولة تريد حشد أكبر كتلة سياسية معها تحسبا لما قد يترتب على مناقشة الأزمة داخل أروقة مجلس الأمن أو الأمم المتحدة مستقبلا، وهو ما يتطلب تهيئة مسبقة تبين حصيلتها حجم النفوذ الذي يتمتع به كل طرف وقدرته على نسج شبكة مصالح، فلا يُوجد تأييد مجاني.

في ظل التفاعلات الإقليمية والدولية المتشابكة لم تعد الدول تمنح صكوك الدعم أو التأييد إلا في الحدود التي تحقق أهدافها وتضمن لها الحفاظ على مصالحها، بعيدا عن أيّ توجّهات أيديولوجية أو عقائدية، ما يضفي على التحركات الدبلوماسية صيغة المنافع المتبادلة، فالشرح وحده لن يكفي لتغيير الحسابات والتقديرات، ولهذا قد تفتح مصر، وإثيوبيا أيضا، مزادات مغرية لجذب القوى المستهدفة إليها.

انتبهت القاهرة مؤخرا لخطورة التحالفات التي عقدتها إثيوبيا مع قوى عديدة في ظل غيابها عن الساحة الأفريقية لسنوات، وزادت من خططها لعقد اتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري وسياسي مع الدول المجاورة لإثيوبيا لتصويب المسارات التي اختلت ومكّنت حكومتها من الصمود نحو عشرة أعوام من المفاوضات مع مصر والسودان، ولم تغير موقفها الثابت من احتكار السيطرة على النيل الأزرق.

تسير الدبلوماسية المصرية على خطوط متوازية عديدة، بعضها يريد الشرح والتفسير والتوضيح، والبعض الآخر يعمل على تكتيل التحالفات الإقليمية، والبعض الثالث يريد تفكيك الدول الداعمة لإثيوبيا أو تحييدها، الأمر الذي يحتاج إلى تنازلات أكبر من التحركات المجانية، لأن الدبلوماسية وحدها من الصعوبة أن تفضي إلى نتائج ملموسة، خاصة إذا اختزلت فقط في نطاق الدعاية.

تعلم القوى القريبة من أديس أبابا أن توطيد العلاقات معها أسفر عن مردودات على مستويات تتجاوز مسألة المصالح الاقتصادية المباشرة، ووصل إلى حد الاستثمار في تحجيم طموح مصر الإقليمي الكامن، فوجود منغص مستمر يتعلق بالمياه يعطل قدرتها على التمدد لاحقا، بعد أن تخلص النظام الحاكم في مصر من معادلة القبول بإملاءات من جانب قوى دولية، وعمل حثيثا لأجل كسب مساحة تبعده عنها.

يطغى شعور بالمؤامرة في أزمة سد النهضة على تفكير الإدارة المصرية، الأمر الذي فرض اللجوء إلى تفعيل الخيار الدبلوماسي لحل ألغازها، لأن طرح سيناريوهات عسكرية للتعامل مع الأزمة له عواقب وخيمة من غير تهيئة الأجواء السياسية.

تشير التحركات الدبلوماسية إلى أنها تحمل في طياتها تحذيرات من مغبة عدم التوصل إلى اتفاق مُلزم، فالقوى التي تحرص على استمرار مصالحها مع إثيوبيا سوف تتأثر بتصاعد العداء بين الدول الثلاث، وعليها التدخل قبل أن يفلت زمام الأمور من عقاله.

كما أن التوجهات السياسية تريد مصر من ورائها الإيحاء بأن الأمل لا زال معلقا بمسار المفاوضات، وعلى الرغم من أنها استخدمت لهجة حادة ورسمت خريطة للخط الأحمر الذي يدفعها للقيام بعمل عسكري، إلا أنها تريد تصويره حاليا على أنه أداة ردع، والتأكيد على أن تحويله لفعل مصحوب بوقوع الضرر.

بينما تتعامل أديس أبابا مع التهديد السابق على أنه محتمل حدوثه، ويدفعها لمناطحة القاهرة دبلوماسيا لتفشيل حشدها الذي يريد وضع الكرة في ملعب إثيوبيا بمفردها، وكي تُوجد انقساما على الساحتين الإقليمية والدولية، وتصوير أي تعامل خشن من القاهرة على أنه “اعتداء غير مبرر”، لتصل إلى يقين باللاجدوى العسكرية.

يؤدي الوصول إلى هذه النقطة إلى انتصار إثيوبيا سياسيا، لأن نزع ورقة الحشد الدولي وإبعاد القوى المؤثرة عن دعم الموقف المصري يُبقي الأزمة على طاولة المفاوضات لأطول فترة ممكنة، الأمر الذي جعل إثيوبيا تبذل جهدا دبلوماسيا كبيرا في هذا الفضاء الفترة الماضية.

وتخشى حكومة أديس أبابا من أن تقود التصورات المصرية إلى حشرها في زاوية الدولة المارقة في المنطقة بما يضاعف من همومها بعد زيادة وتيرة التنديد الدولي بممارساتها في إقليم تيغراي، وتفقد كل تعاطف معها في ملف سد النهضة، وتحصل مصر على مصداقية تبرّر هجومها المعنوي أو المادي على إثيوبيا.

9